Skip to main content

  وليد خازندار                        ما تخلّى أحدٌ عنا                             
  لم يكن هناك، في الأصل، أحد                                                                                    

أيّام البحر والصحراء
وليد خازندار
2018

إلى أصحابي في مدارس غزّة
وإلى بنات المدينة، وأولادها

1

إنهزمنا، أيّامٌ من الأناشيد.
أبو ولدٍ جاءَ شدَّ ابنَهُ من يدِهِ
من بينِنا، فسكتنا
عائدونَ، كُنَّا ننشدُ في الصفوفِ الخلفيَّةِ
إنَّنا لعائدون.
لن تعودوا إلى أيِّ شيءٍ، قالَ
لقد جاؤوا إليكم.

نقلنا مع الجميعِ ما في الأسواقِ إلى البيوت
أنزلْنا معهم أبوابَ الدكاكينِ
أغلقْنا بيوتنا علينا.
تركنا الأشجارَ وحدَها في الشوارع.

رصاصٌ متفرِّقٌ يسكتُ ثُمَّ يتفَرَّق.
قذائفُ نزلَتْ علينا إلى آخرِ النهارِ والليلِ
دخلوا المدينة.

عرباتُهم على مَهَلٍ
في الشارعِ الكبيرِ نحو البحرِ
أعلنوا منعَ التجول.
تنظرونَ من شقوقِ النوافذِ
أنتَ والعائلة.
تقفزُ الإذاعاتُ بين إصبعيكَ
ربَّما تقولُ شيئاً عن المدينةِ ــ
ليس إلّا أغنيات.


2

فَكُّوا المنعَ ساعاتٍ كُلَّ يوم.
ننظرُ حولَنا، لا نصدِّق.
البنادقُ نحونا من العرباتِ
من تحتِ الأشجارِ، وأعمدةِ النورِ المُطْفأ
ينظرونَ إلينا، نخطُفُ نظراتٍ إليهم.

ولدٌ على الرصيفِ
مرميٌّ على خَدِّهِ الأيمن.
لأوَّلِ مَرَّةٍ نرى قتيلاً في شوارعِنا
تحتَهُ دمٌ كثيرٌ وناشف.
من الحارةِ، عرفناهُ من قميصِه.
عدنا إلى بيوتِنا
كانَ أحدٌ غطَّاهُ بشرشفٍ أبيض.

انفجاراتٌ في المدينةِ
منتصفَ الليلِ، كُلّ يوم.
تطوِّقُ عرباتُ البنادقِ الحاراتِ من الفجرِ
تأخدُ أولاداً ورجال.

ليس فجأةً، كُنَّا ننتظرُ
ملابسُ الليلِ ملابسُ النهارِ
أصواتُ عرباتِ البنادقِ
يُطَوِّقونَ حارتَنا.


3

حارةٌ، قلقٌ وتدابير.
إلى شمالِكَ، نازلاً من البلدةِ القديمةِ
نحو الشاطئ:
مفزعُ المُطارَدينَ من الصحراءِ إلى البحرِ
من البحرِ إلى الصحراءِ
ملقطُ أنفاسِهِم.

في سكوتِها حجراتٌ خلفيَّةٌ ومخابئ.
أولادٌ ورجالٌ تركوا بيوتَهم فيها
حجبوا أسماءَهم، فلم نعد نراهم.
يصنعونَ صوتاً ساطعاً للضوءِ
في عتمةِ المدينة.

تهجمُ باكراً على النهارِ، حارةُ التوَجُّس.
رائحةُ الخبزِ، عطرُ صباحِها
تندفعُ من المنازل.
يخطفُ الناسُ حياتَهم ساعةً بساعةٍ
ليكونَ أمسٌ، ليكونَ غدٌ.

زُرْ أحداً تعرفهُ فيها
أهلُها يفرحونَ بالزيارة.
لا تدخلها عابراً تتلفَّتُ
شوارعُها تضيقُ إذا استرابَت.

أكمِلْ نحو الرمالِ
ترى حيرةً كبيرةً أمامكَ، إنَّهُ الأُفُق.
يلمعُ البحرُ خاطفاً عينيكَ

إذا الدنيا نهار.
تأخَّرْ إلى الغروبِ، إلى العشيَّةِ
كي تَرى جمالاً لا يظنُّ أحدٌ أنَّهُ هُنا.


4

ترى نفْسَكَ الآنَ في دارِكم
الصُوَرُ، الآياتُ على الحيطانِ
الكنباتُ والمساندُ
الطاولةُ الخفيضةُ الواسعةُ بينهم
طاولةُ الأكلِ الكبيرةُ، الكراسي حولَها
كُلُّها بَدَتْ غريبةً
كأنْ لأوَّلِ مرَّةٍ تراها.

