وليد خازندار ما تخلّى أحدٌ عنا
لم يكن هناك، في الأصل، أحد
أشرعة بلون الفجر
وليد خازندار
2022
ــــــــــــــــــــــــــــــ
ـ I ـ
أيّ صوت هوى
إنْ رآكَ أحدٌ واقفاً
تستعيدُ ما جرى
إنْ لوَّحَ، رافعاً يَدَهُ
عارفاً أنَّهُ أنتَ
أو عساكَ، أو تَشَبَّهَ
لَوِّحْ أنتَ أيضاً، وابتسم.
قد يقطعُ من طريقِهِ خُطىً إليكَ
بهِمَّةِ من كانَ، ذلكَ اليومَ، هُنا
يشاركُ، أو يَدَّعي.
مُدَّ ذراعَكَ إنْ مَدَّ ذراعَهُ
شُدَّ على يدِهِ، إنْ فَعَلْ.
وارفَعْ، إنْ احتجْتَ
أيَّ صوتٍ هَوَى
آنها، في هذِهِ الساحة.
سيكونُ صوتكَ
قُلْ بهِ: عساكَ بخير.
أقواس تشدّها الريح
من الغيمِ أنَّها قد تمطرُ
دفعةً واحدةً، ربَّما لسنين.
السماءُ لم تكن على غضبٍ ورمادٍ
هكذا، في أيِّ وقت.
رجلانِ يسحبان قارباً من التيَّار.
الموجُ ينزلُ بالمراكبِ المربوطةِ
يعلو بها، توشكُ أن تغادر.
النخلُ أقواسٌ تشُدُّها الريحُ
ليس لهُ غيرُ جذورِهِ
تكادُ تنزعُها أغصانُهُ وتطير.
يندفعُ قَشٌ، تَنَكاتٌ فارغةٌ
أقفاصٌ من الأسطُحِ، أَعْلَى
أكياسٌ ورقٌ
أغطيةٌ عن العربات.
البيتُ الذي لم يُبْنَ
أمامَ البحرِ بَعْدُ
ولم يعد وقتٌ لهذا، يقاوم.
موسيقى تصويريّة
مشهدٌ من بعيد:
تتوقَّفُ سيَّاراتٌ سوداءُ
رجالٌ ينزلونَ منها
يصعدونَ بسرعةٍ إلى الطوابق.
يقفُ اثنانِ منهم
على المدخلِ من جانبيه.
العمارةُ انطَفَأَتْ
والعماراتُ المجاورة.
من يمُرُّ في هذا الوقتِ الذي تأخَّرَ
يعصرُ نفْسَهُ بين الرصيفِ والعرباتِ
دون أن يتلفَّت.
قَطْعٌ، مشهدٌ يقترب:
رجلٌ في غرفةِ الجلوسِ
في ملابسِ الخروج.
هادئٌ على كرسيٍّ
لا وقتَ لتفسيرِ هذا.
قد يكونُ لامقصوداً
بالخَبَطاتِ الجبّارةِ على بابِهِ
أو، لسبَبٍ، لا يسمعُها
أو توقَّعَ الأمرَ، عَوَّدَ نفْسَهُ عليه.
ربَّما لم يستطع أن يرسمَ انفعالاً على وجهِهِ.
أو قد يكون يُصغي إلى موسيقى عاليةٍ
ترافقُ ما يحدث.
عين الزوجة والأولاد
الأحسنُ أنْ يخرجَ إليهم
لا أن يبقى ينتظر:
يراجعُ ما سيقولُ، وكيفَ يفعلُ
كي لا يسقطُ من أعلى ما في عمرِهِ
عينِ الزوجةِ والأولاد.
ستكونُ خبطاتٌ على البابِ
طرشاءُ، لا داعٍ لقوَّتِها.
تتكمَّشُ زوجتُهُ بِهِ
يتكمَّشُ الأولادُ بهما.
سوفَ يخلعونَ البابَ إن لم ينفتح
يدخلونَ يقلبونَ البيتَ
ينزعونَ قلوبَ المخدَّاتِ والمراتِبِ
تَتَدَلَّى أيدِي القمصانِ
أرجلُ البنطلوناتِ
من الخزاناتِ والأدراجِ
كأنَّها أمعاء.
