وليد خازندار ما تخلّى أحدٌ عنا
لم يكن هناك، في الأصل، أحد
سطوة المساء
وليد خازندار
1996
ــــــــــــــــــــــــــــــ
الشراع، ثانيةً
ليسَ أكثرَ من أن ينامَ
قليلاً، ويصحو:
ينزعُ الهديرَ عن كتفيهِ
والجهاتِ عن صدرِهِ
ويخلِّصُ الهالاتِ من عرواتِ القميص.
أكانَ حقَّاً هباءً كُلُّ ما مَرَّ
رميةً قد ارتدَّتْ وانتهى الأمرُ؟
أوَ لم يبق غيرُ قوسِ البدايةِ الضيِّقِ هذا؟
الخزفُ الأزرقُ ما يزالُ مُهَدَّداً بِحُمْرَةٍ شفيفةٍ
والصَدْعُ في الجدارِ صاعدٌ في انشقاقِهِ
إلى السقفِ الذي ما زال ينخفضُ
والغبارُ، طلعُ الغيابِ
ذاهلٌ على الأشياءِ كُلِّها.
الماضي جالسٌ على الأريكةِ
فارداً، في انتظارِهِ، على الكرسيِّ ساقيهِ
في الهواءِ الثقيلِ
عند النباتاتِ العديمةِ
تحتَ الإطاراتِ التي تشدُّ إليها من غادروا:
كيفَ مَرَّتْ الأرضُ سريعةً
شاطئاً فشاطئاً؟
من الشُبَّاكِ، خلفَ الموجِ
لاحَ الشراعُ ذاتُهُ
الأبيضُ الممزَّقُ الذي يقودُ الرياح.
أوراق، جذور
سَيِّدُ ما تبقَّى
يفتحُ بعدَ ليلةِ الأمسِ الستارةَ:
العصافيرُ غادرَتْ
والشجيراتُ مرميَّةٌ
هُنا وهُناكَ في انكسارِها
ليست في الأعالي الثمارُ
والأوراقُ لا تجد من أين تستمدُّ زهوتَها.
صباحٌ رَخْوٌ، علاوةً
لا يستطيعُ أن يكملَ الليلَ
ولا أن يشدَّ نهاراً وراءه.
كان يريدُ صباحاً قويّاً
ليشاورَ، في الأقلِّ، نفْسَهُ:
أأبدأُ من جديد؟
كان يريدُ أن يسألَ جذعاً واحداً لو تريَّثَ:
من أينَ الخرابُ هذا كُلُّهُ
أكانَ الأمرُ في الرياحِ، أم في الجذور؟
هَوَتْ عيناهُ على الياسمينةِ التي تسلَّقَتْ حياتَهُ:
لم يبق شيء.
السماءُ تَرْمَدُّ أكثرَ
وهو واقفٌ، سيِّداً لما تبقَّى.
الليل ومضة
لم يكن إلى أينَ يعرفُ هذا البابُ يفضي.
ولا لماذا النباتاتُ عندَهُ صفراءُ محنيَّةٌ.
وأكثرَ ما تحيّرَ منهُ الوردُ
ظمآنُ ساكتٌ، غيرُ مكترثٍ، حميماً
وقابضٌ على ألوانِهِ.
الخيولُ على الجدارِ تَعْبَى رماديةٌ
وتوشكُ، عند الغيمِ، تَسْوَدُّ.
لأيِّ أجْلٍ هو الآنَ هُنا؟
أليست لهُ، دون هذا، صحبةٌ
سحرٌ وأخيلةٌ وركوةٌ؟
أليسَ إلى نفْسِهِ الذئبُ أَمْيَلُ؟
ألم يقل هو نفْسُهُ مرَّةً:
أفقٌ إبرةٌ، عوسجٌ حائكٌ إذَن؟
في خطفةٍ، لم يدرِ كيفَ، بَرَّاً
عادَ وجهُهُ يشبهُهُ:
الهواءُ ساحرٌ والظلالُ آياتٌ
والأشجارُ مشغولةٌ حَسْبُ في ثمارِها
والليلُ ومضةٌ.