أُمُّكَ يدُها في يَدِها
جالسةٌ تقولُ شيئاً لنفسها، لا تنظرُ إليك.
العمرُ جرى على وجهِها دونَ أن تراه.
أبوكَ ينظرُ إلى فنجانِ قهوتِهِ المُرَّةِ المغليَّةِ
جهمٌ، لا يرى شروخَ صلابتِهِ.
أختُكَ عيناها عليكَ لا ترمشانِ
ما أجمَلَها
كيفَ لم تَرَ من قبل هذا الجمال؟
تَمُدُّ يدَها، أصابعُها نحيلةٌ وذراعُها أيضاً
تُرَتِّبُ قَبَّةَ قميصِكَ
تنسى عليكَ نظرتَها في هدوء.

أكانت تعرفُ أنَّ ما يحدثُ الآنَ لا شيء؟
الدمُ سوف يملأُ السنين.
الحارةُ، المدينةُ كلُها
المنازلُ والأسواقُ والمدارسُ
الشوارعُ والساحاتُ والحقولُ والشاطئُ
سوف تمتلي بالدم.


5

عرباتُ البنادقِ من كُلِّ صوبٍ
على أطرافِ الشوارعِ
تلمعُ دُكْنتُها في عتمةِ الفجر.
يريدونكم من الصِبا إلى الكهولةِ
في ساحةِ المدرسةِ الابتدائية.
أولادٌ ورجالٌ تعرفُهم
تنكرهم وينكرونَكَ.
تمشي على أطرافِ مخاوفِكَ
كأنَّكَ لا تريدُها أن تصحو.

تكادُ لا تستدلُّ
في شوارعَ لم تعرفْ غيرَها.
الغيومُ تقطعُ نحو البحر.
أوّلُ مَرَّةٍ تنظرُ إلى السماءِ
لم يكن في حياتِكَ أعلى من الأشجارِ
أعلى من أعشاشِ العصافيرِ
الشبابيكِ التي تُطِلُّ منها البناتُ
طائراتِ الوَرَق.


6

المدرسةُ الابتدائيّة.
عشبٌ من شقوقِ السور.
زهورٌ حمراءُ وصفراءُ صغيرةٌ بأوراقٍ كثيرة.
كُنَّا نخبِّئُ في هذهِ الشقوقِ رسائلَ للبنات.
لكُلِّ ولدٍ شِقٌّ تعرفُهُ بنتُ رسائلِهِ
نحنُ الثلاثةُ حين تكونُ أسرارٌ
الخمسةُ ربَّما نمضي إلى البحرِ
نأخذُهُ سباحةً إلى السفنِ التي تصل
السبعةُ التسعةُ، أكثرُ، حين يكبرُ أمرٌ علينا.
أُخرُجوا من بلادِنا، مكتوبٌ على السُور.

عرباتُ البنادقِ على البوَّابةِ الزرقاء.
مِنْ هُنا كُنّا نخرجُ في أعيادِ النصرِ
والعودةِ، والجلاءِ، وذكرى النكبةِ
نحملُ أعلاماً وشعارات.
البناتُ يهتفْنَ
قادماتٍ من مدرستهِنَّ القريبةِ
يرفعْنَ أعلاماً وشعارات.
أصواتُهُنَّ رفيعةٌ، أكثرُ انفعالاً من أصواتِنا
ننظرُ إليهنَّ، نكادُ نتعثَّر.

تتقَطَّعُ أصواتُ العصافيرِ وتتَّصل.
الأشجارُ حولَ السورِ أقصرُ مِمّا تتذكَّرها
تتدلّى أعشاشُ عصافيرِ الشمسِ
بين الأغصان والأوراق.
كم تسلَّقْتَ كي ترى البيوضَ
واحدةً، اثنتين، ثلاثة
ترى الفراخَ الصغيرةَ، ربَّما.


7

إذا أردتَ أن تصيدَ عصافيرَ جميلةً اذهبْ إلى شمالِ أو شرقِ المدينة. لا تقترب من حدودِ الأرضِ التي انهزمنا عنها سنينا كثيرةً قبلَ انهزامِنا في المدينة. إنَّهم على أبراجٍ عاليةٍ هناكَ يوجَّهونَ أسلحةً إليكَ، يطلقونَ رصاصاً عليكَ من غيرِ سبب. قتلوا مَرَّةً واحداً من أبناءِ صَفِّنا في المدرسةِ الإعدادية جالساً على العشبِ بعيداً عن شبكتِهِ ينتظرُ العصافير: رأيتُهُ ينطنطُ رافعاً يديهِ يتجَنَّبُ رصاصَهم عندَ قدميهِ، قالَ مزارعٌ، أصابوهُ في رأسِهِ، تَكَوَّمَ المسكينُ على الأرضِ، تلوَّى ثُمَّ هَمَد.