لكنْ حتَّى وإن خرجَ إليهم
سوفَ يأخذُهُ اثنانِ وتدخلُ البقيَّةُ
تفعلُ هذا، وأكثرَ
في الأغلبِ، على نحوٍ أكيد.
كعبات يوميّة
يتناقصونَ إلى درجاتٍ عاليةٍ
وقد يجيءُ وقتٌ لا يأتونَ فيه.
وهو نفسُهُ، إمامُ من تبقَّى
يتأخَّرُ اليومَ عنهم
ثُمَّ لا يلقي السلامَ حين يصل.
يصعدُ، ينظرُ كمن يعدُّهم:
إسمعوا أيها الإخوة، يقولُ دونَ بسملةٍ
الحكايةُ فيها غَلَط.
إن كان في الأمرِ ملائكةٌ سابقونَ
فليسوا غيرنا
إسمعوا، الشيطانُ هو الإنسان.
بيوتُنا، كعباتُنا اليوميَّةُ
مزاراتُ أحبابِنا
يهدمُها الأنسانُ علينا
نبنيها، فيعود يهدمها.
ثُمَّ نحنُ لسنا لا أحد
يداهمُنا الإنسانُ يأخذُ أبناءَنا وبناتِنا
أبناءَ وبناتِ الناسِ
لا نعودُ نراهم
ويريدُنا أن نسكُت.
سأقولها لكم بصراحةٍ أيها الإخوةٌ …
يكادُ يقولُها، لكنَّهُ يصمتُ
تدورُ عيناهُ بينهم
كمن يتأكَّدُ من عدَدِهم.
ينزلُ، يلبسُ خُفَّيهِ ويذهبُ
لا يفسِّرُ المعاني
ولا يشرحُ الكلماتِ الصعبة.
زوجها، أبو البنت
“تجيءُ، أجيءُ معها، يرنُّ جرسُ الرواح.
يَفِزُّ قلبُها من عينيها، أعرفُهُ وأراه.
مَنْ شافَها؟
تدورُ تسألُ البناتِ، مَنْ شافَها؟
“أطلبُ يدَها، فترفضُ
فأظلُّ أطلبُها، توافق.
نعودُ إلى دارِنا، تجدُها هناك.
تُحاكيها ما تبقَّى من النهارِ
تغنِّي لها، على طَرَفِ سريرِها
إلى أن تنام.
“تصحو لا تجدها فتنتظِر.
وحين لا تعودُ أبداً تجيءُ إلى هُنا
وأجيءُ معها.
“أنا زوجُها، أبو البنتِ
أنتَ تعرفُ يا أخي ما يحدُثُ
حينَ لا يستطيعُ القلبُ أن يحتمل”.
ما سوف يُرمى ذات يوم
السيِّدُ الفراغُ في الرواق.
لا معطفَ لهُ على علّاقةِ الخروج.
لا تعكسُهُ المرآةُ
يدخلُ الحجراتِ
يتركُها فارغة.
يقفُ على بابٍ مواربٍ:
مقاعدُ مقلوبةٌ على طاولةٍ عارية.
نحاسيَّاتٌ لا تلمعُ
فضِّيَّاتٌ منطفئة.
ستراتٌ في خزانةٍ دونَ أبوابٍ
تجاعيدُ على الأكمامِ، عند المَرافِقِ
ملابسُ مطويَّةُ
ما سوف يُرْمَى ذاتَ يوم.
عجوزٌ جالسٌ على كرسيٌّ
عيناهُ ثابتتانِ على ساعةِ حائطٍ
في هيئةِ كوخٍ
يصلُ العقربانِ إلى الخامسة.
يخرجُ عصفورٌ قَشٌ
يصيحُ مَرَّتينِ ويدخل.
الفراغُ نَفْسُهُ، السيِّدُ الأوَّلُ هُنا
لا يعرفُ كُلَّ وقتٍ كهذا
إنْ كان السيِّدُ الثاني يحاولُ أن يبتسمَ
أم لا يريدُ أن يبكي.
أحد يسمع
عيناهُ دائماً في عينَيَّ:
تقولُ كأنَّ أحداً يسمعُ.
على طاولةٍ على الشُبَّاكِ، أمامَها
فنجانُ قهوةٍ
وكوبٌ يرعشُ الماءُ فيه.