على حذر
أَعْلى من سُدفةٍ على الفجرِ انتظارُكَ.
إجلسْ على الأريكةِ ذاتِها
كما لو أنَّها المرةُ الأولى، شروداً
وما شئتَ أوسِعْ بسمةَ الزعمِ.
أأجيءُ بالماءِ إلى يديكَ متعبتين من البداهةِ؟
أأجيءُ بألفةِ الصحراءِ أخيلةً:
ريمٌ حليمٌ آسرٌ
غيمةٌ بيضاءُ، حقلُ؟
على النارِ الشكيَّةُ
السكتُ ثلجٌ، ويشتدُ:
تَلَعْثَم، في الأقلِّ، دريئةً، نبوةً
أستبقى تواصلُ الكأسَ ذاتَها
على حذرٍ
وتخبِّئُ الغصَّاتِ في الكِبْرِ؟
تَلَعْثَم، كرامةً:
إلى أين في إثركَ المنأى
وماذا بعدُ تنتوي؟
أتريدُ منطقاً عالياً إلى الجوزاءِجوزاءينِ، للصمتِ؟
أتريدُ أن يصبحَ العوسجُ شوكةً حسْبُ؟
غيمة، غيمتان
المساربُ ليس تُفْضِي، هَهُنا، إلى نبأةٍ.
وفي اختلافِكَ صافناً، بين صمتٍ وصمتٍ
لائذاً، ضَمَّةً، بالكسرِ
لن تستسيغَ، بعدُ
أن تقولَ الشمسُ بعدَ غيمةٍ أو غيمتين.
لا سرابَ لتستدلَّ
في المجازاتِ الضيِّقةِ
حولَ المنزلِ العديمِ هذا.
والليلُ الذي أطبقَ دونما عشيَّةٍ
صباحُهُ دونَ فجرٍ دائماً.
تسمعُ الآنَ صَخَبَاً، أو كأنَّكَ
زُرْقَةً وأشرعةً وشيئاً مثلَ تلويحةٍ
وتسمعُ مطراً غائباً
على نوافذَ ليست هُنا.
إفتحْ البابَ العديم هذا، إذَن.
واصغِ عميقاً إلى وقعكَ، دونَ خطوٍ
تحتَ غفوةِ الشمسِ
بينما يتماسكُ الثَمَرُ.
في نفرةٍ، أليفاً
وَشْكَاً لوخزةٍ
تشدُّ ظلَّكَ خلفكَ حينما الندى.
وإذ ترتدُّ، راكداً
دونَ رعدةِ الفجرِ الذي تشتهي
تُغْضِي على غيمةٍ.
ترفٌ عطشُ الكلامِ على يديكَ، إلى البداهةِ.
أنتَ قد عاليتَ عتماً، سُدْفَةً سُدْفَةً
وعرفتَ من خَفَضٍ
أنَّ بينَ الظِلِّ وارتعاشتِهِ مسافةً منأى.
ولاوذتَ أفقاً ضاقَ كُلَّما اقتربَ.
كيفَ استطعتَ أنْ، في سرحةٍ
تستعيدَ من الرتاجِ البعيدِ انتظاراتكَ كُلَّها
وتنتظرُ.
كيفَ، وأنتَ في ارتيابِكَ، لم تلتبس
بين محابسِ الوردِ
والياسمينِ الذي يتسلَّقُ الأسوار؟
ثُمَّ كيفَ لبثتَ، في نفرةٍ، أليفاً وتُؤتَلَفُ؟
سَرَفٌ منكَ هذا السُّدى.
شواطئ مستهامة
هل تأسَّيْتَ
تارةً إذ تنوَّرْتَ دَفَّةً
ومن قبلِ تاراتٍ، وأُرْعِشَتْ منكَ اليدُ؟
كم تَلَبَّثْتَ واصلاً عُمْراً بعمرٍ:
الفجرُ خيطٌ ذاهلٌ، العشيَّةُ إبرةٌ
وكُلَّما مَزْقٌ تعودُ تبدأُ.