كان يصيدُ العصافيرَ كي يعيش. صادَ مَرَّةً عصفوراً نادراً، دارَ بِهِ السوقَ في قفصٍ من صنعِ يديه. إلتَمَّ الناسُ حولَهُ، لم يعجبهُ أيَّ ثمنٍ عرضوه. أحضرَ العصفورَ، قبلَ طابورِ الصباحِ، إلى المدرسة: صِدْتُهُ أمس، قال واحمَرَّ وجهُه. عصفورٌ بُنِّيٌ على جناحيهِ نقاطٌ بيضاءُ، منقارُهُ أبيضُ عاجيٌّ، عيناهُ بُنِّيَتانِ، تاجُهُ أحمرُ غامقٌ، ذيلُهُ أسودُ مُبَقَّعٌ بالأبيض: إسمُهُ حَسُّونُ الكَرَز، قالَ، من عائلةِ المنقارِ الشمعيّ، يُسمَّى أيضاً البلبلَ الزيتوني.  التلاميذُ بحلقوا فيهِ لا يعرفونَ من أين يعرفُ هذا. ذهبَ إلى غرفةِ المعلمين، الأولادُ يلحقونَهُ، ثُمَّ إلى غرفةِ الناظرِ، دَقَّ بابَها المفتوحَ وهو ينحني، دخلَ قبل أن يرفعَ الناظرُ عينيهِ عن أوراقِهِ، ويقول أُدْخُل.

ترتيبُهُ الأخيرُ في صَفِّنا. رفعَ يدَهُ آخرَ مَرّةٍ، وقتَ توزيعِ الشهادات: أريدُ شهادتي الآنَ لو سَمَحْت، قال للمدرِّس، الفصلُ خمسونَ تلميذاً، ما عندي وقتٌ للانتظار، أنا مشغول. المدرِّسُ ابتسمَ، أعطاهُ شهادتَهُ، ضحكنا فالتفَتَ إلينا: إنِّي وإن كنتُ الأخيرَ زمانهُ، قالَ هازَّاً إصبعَهُ في الهواءِ، لآتٍ بما لم تستطعهُ الأوائلُ. ثُمَّ غادَرَ الفصلَ، ولم يعد إلى المدرسةِ أبداً.

أشطرُ من جميع التلاميذ: ذكاؤُهُ فطريٌ، قال عنهُ الولدُ صاحبُكَ خطيبُ المدرسةِ، ولم يفهم أحدٌ من التلاميذ ما يقصد. يعرفُ أن يُصَلِّحَ أيَّ شيءٍ ، درّاجةً، موقدَ كهرباءٍ، موقد غاز، مدفئة، راديو من الأنواع الكبيرة، أي شيء يخطر في بالكَ. إن أحبَّ عملاً صارَ ماهراً فيه بسرعة. شاطرٌ في عملِ الأقفاصِ والملاطِشِ والفِخاخ. يتحدَّثُ في كُلِّ شيءٍ، ما عليكَ إلّا أن تفتحَ موضوعاً.

عملَ مزاداً على حَسُّونِ الكرزِ، باعَهُ بثمنٍ كبير. عزمني على الغداءِ ابتهاجاً في دارهم في مخيم الشاطئ. يعيشُ مع أبيهِ وأُمِّهِ وأخويهِ وأخواتِهِ الثلاث: ننامُ مثلَ السردينِ في ثلاثةِ عُلَب، قال لي. الدارُ مُرَتَّبَةٌ ونظيفةٌ. في غرفتِهِ مع أخويهِ صورُ طيورٍ، وخريطةٌ للبلاد تبدو فيها مدينتُنا صغيرةٌ على البحر.

المدرسةُ زعلتْ عليهِ، مَشَتْ وراءَهُ، جاءَ ناسٌ من حاراتٍ قريبةٍ وبعيدة. الرجلُ الغنيُّ الذي اشترى منهُ حَسُّونَ الكرزِ، حَمَلَ الحسُّونَ ثانيَ يومٍ في قفصٍ جميلٍ، وأعادهُ إلى أهلهِ من غيرِ أن يستردَّ حَقَّهُ: لا أريدُهُ، قالَ، يذكِّرُني بِهِ، أشعرُ أنَّهُ يناديهِ حينَ يغَنِّي.

خُذْ معكَ شبكةً خضراءَ أو بيضاءَ، إذا نويتَ أن تصيدَ عصافير. الخضراء أحسنُ، لونُها عشبِيٌّ ليس من السهلِ رؤيتُهُ، يمكن أن تصيدَ بها عصفورينِ ثلاثةً أو أكثرَ بِشَدَّةِ حَبْلٍ واحدة. إذا الشبكةُ غاليةٌ عليك، لا تستطيعُ أن تشتريها من مصروفكَ، أو لا تعرفُ أصلاً من أين تشتريها، يمكنُ أن تذهبَ إلى الصيّادينَ تترجّاهم أن يعطوكَ شقفةً من شبكةٍ تَمَزَّقت معهم.