تدخلُ طفلةٌ تجري، وراءَها طفلٌ
يضحكانِ، يدورانِ، ويخرجان.
العمرُ يجري، تقولُ
كأنَّ أحداً لا يزالُ يسمع.
جيشٌ أسودُ في صفوفٍ على السجادةِ
يقابلُهُ جيشٌ أبيضُ في صفوف.
عروسةٌ وعريسٌ على الأريكةِ الأرجوحة.
رجلٌ على الجدارِ في بروازٍ أسود:
إنَّهُ يراني، تقولُ
في عينيهِ الآنَ حنانٌ أكثر.
ميدانٌ صغيرٌ من الشبَّاك.
أشجارٌ وعمودُ نورٍ وظلال.
مقعدٌ خشَبٌ عريضٌ
فارغٌ على العشبِ
يكفي لاثنينِ معاً، وطفلينِ
والليلُ ينزلُ، ينتصف.
قبل الميلاد
أرادَ أن يبني داراً طابقينِ
حديقتُها واسعةٌ
سورها حجرٌ من القدسِ
بابُها حديدٌ مشغولٌ، قبلَ أن يتزَوَّجَ أُمِّي.
أضاعَ سنيناً من مجيئي
يعملُ النهارَ كُلَّهُ
ونصفَ الليلِ والعطلاتِ
ثُمَّ أضاعَ سنيناً يبحثُ عنها:
كان يريدُ أُماً لي تليقُ بهِ.
رآها أمامَ بابِ دارِها تلعبُ مع البنات.
أخذَ جَدِّي، من فورِهِ، وطَلَبَها، ووافقوا
على أن ينتظرَ المزيدَ من سنينِ مجيئي
البنتُ لا تزالُ صغيرةٌ.
جئتُ متأخِّراً.
ولولا أنَّ لي أُختاً
جاءتْ متأخِّرَةً أكثرَ مِنِّي
وأصدقاءَ تأخَّروا مثلي
لما فهمتُ لماذا خرجتُ، كما قيلَ لي
صامتاً من أُمِّي
وتأخَّرَ صوتي شهوراً بعدَ وصولي
ثُمَّ راحَ فجأةً
وأحاولُ أن استعيدَهُ
لولا الناسُ الذينَ يخبِّئون في عيونِهم
بعضَ الأمل.
معونات وعنابر
“الصناديقُ وصَلَت.
عرفْتُ بعدَ سنينٍ أنَّ اسمها معونات.
رأيتُ الناسَ ينظرونَ إليها
من يَدٍ إلى يَدٍ إلى دارٍ كبيرةٍ إسمها عنابر.
وحين عادَوا إليها
وكَسَروا بابَها العالي ودخلوا
ودخلتُ معهم
عرفتُ بعدَها أنَّهم كانوا قد انتظروا
أكثرَ من مفاتيحِ الصبرِ
ومن كنوزِ القناعة.
“عنابرُ كانت كبيرةً ونظيفةً
لكنَّ معوناتٍ لم تكن هناك.
وجوهُ الناسِ صارت مثلَ وجهِ أبي
حينَ أعملُ شيئاً غَلَط.
قالوا كلاماً لا أذكرُهُ
بأصواتٍ مثلِ صوتِهِ حين يغضب.
“أحسنُ أن نهرب، قال ولدٌ أكبرُ مِنِّي
قبلَ أن تأتي الحكومة:
كنتُ في أوَّلِ الابتدائيَّةِ
حين عرفْتُ أن الحكومةَ غولةٌ
جائعةٌ ومخيفة”.
مخابئ النهار
خبيرُ العتمِ، يقطعُهُ
منْ مشيتما الليلَ مسرعَيْنِ بينَ التلفُّتِ
في أزِقَّةٍ كنتما تتلكَّآنِ فيها
تتحيَّنانِ خروجَ الأميرات.
مُراوغُ الكمائنِ، دليلُ مخابئِ النهارِ
منحنياتِ الشوارعِ الرمليَّة الضيِّقةِ
الحافظُ كلماتِ سِرِّ بين الحواكير.
إلْفُ الأزيزِ، صاحبُكَ
مراوغُ الكشَّافاتِ، سليلُ الاسترابةِ
العارفُ بالطريقِ من البحرِ إلى الضفَّة.