أأدركْتَ بعدَ عمرينِ ما تركْتَ دونَ تَلَفُّتٍ؟
أصاغتْكَ العشيَّاتُ، من غيرِ رجعةٍ
ملتبساً، مثلَها، سدفةً؟
البحرُ لم يعد مترينِ بعد البابِ
لم يعد حيلةَ النافذة.
خرجْتَ، لكنَّكَ، قبلَ الشمسِ
بعد كرومٍ كثيرةٍ، وهتفْتَ: موجةٌ.
تَلَبّثَتْ بعينيكَ بعدَها شواطئُ مستهامةٌ
وفي يديكَ تألَّقَتْ هزَّةُ الأشرعة.
إنتظر، بعد
ستراهُ، إنْ جلسْتَ هُنا
واضحاً، عندما يجيء:
خطوةٌ وَتَرٌ
شحوبُ شوكةٍ.
سوف ينطوي في الظلِّ
خلفَ طاولةٍ أمامَكَ:
قهوةٌ، كوبُ ماءٍ سوف ينتظرانِهِ
ذاهبَيْنِ كُلٌّ في وِجْهَةٍ.
لا تظنُّ أنَّهَ استحالَ حجراً دون رفّةٍ.
وإنْ غابَ وجهُهُ في ركنِهِ
فاعلم أنّهَا العشيَّةُ
أدركَتْهُ، فأعتمته.
بعد ساعةٍ، ربَّما، سيأخذُ رشفةً
شارباً، قبلُ، من ماءٍ فاترٍ
ثُمَّ لن ترى في حياتِكَ آنها
مِدْيَةً، مثلَ بسمتِهِ.
وانتظِرْ، بعدُ:
سوف يأتونَ
يبدؤون صاخبينَ تحتَ الضوءِ سهرتَهم
مستغربينَ عتمتهُ
دون أن يذكروا شيئاً
عن الأجنحةِ الكبيرةِ
الأجنحةِ التي أربكوهُ حين أبصروها.
قليلاً، مدينةً
هُنا سيهدؤونَ قليلاً مدينةً.
تعبوا، تعبَتْ قطعانُهم
والقمحُ في أكياسِهم يرعشُ.
سيجرحونَ الزمانَ هُنا منازلَ مثلَ خيالِهم
عشواءَ جانحةً، تطيشُ، غُرْفَةً غُرْفَةً
من قوسِ أعمارِهم في الأزل.
سيبرؤونَ الطينَ آنيةً
ذاهلاً هشَّاً، وأكثرَ حِكْمَةً.
فجأةً، على مَهَلٍ
يرفعونَ رؤوسَهم الى الشمسِ
ويطرقونَ، ساكتين:
إنّهم يسمعونَ طراوةَ النحاسِ
بين النهرِ والبحرِ، في التَشَكُّلِ.
يسمعونَهُ يَرِنُّ
صيحةً، صيحةً، في الأبد.
أبواب المغيب
المعتمونَ في هالةٍ، مُرِّي بنا.
أَرْجِعي إلى عيونِنا سرحةَ الأفقِ
ربَّما يستدلُّ إلى خطوِنا وَقْعُهُ.
عَلِّمي دروبَنا زهوةَ الصبحِ ثانيةً
علَّنا، أمامَ عتباتِنا، نستردُّ هيئتَنا.
نحن أضعنا أبوابَنا
فارتبكَتْ بين أيدينا مفاتيحُنا
وظلالُنا صَغُرَتْ
والشمسُ الى المغيب.
نَعْثِرُ مَرَّةً، وَمرَّةً لا نهتدي
ولا نعرف، ثالثةً
أين نخبِّئُ ما استعصى علينا من وَمْضِنا.
القادمونَ من عسلٍ قويٍّ
نأخذُ الآنَ شكلَ زهرةٍ لا تشبهُ نسغَها.
مُرِّي ولو لمرَّةٍ أخيرةٍ بِنا
أنتِ نحلتُنا الخبيرةُ في التباساتِ الرحيقِ
عصفٌ يرتِّبُ أوراقَنا.