يمكنُ أن تصطادَ بالفخِ، لكنَّ العصافيرَ ذكيَّة. يدورُ الواحدُ منها حولَ الطُعْمِ، يقتربُ ويبتعدُ، يغيِّرُ رأيَهُ ويطير. والفخُ قد ينطبقُ على أصابعكَ، تشتمُهُ وتشتُمُ أُمَّهُ مرَّتينِ ثلاثاً، قبل أن تستطيعَ نَصْبَهُ. الصيدُ بالملطشِ أسهلُ وأسرع. قد تصطادُ أكثرَ من عصفورٍ واحدٍ إنْ هجمتْ عصافيرٌ دفعةً واحدةً بابِهِ الجاهز. لكن الملطشَ غالٍ، وصعبٌ أن تعملهُ بيديك.

أحسنُ شيءٍ أنْ تصيدَ العصافيرَ بصمغٍ تعملُهُ من المُخَّيْط. إذهبْ إلى سوقِ الخُضْرَةِ أسفلَ تَلِّ الزهورِ. سوف ترى في الطريقِ صاحبينِ، قُلْ لهما أنا ذاهبٌ إلى السوقِ لأشتري مُخَّيْطاً لصيدِ العصافير، هل تأتيانِ معي؟ سوف يتحمَّسانِ كثيراً جِدّاً لفكرتِكَ، يمضيانِ معكَ فوراً.

الأوَّلُ هو الابنُ الأصغرُ للنجّارِ الذي في حارتِنا، لا يعملَ مع والدِهِ، يظَلُّ يعطسُ من نشارةِ الخشب. الثاني خطيبُ مدرستنا، كلّما جاءت مناسبةٌ يضع المدرسون لهُ طاولةً أمامَ التلاميذِ في طابورِ الصباح. يصعدُ على كرسِيٍّ إليها، يقولُ كلاماً عن النكبةِ والتحريرِ والعودةِ، لا نعرفُ من أينَ يأتي بِهِ. يحلفُ كُلَّما سألناهُ على أنَّهُ من عَقْلِه.

لن تجدوا مُخَّيْطاً في السوقِ ذلكَ اليوم: أنا أعرفُ أينَ أجدهُ، يقولُ ابنُ النجَّارِ، انتظرني على بابِ دارِكم، لن أُطَوِّل. لكنَّهُ يُطَوِّلُ، تتلفَّتانِ إلى اليمينِ والشمالِ أمام بابِ الدارِ، يكادُ يشتبهُ الناسُ فيكم. إنْ مَرَّ جارٌ وسألَ إنْ كانت هناكَ مشكلةٌ ويمكنُ أن يُساعدَ، اشكرْهُ، قُلْ لهُ لا شيءَ، ننتظرُ صاحباً، سوف نذهب معاً كي نصيد عصافير.

إنْ مَرَّ شخصٌ لا تعرفونَهُ وسألَ، إيّاكَ أن تغضب. لا تقلْ لَهُ لماذا تسأل، إمْشِ انقلعْ من هُنا، دَوِّرْ لكَ عن شيءٍ ينفعكَ، بدلاً من التَحَشُّرِ في أمورِ الناس. لا تقلْ أيَّ شيءٍ من هذا أو غيرِهِ، لا تعمل مشاكل. إنها مدينةُ القلقِ والتوجُّسِ والأسئلةِ، المدينةُ الخائفةُ على نفْسِها، كما قالَ عنها صاحبكَ نفْسُهُ، خطيبُ المدرسةِ ذات مَرَّة.

إبنُ النجَّارِ يظهرُ، يبتسمُ من بعيدٍ، قميصُهُ منتفخٌ من الأمامِ والجانبينِ كأنَّهُ سَمِنَ فجأةً: قطفتُهُ حَبَّةً حَبَّة، يقول، كنتُ سأنمسِكُ ثلاثَ مرَّاتٍ، ناطورٌ جرى ورائي حتَّى تعبَ، توقَّفَ وسبَّني وسَبَّ أُمِّي وأبي، هيّا نذهبُ من هُنا.

أحضِرْ، قبلَ أن تذهبوا، من داركَ كيساً لمُخَّيْطِ ابن النجار. إنْ مشى معكم بقميصٍ منتفخٍ، شَكَّ الناسُ فيكم. ثُمَّ أُطْلُبْ من أُمِّكِ طنجرةً ٍ تستطيعُ أن تغلي فيها المُخَّيط. سوف ترفضُ أن تعطيك: المُخَّيْطُ يلزقُ، تقولُ لكَ، لا يروحُ إلَا بنشفانِ الريق. لا تيأسْ، أُطْلُبْ منها عسلاً أسود. إنْ قالتْ ليس عندنا، قُلْ لها إنَّهُ في الرَفِّ الأسفلِ في خزانِةِ المطبخِ، أمامَ فرنِ الغاز.