من اختارَ أَثْلاً وضَعَكَ منه في عينيهِ
بينما أنتَ تقطعُ النهر.
II
هذه تلكَ السنة
عَمَل يدَيها، تقولُ أمّكِ
من لوزاتِ السنةِ الفائتة.
نَفَسُها حلو في الأكلِ والشراب، أسمعُ جدَّتنا.
حلو في كُلّ شيءٍ، تقولُ اختُكِ، يضحكون.
أُمِّي سارحةٌ فينا، كأنَّنا خيال.
هل نحملُ كأسينا، عملَ يديكِ
تأخذينني إلى بستانِكم
وراءَ الدارِ، تحتَ عيونِهم
أرى اللوزَ كيف أثمرَ
هذِهِ، تلكَ، السنة؟
دَوَّارُ شمسٍ، وعصافيرُها، وتنزلُ.
شجرٌ، وظلالٌ
وأصواتُهم بعيدةٌ:
حين تأخذينَ الآنَ يدي، يا بنتَ عَمِّي
آنذاكَ، لا تتركيها.
إمرأة بحر
لو أنتِ الآنَ معي
لخرَجْتُ منها، أيضاً، هذِهِ المرَّة.
تعرفينَ ما أريدُ، تسبقينني إليهِ
عيناكِ على الآتي.
لم تأخذِي جانبَ الطريقِ بِنا
من أجْلِ أن يَمُرّ.
نظرتِ معي، خطوةً بخطوةٍ
بقوَّةٍ في عينيه.
عشيّاتٌ ما أوصَلَتْ لولاكِ
إلى أيِّ يومٍ قَويّ.
جانبُ وجهِكِ
يا امرأةَ البحرِ الصغيرةِ
تنظرينَ إلى الموج:
صوتُكِ، قبلَ كُلِّ شيءٍ
ما احتاجُ في وقتٍ كهذا.
كهرباء
منشارُهُ الكهرباءُ الأعجوبةُ
فُرْجتُنا في طريقِ المدرسة.
إذا ساكتٌ يكونُ يقيسُ ثُمَّ يُعَلِّمُ
ويقيسُ ثانيةً
ويُصَلِّحُ العلامات.
يرجعُ خطوتينِ، أحياناً، يعاينُ
يدَهُ في جيبِ سترتِهِ
يبحثُ عن شيءٍ، ويُخرِجُها فارغة.
يجلسُ حين يرضى
يلفُّ تبغاً ويدَخِّنُ.
إنْ لم انتبه، ودخَلْتُ عليهِ
ألقيتُ السلامَ
قد يقومُ يَرُدُّ، ويبتسم:
تقومُ الطاولةُ، الورشةُ كُلُّها
المنشارُ يصحو، الكهرباء.
حازم
هذا اللاتلفُّتُ الحائرُ ليس إلّا أنت.
مَنْ سِواكَ
في هشاشةِ هذِهِ الخُطى
يستطيعُ، مسرعاً، قُرْبَ دارِكم
أنْ يعبرُ من ركامٍ إلى ركام.
أنتَ ما أحببتَ أنْ يناديكَ أحدٌ
باسمكَ الذي غَيَّرْتَهُ
طيلةَ الطريقِ التي انعطَفَتْ
ولم تطاوعها.
لكنَّني ناديتُكَ باسمِكَ
وأبيكَ، والعائلةِ
وجاوبتني ولم تزعل.
صوتُكَ أقربُ من أن أراك.
خطفُ نَبْرٍ من استعجالكَ
حزمٌ مترَدِّدٌ تعَوَّدْتَ عليهِ
وخيبةٌ طارئةٌ عليك:
أنت لن تراني بَعْدَ اليومِ، قُلْتَ
كيفَ صدَّقْتَ أنَّني غادَرْتُ المدينة؟
دار آمنة
مشوا بها بسرعةٍ، ومشيتُ معهم
عيونُنا بين الشوارعِ والغيوم.
إذا تَرَكْتُها وهربْتُ
إنْ جاءت الطائراتُ
سوف أخجلُ منها إن رأتني صدفةً
ونادتني باسمي، يوم القيامة.
مشَتْ عشرَ سنينٍ أصغرَ مِنِّي
خطوةٌ، خطواتٌ
ثُمَّ كَرَجَتْ نحو بابِ الدار.