الآن، أمامنا
هو ليس الصباحُ الذي سهرنا
وتطاولَتْ أشجارُنا من أجلِهِ
لكنَّه واضحُ المساءِ كفايةً.
أنقولُ السنابلُ استيقظَتْ على مجيئِهِ
واستيقظَ الأفقُ؟
ونذهبُ واثقِينَ، على دروبٍ رخوةٍ
إلى مواسمَ ندَّعيها؟
أنزعمُ أنَّها تشرقُ الآنَ علينا
بينما نمضي، بلا ظلالٍ
في عتمةٍ طويلة؟
هو ليس صباحاً عفيّاً
لكنَّهُ ينذرُ
بالعشيَّةِ التي في انتظارنا.
درز رهيف
قد تكونُ تنتوي أنْ تُصَلِّي.
أو لعلَّها، بعد سلامينِ
تاركةً للفراغِ نفْسَها:
يدُها على شالِها
تستتبعُ الدرْزَ الرهيفَ
واقفةً عند انقطاعِ الخيط.
أتكون تستدرجُ اليمامَ إلى صباحِها؟
نفوراً من البابِ، إلّا من التحيّاتِ
من العتباتِ، إلّا من الخُطى
تستعجلُ ما اصفرَّ من أوراقِ الدالية؟
هي الآنَ، كيفما، في الكثافةِ الغريبةِ
كثافةِ ألّا يكونَ أحد.
تسمعُ كيفَ كنتَ تَشُقُّ الهواءَ جذوةً نحوَها
وكيفَ كانَ الهواءُ يستديرُ
ليملأَ الفراغَ ثانيةً، الفراغُ دائماً.
أذاهبٌ أنتَ في هذا الشتاءِ المُرِّ
منطفئاً، إليها؟
كيف تهتدي إليكَ دونَ نارِكَ؟
المجاذيف العناد
من شهقةٍ في زنقةِ الشمسِ
من سندسٍ، في الفجرِ، يحجبُها:
المستريبةُ، السافرة.
شراعٌ بعيدٌ أطْلَساً إلى البحرِ
زرقةٌ لا مراكبُ
زرقةٌ، المجاذيفُ العِناد.
رقَّةٌ، رِقَّةٌ
موجةٌ في السرِّ تعلو وتنكسر.
الكوفيُّ جارحٌ هُنا
من غربةٍ ومؤتلِفٌ
عَصيٌّ ويهجسُ:
من سيرابطُ الآنَ بينَ السرو والندى
من سيوحِّدُ سيفاً ورحمةً.
من سيعلِّمُ القرويينَ، ثانيةً
درساً في رهافةِ الفيروز.
مُرِّي، إذَنْ، ملحونَةً طَروباً
رياحَ الشمالِ، مُرِّي.
الهشَّةُ، فاسٌ، المستبدَّةُ
من نسيجٍ ذاهلٍ وحبكةٍ.
كان الأقحوانُ عارياً
والماءُ من الأعالي
وكان في البُعدِ صفصافٌ خجول.
ضوء بعيد
بقسوةٍ، بارداً
يشدُّ الخريفُ إليهِ أشجارَنا العارية:
لو تحرِّرينَ، في الأقلِّ، العصافيرَ
من أطرافِ أصابعكِ
وتُفْرِجينَ، بسمةً صغيرةً
عن هذِهِ الصيحةِ الحبيسةِ التي أراها.
غَنِّي، أيمكنُ أن نُغَنِّي
كما لو أنَّنا، يداً في يدٍ
نحتمي بالظلالِ
تحت شمسٍ قويَّة؟
أتظلِّينَ هكذا، تعزِّزينَ النارَ
جميلةً أكثرَ ممَّا ينبغي وساكتة؟
العتمُ يشتدُّ
والضوءُ البعيدُ، سلوتُنا الوحيدةُ
ذاك الذي، منذُ البدءِ
شيئاً، كان يكبو، فشيئاً
يكادُ الآنَ ينطفئ.