خذ العسل الأسود. إبحثوا عن تنكةِ جبنةٍ كبيرةٍ فارغةٍ، سوفَ تجدونها، خذوها إلى الحدَّادِ أوَّلَ الميدانِ الكبيرِ بعدَ مبنى البلدية. أُطْلُبْ منهُ أن يقُصَّها لكم نصفينِ بالعرضِ، إذا سَمَحَ، على أن يجعلَ النصفَ التحتاني أكبر. على عيني ورأسي، يقولُ، سوف أقصُّها لكم بنفسي. إن سألَ لماذا تحتاجونَها قولوا له الحقيقة. إن سألكم من دار من، قولوا لهُ أسماءَ آبائكم. أعرِفُهم كُلَّهم، سيقولُ، سلِّموا لي عليهم.

يعملُ مع اثنينِ من أولادِه. الثالثُ الأكبرُ اختفى لم يعد يراهُ أحد. يسأله الناسُ عنهُ يقول لا أدري، مثلي مثلُكم، ثُمّ يصمتُ ويسأل: هل هناك شيء؟ البنادقُ اكتشَفَتْ مكانَهُ وطوَّقَتهُ من كل ناحية. إشتبَكَتْ معهُ وقتلَتْهُ. جاءتْ إلى دارِ أبيهِ نسفَتْها. تكاتف الناسُ معه حتَّى بَنَى غيرَها. حدَّادٌ شاطرٌ وشجاع. يساعدُ الأولادَ الذين يثقُ فيهم، يُصَلِّحُ لهم ما يقدرُ عليهِ، ويرفضُ أن يأخذَ منهم.

إبحثوا عن زجاجةِ عصيرٍ فارغةٍ من الحجم العائليِ، سوفَ تجدونَ واحدةً. إذهبوا إلى حنفيّاتِ سبيلِ الجامعِ في طريقِ الحواكيرِ، اغسلوا نصفَ التنكةِ، اغسلوا المُخَّيْطَ إلى أن يروحَ ما عليهِ، اغسلوا الزجاجةَ واملؤوها بالماء. إذهبوا إلى الغابة الصغيرة قرب الحدود في جزءٍ منها بعيد عن أبراجِ البنادقِ، جَمِّعوا أغصانَ شجرٍ ناشفةً سميكةً بطولِ نصفِ مترٍ تقريباً. قَطِّعوا منها الأغصانَ الجانبيةَ والأوراقَ ونظِّفوها.

إعمَلُوا صمغَ المُخَّيْطِ كما علَّمكَ صاحبكُ الذي اصطادَ الحسونَ النادرَ، قبل أن تقتلهُ بنادقُهم. إدهنوا أعواد الشجرِ بالصمغِ إلّا من طَرَفٍ تحملونها منه. صُفُّوا الأعوادَ بالطولِ جنباً إلى جنبٍ في مكانٍ بين الشجيراتِ إلى ثاني يوم. يتماسكَ الصمغُ، تعلِّقونَها على الأشجارِ، تقفُ العصافيرُ عليها، وتلتصق.

إبتعدوا عن أعوادِ المخَّيطِ، اختبئوا بين الشجيراتِ وانتظروا. قد تصيدونَ خُضَّيْراً ودُوُرِيَّيْنِ، بل قد يضربُ الحظُّ معكم وتصيدونَ كناريّاً وثلاثةَ حساسين. إذا مَرَّ بكم أحدٌ ونظرَ إليكم بعينينِ مباشِرَتينِ لا تهتمُّوا، لا تسألهُ بغضبٍ: هل قطعتَ تذكرةً لتتفرَّجَ علينا؟ لا تصرخْ في وجهِهِ: هيّا، توكَّل، رُحْ إلى حالِ سبيلِكَ.

هذِهِ مدينةُ التَوَجُّسِ، قلتُ لك. ليسَ أعوادُ صمغٍ فقط يمكنُ عَمَلُها هُنا، أو نُقَّيْفاتٌ، أو مقاليعُ، بل أشياءُ كثيرةٌ غيرُها.


8

الأولادُ وصلوا
لا مرحباً، أو صباحُ خيرٍ، أو هَزَّةُ رأسٍ
لم ترتفع يَدٌّ بالتحيَّة.
لكنَّ الأمورُ أَهْوَنُ عندما تكونونَ معاً.
الساحة أصغرُ مِمَّا جريتُم فيها
كيفَ كانت تكفي لطابور الصباح؟
منصَّةُ العَلَمِ ضيِّقةٌ وقصيرةٌ
ساريتُها عاريةٌ
كالحةٌ من الشمسِ والمطرِ
حبْلُها مرخِيٌّ على الفراغ.

ترى نفْسَكَ مستعجلاً من البوَّابةِ
متأخِّراً عن الطوابير.
تجري بشَعْرٍ لم تلحق أن تمَشِّطَهُ
تأخذُ مكانكَ بين التلاميذِ
تكملُ معهم، ترفعُونَ رؤوسَكم
ترفعونَ السلامَ للعَلَم.
تهتفُونَ بأنْ تعيشَ بلادُكم حُرَّة.
هل ترى الألوانَ تخفقُ
هل تسمع النشيد؟


9

عائدونَ، كُنّا ننشُدُ، إنَّنا لعائدون.
إنْ كانَ عيدُ ثورةٍ، أو تحريرٍ أو نصرٍ أو جلاءٍ
أو ذكرى نكبةٍ
ينشدُ المدرسونَ معنا، والناظرُ:
عائدونَ، عائدون.