أُمُّها، خالتي، وقَفَتْ كمن يراقبُ معجزة.
إبنتي عندها موعد، قالت
وركضت لتوقفها.
تمنيت أن أدورَ بها، من يدِها، شوارعَ المدينة.
حفروا لها في الأرضِ باباً على قدِّها
أدخلوها بسرعةٍ
كأنَّهم يهرِّبونَها إلى دارٍ آمنة.
شفاهُهم تتحرَّكُ، ينظرون إلى السماء.
أبوها ساكتٌ عيناهُ ثابتتانِ
مع السلامة يَمَّا، سمعتُ أُمُّها تقول.
أعمار تتراوح
سوف نبنيها من جديد.
أكانَ يعرفُ، حين قال هذا
كم مَرَّةً قد انبنَتْ هذهِ المدينة من جديدٍ؟
سوف نبنيها، أعادَ بِقَطْعٍ
أقوى وأجمل.
أعرفُ صوتَهُ الخفيضَ هذا
حين يقولُ ما يفكِّرُ فيه.
أَحضرَ معولاً ومِهَدَّةً واجتازَنا
واقفونَ حولَهُ
أعمارُنا تتراوحُ
هاتوا أيَّ شيءٍ ينفعُ، قالَ
والحقوني
سوف يأتي الجميع.
كان يعرفُ.
ضربةٌ منهُ على الخرابِ
ضرباتٌ مِنّا، ثُمَّ جاؤوا:
عرباتُ يَدٍ، فؤوسٌ مجارفُ
أزاميلٌ، مطارقُ
عَتَلاتٌ ومناشيرُ حديدٍ ــ
جاهزونَ منذ الأزل.
ألفة كبيرة
حملنا ما قدرنا عليهِ
لم تستطع هيبةُ أبي أن تُسرع.
إنَّها مورتَر، قال رجلٌ مُسْرِعٌ
في كُلِّ يَدٍ حقيبة.
أُمِّي وقَعَتْ على الأرضِ، توقَّفنا.
مَدَّ أبي يدَهُ، أخَذَتْها ووقفت.
نَفَضَ لها معطفَها، ونحنَ ننتظرُ
من الظَهْرِ والصدرِ والكُمَّيْنِ
أصلَحَتْ منديلَ شعرِها.
وجدنا غُرْبَةً في ملجئِنا
أعرفها من أنّنا نسكتُ حين تأتي
وتجلسُ بيننا.
الألفةُ لم تغادر معنا، كان عمرُها كبير.
أراها في وقوفي طويلاً أمامَ دارِنا
بين المنازلِ المُهَدَّدة.
نار حول الغناء
إنحناءٌ إلى الأعلى
كما في صلاة.
طاقةُ قَدَرٍ توازي السماء.
أتذَكَّرُكم جميعاً حين أرى من تَبَقَّى
أعود بكم الى الصِبا
وتعودونَ بي:
الضحكاتُ المحبوسةُ في الدروسِ
عاليةٌ قبل طابورِ الصباح.
بهاؤكم في تجربةٍ
عيونكم في المواكبِ المكشوفةِ
بين الأعلامِ والشعارات:
تنظرونَ إلى جهةٍ واحدة.
نارٌكم حولَ الغِناءِ
في السهرةِ، من أجلي.
شفتايَ تواكبُكُم
يوشكُ صوتي أن يعود.
لكنّكم في غيرِ حاجةٍ:
ينزلقُ على دمِكم كلامٌ كثير.
درجات البقاء
مُدَّ يَدَكَ
فَتِّتِ الخرابَ معهم.
يستدركونَ الحصباءَ من الدمار.
يُعَدِّلونَ الحديدَ بأيديهم
يوجِّهونَهُ من جديدٍ إلى الفضاء.
صَبَّةُ السقْفِ دونَ اُغنيةٍ، هذهِ المَرَّة.
يصغونَ، أصغِ معهم:
الخُطى لم تعد
الدقَّاتُ المألوفة.
في عيونِهم نورُ شبابيكَ مفتوحةٍ
إن أُغْلِقَتْ هَجَسَت.
أصحابُ صنعةٍ
خبراءُ في كيف تعلو درجات البقاء.
أُنْظُرْ إلى راحاتِهم
خَشُنَتْ من ضرباتِ تجديدِ الإقامة.