تعالي إليَّ، أكثرَ أكثرَ
أريدُ ألَّا أعرفَ من يدي يدَكِ
وحاذري أن ننام:
سيطبقُ الثلجُ علينا.
الظلال، سرقةً
النارُ هذِهِ ترانا.
زَنْدُها يستدرجُ الحريرَ، مبتعداً، قربَها
ساخناً في الظلالِ في الكلام.
الحريرُ قيدُهُ على الشَغَفِ
عارٍ من الجرحِ الذي هو جرحٌ لأنَّهُ دائمٌ
غزالٌ ولوعةٌ، وليس يلتئم.
الكلامُ شَرَكٌ أهدابُهُ على اللَّهبِ
وَشْكَاً ثُمَّ يرتدُّ.
سرقةً يسحبُ الظلال إلى انخطافِها:
غمدٌ لنصلينِ مُشْهَرينِ
ماءُ زهرٍ، صيحةٌ.
الصيحةُ سلَّةُ الجمرِ.
شُبْهَةً يأخذُ ماءُ الزهرِ نبرتَها
خفيضاً ويجرحُ الليلَ
قريباً من النارِ التي ترانا
من زَنْدِها الواري.
سديدة، دون وجهة
مشدودةٌ على نَعَسٍ.
كأنَّها فرَّتْ من النارنجِ دونَ صيحةٍ
وكانوا يصنعونَ العطر.
قوسٌ عنيدٌ كأنَّها، بلا دريئةٍ، ضوعةً.
تمضي مع العيدِ مستريبةً من الهدايا.
لائذةٌ بالهواءِ نارُها، خائفةٌ وتعلو
دونَ شَفَقٍ، هونَةً، إلى الومضِ.
نصلٌ نبرُها، آنها
عارفٌ بالكلامِ والوقعِ
راعشٌ في الصليلِ، قبلَ الجُرحِ، غالبٌ:
أَلَقٌ، دمعةٌ، برعمٌ ينشَقُّ
نَوْرٌ في وَشْكِهِ ويلتبسُ:
ماءُ نارٍ، رحمةٌ.
الصيحةُ الآن.
الصيحةُ من بحارٍ بعيدةٍ
سديدةٌ، دونَ وِجْهَةٍ، لوعةٌ:
موجٌ ويعلو، وأشرعةٌ وخطفٌ
والمحارةُ محروسةٌ، بعدُ، والدرُّ جذوةٌ:
رَمْيَتُها، رَمْيَتُها
طائشةٌ، وليسَ تخطئُ قوسُها.
أعمال يديها
من الثُّرَيَّا نازلٌ قميصٌ.
والتبغُ مطفأٌ، هنا وهناكَ، في سرعةٍ
وعلى البساطِ بُكْلَةٌ، وزوبعةٌ:
إناءُ الزهرِ مكسورٌ عندَ زاويةِ الجدارِ
والمتاهةُ من غرفةِ النومِ إلى الجلوسِ
مَلْأى بما يُهَشَّمَ في رميةٍ.
أُلَملِمُ هادئاً مثلَ جمرةٍ في غيابِها أجزاءَها.
أستدركُ الزهرَ، ثانيةً، قبلَ أن يذوي.
الطيورُ على الوسائدِ في ارتسامِها
والثعلبُ القماشُ كَفَّ يبتسم.
لو أنَّها لا تعودُ
لو أنَّ جحيماً تأخذُها من يَديَّ
أأستطيعُ، في الأقلِّ
أنْ أُهَدِّئَ ذئبَ ذاكرتِها المجروحِ هذا.
لا حدَّ لأعمالِ يديها.
حكيمةٌ على الشوكةِ، والأوراقُ تذبلُ
فائرةٌ وصامتةٌ إلّا عندما …
هو ذا خطُوها، يعلو وتقترب.
وإنَّني من خطوِها أمسيتُ أعرفُها
سريعٌ، نافرٌ، وقحٌ
تكادُ توشكُ قبلَهُ أن تصل.