هُنا فَكَكْنا الخَطَّ، ربطناهُ كما نشاء.
نقلبُ الحروفَ
تضحكُ الكلمةُ، نضحكُ معها
نكتبُ أسماءَنا على الجدرانِ
نكتبُ أنْ تعيشَ بلادَنا حُرَّةً
نرسُمُ العَلَمَ
نكتبُ أسماءَ ألوانِهِ في أماكنِها، فنراها.

الآنَ الصمْتُ، أبوابُ الفصولِ المُغْلَقة.
الشبابيكُ موصدةٌ وراءَ شَبَك.
تراها مفتوحةً
ترى نفْسَكَ خلفَ واحدٍ منها
هارباً على مقعدِكَ من الحسابِ والقواعد.
عيناك تلاحقانِ العصافيرَ على الأشجار.
تعرفُها بالاسمِ، تعرفُ أعشاشَها
ينادي عليكَ المُدَرِّسُ باسمكَ العائليِّ فتنتبه.


10

في كابوسٍ واحدٍ جماعةً
أصحابٌ، إخوةٌ، أبناءُ جيرانٍ وأقارب.
عمّالٌ لن يذهبوا اليومَ ليعملوا
سائقو أجرةٍ، باعةٌ جوّالونَ كبارٌ وصغارٌ
دونَ بضاعتِهم.
الدُّكَنْجِيُّونَ الثلاثةُ، لأوَّلِ مَرَّةٍ معاً.
ناصبُ المراجيحِ في العيدينِ الصغيرِ والكبير.
أخوهُ صاحبُ صندوقِ العَجَب.
الديماسيُّ صاحبُ المكتبةِ
دونَ ربْطَةِ عنقٍ، واقفٌ وَحْدَه.
النجّارُ، إبناهُ
الأكبرُ السمينُ خائفٌ يبتسم.
الفرّانُ ساكتٌ ينظُر.
الخيّاطُ الأشطرُ في المدينةِ
تأتيهِ الزبائنُ من جميعِ الحارات.
أستاذُ الحسابِ
يعطي الأولادَ الفقراءَ دروساً خصوصيَّةً
ولا يأخذُ منهم.
الكندرجيُّ جالسٌ على طرفِ المِنَصَّة.
الحلّاقَانِ الفاتحانِ في الشارعِ نفْسِهِ
المُتَخانقانِ دائماً.

لا يوجدُ ميكانيكيٌّ في حارتِنا
يساعدُنا، إنْ كان شجاعاً، في أشياءَ كثيرة.
لا يوجدُ عجلاتيٌّ
ينسى لنا على بابِ محلِّهِ جُوّانيّاتٍ قديمةً
نعملُ منها نُقًّيْفاتٍ تلزمُنا
بَرَّانيَّاتٍ نشعلُها في وجوهِ البنادقِ
نعتمدُ على الحاراتِ المجاورة.


11

نزلتْ عصافيرُ على الأشجار.
لا يستطيعُ الأولادُ ألّا يرفعوا رؤوسَهَم.
تتجاورونَ كما أرادتْ البنادقُ

الأقصرُ فالأطول.
أُستاذُ الحسابِ يبحثُ عن طولِهِ
لا بدلةٌ لا قميصٌ أبيضُ لا ربطةُ عنق.
هادئٌ، يمشي ببُطْءٍ
يرفعُ رأسَهُ كمن ينظرُ إلى آخِرِ الفصل.
دَفَعَتْهُ البنادقُ على الأرضِ
منعَ بكفَّيهِ الترابَ عن وجهِهِ
هَمَّ ولدٌ أن يساعدَهُ

لكنَّ الخيّاطَ منعهُ من قميصِهِ
نهضَ الأستاذُ، مشى بطيئاً وهادئاً
لم ينفض الترابَ عن ملابسِهِ
لم ينظر إليكم.
دَمُكَ يغلي، الأولادُ وجوهُهم داكنة.
لا بُدَّ أنَّ دمَهم يغلي مِثْلَك.
أولادٌ كبارٌ ورجالٌ يوسِّعونَ عيونَهم فيكم

يقصدونَ: لا تتهوَّروا.
ما أصعبَ أن تسكتوا في هذِهِ الساحة.


12

ساحةُ أصواتِنا العالية.
نجري كالطيورِ، نتنادى كأنَّ بيننا جبال
سادةُ الفرحِ
نقولُ كوني لكُلِّ ضحكةٍ فتكون.
نتزاعلُ بسرعةٍ، نتصالحُ دونَ وسيط.