III
هيلانة
الرياحُ تكادُ لا تتوقَّف.
ضربَ الموجُ أعمدةَ الميناءِ
عَنَّفَ الشاطئَ
منازلَ المخيَّمِ، أَبْعَد.
الشرفةُ عادَتْ إلى الكونِ
مَشَيْتُ مع الفجرِ عليها.
ما من حَجَرٍ إلّا في مكانِهِ
قابضٌ على لونِ الزمان.
الخائفةُ من أعدائِها وإخوتِها
السيدةُ الملكةُ
عادَتْ إلى كلامِ الناس:
رأيتُها واقفةً، نظرَتْ إلى المراكبِ
ثُمًّ إلى المدينةِ، واختَفَت
قال واحدٌ من الذين أدركوها
ليس من حفروا لها نَفَقاً
من قصرِها في الحارةِ القديمةِ
إلى شرفتِها على الشاطئِ
بل من طابَقَ خطوُهم خطوَها
يحفرونَ فضاءً
غيرَ هذا الذي دونَ نسور.
لم نعرف سوى المجذاف
أَخْرَجُوهُ من البحرِ.
يحاولونَ أن يُخرجوا البحرَ منه:
فاتَ أوانُ أنْ يعود.
الناسُ حولَهُ مجذافهُ إلى ناحيَةٍ
يتبادلونَ الاقترابَ مِنْهُ
لا يعرفونَهُ، ولا يُشَبِّهون.
وهو لم يكن فيهِ، صراحةً
شيءٌ واضحٌ:
على ظَهْرِهِ، على الرملِ
وجهُهُ إلى السماءِ
ليس فيهِ بوصلَةٌ إليه.
الملامحُ، المقاييسُ، تلاطَمَتْ
وألوانُ ملابسِهِ
حتَّى نحنُ الذينَ ودَّعناهُما
لم نعرف منهُ سوى المجذاف.
من منهما قد يكونُ نجا
وسوفَ يجيءُ خَبَرٌ عنهُ
وأيّهما رآهُ الصيَّادونَ طافياً
مجذافُهُ قربَهُ
فاتحاً ذراعيهِ، يختفي ويبدو
في صخبِ الموج؟
هواء السجين
لنا فيهِ غَرْقَى كُلَّ عامٍ
آلهةٌ، بينما نبحثُ عنهم.
بحرٌ أبيضُ
زرقتُهُ لا تتوسَّطُ بيننا وبينَ الجهات.
مُغلَقٌ بأقفالٍ تدورُ علينا
تَئِزُّ الليلَ والنهار.
في سكوتِهِ نُذُرٌ وأَحْجِبة.
لنا منهُ باحةُ السجنِ
هواءُ السجين.
أمواجُهُ أخيلةٌ في العشيَّة:
خيولٌ سوداءُ
أعرافُها طويلةٌ
أشرعةٌ بلون الفجر.
الأيّام بالعدد
تكفيهِ شمعةٌ في نصفِها
على صحنِ فنجانِ قهوتِهِ
حينَ يقطعونَ الكهرباء.
تأتيهِ أُمِّي بعلبةِ الكبريت.
أرى يدَهُ في العتمِ تشكرُ يدَها.
يكملُ، إن كانَ يقرأُ
عندَهُ خمسةُ كُتُبٍ
الأيامُ منها، بالعدد.
يكتُبُ أحياناً رسائلَ
ربَّما تصل.
أو قد يسافرُ أحدٌ يأخذها معه.
صرتُ أبصرُ، بعدَكَ
في عتمتِهم، يا أبي
النقطةَ في آخِرِ سطرِهم.
هاءات عالية
تعطَّلَتْ.
كُنَّا نصفِّقُ في حرارةٍ
على الجانبينِ، ونهتف.
نزلَ جنودُنا منها
إبنُ عمَّتي بينهم، يستطلعون.
لم لا تبيعونَها خُرْدَةً، صاحتْ امرأةٌ.
إركبوها، صاحَ عَمِّي جاء يفرحُ بابنِهِ
ونحنُ نَزُقُّها بكم.
أولادُ الكَشَّافَةِ طَبَّلوا لحناً راقصاً
دونَ أن يتمايلوا.
نَظَرَ ابنُ عمَّتي إليهم، ثُمَّ إليها
قالَ عن أُمِّها كلاماً
عرفتُهُ من شفتيه.