ما الذي أفعل الآن؟
أأجعلُها ترشقُ الجدارَ بالزهرِ ثانيةً
وتسفقُ البابَ خلفَها
تاركةً، كعادتِها، كلاماً سافلاً يرنُّ؟
أأسحبِ أيَّامي من أيَّامِها
فينهارُ عمرُنا معاً؟
هي ذي يداورُ البابَ مفتاحُها
تطيِّرُ في الهواءِ معطفَها وشالَها
وتقصُّ في مرحٍ على ركبتي
كيف مرَّ نهارُها، عثرةً عثرةً:
هأنذا أنسى كُلَّ شيءٍ، إلّا قداسَتها.
نار عالية
رَوْعٌ وَخْزَةٌ، يَفِزُّ من كُلِّها وتشحب.
تطمئنُّ غَلْوَةً وتستريبُ.
مساؤها سطوةٌ
يَفِرُّ من يدِها الكلامُ في نَزَقٍ طائعاً فتحتدُّ:
عصفٌ وأغصانٌ، زهرُ لوزٍ، وتغفو.
تغفو لَبْثَةً إلى سَلَسٍ وتنتبِهُ:
“خطواتٌ عند البابِ تُبطئُ
خطواتٌ على الدرجاتِ تَعْثِرُ ثُمَّ تَرْقى”.
إنَّهُ، حَسْبُ، طبْعُها.
أو ربَّما وقعٌ غادَرَ الأقدامَ التي رحلَتْ
لائذاً بما تريَّثَ من منازلِ الوَهَجِ الذي أَفَلَ.
لا يعرفُ اللوزُ المرارةَ التي في انغلاقِها
والكَسْرُ الذي في نَبْرِها رَبْكَةٌ.
كأنَّها، وهي حَدِّي، جريمةٌ وغِمْدٌ
كأنَّ شحوبَها، إلى شماليَ، نَصْلٌ، دليلٌ:
لأنها شفيفةٌ، ونارُها عاليةٌ
تستدركُ عوسَجَاً من سياجِها ضلَّلَتْهُ المواسمُ
لأن صباحاً نَفُكُّ أزرارَهُ معاً ليس يصحو.
كيفَ، أعزلَيْنِ هكذا
سنواجهُ السوسنَ الغائبَ هذا كُلَّهُ؟
كيف، دونَ حيلةٍ
سنفلِتُ ممَّا تقودُنا إليهِ شمسٌ ليسَ تأتي.
ثُمَّ كيفَ من شرفةٍ لا تُطِلُّ
سأشدُّ أظافرَ الروعِ من حريرِ سَرْحَتِها.
في السديم، هنا
لا قريبةٌ، ولا البحرُ هادئٌ إليها.
والشجرُ الكابي، في السديمِ هُنا
والثمارُ الفجَّةُ الهاويةُ
والأشواكُ التي وحدَها تريَّثَتْ
كُلُّهُ نذيرُها.
لكنْ، وقد عزمْتَ، إنتبِهْ:
السفينةُ هذِهِ، بأضوائِها وألوانِها
بزوارقِ النجاةِ حولَها
بمجاذيفِها الكثيرةِ
ليست إلّا من الضلالةِ عندما تستفيق.
خُذْ عَنِّي ما علَّمتني نَبْوَتي:
أَبْحِرْ من جهةِ المركبِ ذاتِهِ الذي تحطَّمَ
بين المناراتِ الشحيحةِ ذاتِها
على بقيَّةٍ مِنْهُ لا بُدَّ ميَّزْتَها منذُ البدءِ نَجْوةً
بلا وداعٍ أو رايةٍ
دون زهوِ المسافرِ، لكنْ بِعَزْمِهِ.
وانتبِهْ أيضاً:
لا يحجبُ السديمُ وِجْهَةً عن البصيرةِ
أنتَ تعرفُ، والتِيهُ يبدأُ منك.
لا تشاورْ إذا عصفَتْ بِكَ الريحُ نفْسَكَ
وتَشَبَّثْ إنْ علا الموجُ باتجاهِكَ
بِكِلْتا يديكَ
يديك اللتينِ ستهويانِ إلى جانبيكَ
عندما لا تجدُ ربَّما أحداً هُناك.