نحكي، لا نكفُّ عن الكلام:
قبلَ طابورِ الصباحِ
بين الدروسِ، في الفرصةِ
في اندفاعِنا، نسابقُ صوتَ الجَرَسِ
في الطريقِ إلى منازلنا
يميلُ بنا الكلامُ، تصيحُ السيّارات.

نحكي على أبوابِ دُورِنا
نكملُ الكلامَ قبلَ المغربِ
في الطريقِ إلى الشاطئِ
بينما الشمسُ تميلُ، نحكي.
نرمي ثيابَنا على الرملِ، نركضُ
نقفزُ إلى رعشةِ الماءِ الباردِ
والشمسُ تغربُ
لا نكفُّ عن الكلام ــ
السُفُنُ كثيرةٌ، آنذاك.


13

لا سُفُنٌ تجيءُ الآنَ ولا تغادِر.
زوارقُ حربٍ تَسُدُّ الدنيا في وجوهكم.
تنظرونَ ساكتينَ إلى أبعدِ ما ترون
ينزلُ العتمُ عليكم، لا تنتظرونَ أحداً.

غِناءٌ يرافقُ العشيَّةَ
نَغَمٌ قرارٌ لكُلِّ ما من أجلِهِ يكونُ الغِناء:
مراكبيَّةٌ، إن طاوعوا حنينَ مراكبِهم
ينزلُ الرصاصُ عليهِم

يقطرونهم وربَّما قتلوهم
تكتبونَ أسماءَهم وترفعونها
إلى خَطِّ الهدنةِ القديمةِ
ترسلونَ طائراتِ ورقٍ بألوانِ العلَمِ
تقتربُونَ من الأسلاكِ
ينزلُ الرصاص عليكم.


14

لم نعرف أنَّنا نكبر.
بقي العمرُ ولداً يلهو معنا
يجري أسرَعَ مِنّا ولا نراه.
يسبقُنا إلى البناتِ فلا يكبُرْن أيضاً
نلعبُ داراً ودُوراً، عروسةً وعريس.
آباؤهُنَّ يَنْهَروننا
يقولونَ اذهبوا إلى بيوتِكم
لا ندري لماذا.

العُمْرُ ظلَّ يمشي وراءهنَّ ولا نراه.
يتريَّثُ معنا تحتَ الشبابيكِ
يمكنُ أن ينظرنَ منها
حولَ الأبوابِ، قد يفتحنها ويخرجن.

أحببنا الهواءَ، يطيِّرُ التنانيرَ
المراجيحَ في العيدينِ الصغيرِ والكبيرِ
ترفَعُهُنَّ عالياً
المنعطفاتِ، يلتفِتْنَ إلينا.
يَنْتُشْنَ رسائلَنا بسرعةٍ
يجيءُ الرَدُّ عليها أجمل وأجرأ.

خَشُنَتْ أصواتُنا وفاتَنا أنَّنا نكبرُ
تقطَّعَتْ أيامُنا بِنا
رأيناهُنَّ يغزلنَ خيوطاً قويَّةً من رقَّةِ الحالِ
كي تكونَ أيّامٌ، أمسٌ، غَدٌ، دارٌ ودُور.


15

إن أردْتَ أن تكتبَ مكتوباً إلى بنتٍ في حارتنا، في المدينةِ كُلِّها، ولستَ شاطراً في الكتابةِ، اذهبْ إلى الديماسِيّ. رجلٌ اسمُهُ العائليُّ هكذا، لهُ مكتبةٌ على الشارعِ الكبيرِ، جوارَ البقّالِ، حيث قتلوا ولداً عندما احتلُّوا المدينة. رأيناهُ على الرصيفِ، على وجهِهِ، على خَدِّهِ الأيمنِ، تحتَهُ دمٌ داكنٌ، يداهُ وساقاهُ مفتوحةٌ.

عرفناهُ من قميصِهِ. أزرقُ فاتحٌ بأوراقِ عنبٍ كبيرةٍ بأزرقَ غامقٍ، لا يوجدُ مثلُهُ في المدينة. أحضرهُ له أبوهُ من الخارج. عادَ حقائبُهُ مليئةٌ هدايا لأسرتِهِ وأقاربِهِ وجيرانِهِ وأصدقائِهِ، مهما بعدتْ دورُهم. حلفَ في جلسةِ في دارِهِ عصرَ ثاني يومٍ أنْ لا مكانَ لأحدٍ مثل بيتِهِ: من تركَ دارهُ قَلَّ مقدارُهُ، قالَ، وهَزَّ الحاضرونَ رؤوسَهم موافقين.