جاءت أخبارٌ منذ الفجرِ.
إنَّهم يقتربونَ من التلَّةِ:
متطوعونَ يملأونَ العربات
متطوِّعونَ يضربونَ الأرضَ بأقدامِهم
يصيحونَ بهاءاتٍ عاليةٍ
دونَ أن يتقدَّموا
وراءَ العطلانةِ، دبَّابَةِ أعيادِ النصر.
ثقوب ساتر الشرفة
رصاصٌ يتباعدُ من جهةِ المحطَّةِ
يتوقَّفُ، ويعود:
أظُنُّ أخذوا المدينة، عَمِّي يقول.
ننظرُ من ثقوبِ ساترِ الشرفةِ
نحنُ الأولاد.
صمتٌ على البيوتِ، فراغٌ بينها
لا يتحرَّكُ شيء.
وَطُّوا رؤوسَكم، ينهرُنا أبي.
أُمِّي تُتَمْتِمُ
وزوجةُ عَمِّي أيضاً، وجَدَّتي.
عَمِّي يُوَطِّي رأسَهُ إلى جانبنا:
عساكرُنا ينسحبونَ، يقول.
أرى أولاداً ورجالاً من المدينةِ
يسرعونَ إلى جهةِ الشاطئِ
يحملونَ البنادقَ الجديدة.
الحكومةُ كانت وزَّعَتْها من يومينِ
بسرعةٍ، على الناس:
صينيَّةٌ، قالَ ابنُ جيرانِنا
أُمُّ خمسِ طلقات، نيشانُها تمام.
أرى الآنَ سطحَ دارِهم
من سنينَ بعيدةٍ:
حبالُ الغسيلِ مشدودةٌ على الفراغ.
الدجاجاتُ واقفةٌ تتلاصقُ
رؤوسُها مرفوعةٌ
تصغي إلى السماء.
هذا الشتاء
الأشجارُ المقصوفةُ الناشفةُ
قُطِّعَتْ إلى أكوامٍ على الطرقاتِ
تحتَ العرائش.
نعملُ منها، نحنُ الأولادُ، بيوتاً
تراها البناتُ من الشبابيك.
الأسماكُ خُزِنَتْ في الملح.
الألبانُ، الملوخيَّةُ
البندورةُ المقسومَةُ نصفينِ
نُشِرَتْ على الأسطُحِ
تحت الشمس.
الفلفلُ الأحمرُ، والباميةُ
عُلِّقَتْ أكاليلَ في الهواء.
الحوائطُ الضعيفةُ أُسنِدَتْ
والأسيجةُ، بيوتُ الحمامِ
شجيراتُ الثمار:
سيكونُ أقسى
شتاءُ هذا العامِ، قالوا
من كُلِّ ما مَرَّ بِنا.
دار أبي في الرمال
أكونُ أمشي إلى دارِكُم
من البحرِ إلى الحارةِ القديمةِ
عساكَ أن تعيدَ إليَّ مخبئي.
الناسُ لم يتغَيَّروا، بيوتُهم لم تتغيَّر
واقفونَ على أبوابِها
لا أدري لماذا.
تلكَ دارُ أبي في الرمال.
أُريدُ أن أُغَيِّرَ الطريقَ إليكم
لا أعرفُ كيف.
إن رأيتُهُ على حرفِ الشرفةِ يتململُ
أكونُ تأخَّرْتُ، فأصحو.
كلّ ما وراء السياج
صَبِيٌّ لا يزالُ، عجوزٌ تبَقَّى
أو سَمِّني ما شئت.
أمشي إلى الصحراءِ أبطأُ
لكنْ في أوقاتِها
أساعدُ في تثبيتِ الرايات.
أقفُ على الأسلاكِ
تأتونَ إلى جانبي.
ألا زلتم ترونَ السرابَ يدنو
يَدَّعي أنَّهُ قوافلَ؟
حَتَّى أنَّنِي لم أعد أراه.
أمشي وراءَ الأعلامِ أهتفُ
الأولادُ يسبقونني
لا صوتي يطاوعني ولا قدماي.
تجيئون بأعمارِنا، نصيرُ بينهم:
ما وراءَ السياجِ
الأشرعةُ المفرودةُ
البحرُ المسروق.