رأى ابنه مرميّاً على الرصيفِ، لم يَصِحْ، لم تنزل دمعةٌ من عينيه. يمُرُّ بِهِ الناسُ دامعينَ، بعضُهم يحاولُ أن يواسيهِ. ركعَ ببطءٍ متَّكِئاً على يديهِ، مَلَّسَ شعرَ ابنِهِ وقبَّلَهُ من خدِّهِ ثلاثَ مرّات. رجالٌ مَدُّوا أيديهم إليهِ فقام: ظننّاهُ باتَ عند سِتِّهِ، قالَ، أخذَ لها خبزاً وفواكهَ، ماذا أقولُ لأُمِّهِ؟ سوف تقتلُ نفْسَها عليه. جاءَ رجلٌ بشرشفٍ أبيضَ، غطَّى الولدَ من رأسِهِ إلى رِجْلَيْهِ، تحتَ عيونِ البنادق، بينما يُتَمْتِمُ بشيء.

قِفْ أمامَ زجاجِ الديماسيِّ واعملْ نفْسَكَ تتفرَّج. خرائطُ للبلادِ بأحجامٍ كثيرة. الناسُ هُنا يحبُّونَ خريطةَ البلاد. كتبٌ مدرسيَّةٌ، رواياتٌ وأشعارُ حُبٍّ ومقاومة. تاريخٌ وفلسفةٌ، وطبخٌ وتربيةُ دجاجٍ وأرانب. دفاترُ رسمٍ، علبُ ألوانٍ، أدواتُ هندسةٍ ومساطر.  أقلامُ رصاصٍ، وحبرٍ سائلٍ وناشفٍ ومحابر.

أُدْخُلْ عليهِ عندما يكون وحدَهُ وراءَ طاولةٍ خشبٍ مستطيلةٍ يقرأُ عَدَداً قديماً من جريدَةِ المدينة. كانت تصدرُ كُلَّ أسبوع. أخبارُها، عدا الصفحةِ الأولى، محليَّة: فلانٌ سافرَ على الطائرِ الميمون؛ فلان عاد بسلامةِ الله إلى الوطن؛ دعاياتٌ وإعلاناتُ وتخفيضات؛ تعييناتٌ في الإدارةِ المحليَّة؛ محاكمُ؛ مناقصاتٌ؛ تعازي.

لم يكن يحدثُ شيءٌ مهمٌّ في مدينتِنا، كُنّا سعداءَ دون أن ندري، بل كُنّا نظُنُّ أنَّنا لسنا سعداء. تتشابَهُ الأيّامُ مثلَ توائمَ، والشهورُ والأعوام. لولا البحرُ، لولا مراكبُ الصيّادينَ في النهارِ، أنوارُها في الليلِ؛ لولا السفنُ تأتي، نذهبُ سباحةً إليها، لولا القطارُ يقطعُ إلى المحروسةِ ويعودُ منها، ننتظرُهُ، نلصقُ آذانَنا بالقضبانِ، نسمعُ صوتَهُ، لولا رائحةُ الخبزِ كُلَّ فجرٍ، لولا الجمالُ، حين تخرجُ البناتُ إلى المدارسِ، لكاد لا يكون في مدينتنا سوى ذكرى النكبةِ، واحتفالاتُ الثوراتِ العربيَّةِ، ومظاهراتُ النصرِ، والجلاءِ، والتحريرِ، والعودة.

حَيِّ الديماسيَّ بأدبٍ، سيرُدُّ بِهَزَّةٍ من رأسِهِ، لن يبتسم. إسألهُ إنْ كانَ عندَهُ كتابُ رسائل العشّاقِ، سوف يرُدُّ بهزَّةٍ من رأسهِ، يقومُ إلى آخِرِ الدكانِ، يحضر الكتابَ، يقولُ لكَ ثمنَهُ، توافقُ، يعملُ لكَ خصماً، ربَّما لأنَّكَ من الحارةِ، يضعُهُ في كيسٍ مكتوبٌ عليهِ اسمُ المكتبةِ وما تبيعُ وعنوانُها. إدفعْ لَهُ واشكرهُ، سوف يرُدُّ عليكَ بهزَّةٍ من رأسِه.

لا تفزعْ إن دخلَ المحلَّ، وأنتَ خارجٌ، صاحبٌ أو قريبٌ أو جار. الديماسيُّ هذا رجلٌ محترَمٌ، يلبسُ بدلةً هي غالباً نفْسَها، وقميصاً أبيضَ نظيفاً، وربطةَ عنقٍ، وفي حالِهِ. لسانُهُ نظيفٌ، لا يستغيبُ أحداً، لا يطلعْ مِنْهُ سِرٌّ حتَّى إن اشتريتَ منهُ صورَ مُمَثِّلاتٍ أو نساءٍ عارياتٍ، أو كتباً في الجنسِ وما شابهَ، بل حتّى إن اشتريتَ كِمِّيّاتٍ كبيرةً، ونقلتَها على دفعاتٍ، من ورقِ الطباعة.

للديماسيِّ بنتٌ مثلُ القمر. مُتَرَبِّيَةٌ ومؤدَّبة. لا تراها إلّا ذاهبةً إلى المدرسةِ أو راجعةً منها أو خارجةً مع أُمِّها. لا تتلفَّتُ يميناً أو شمالاً، لا تبتسمُ لأيِّ ولد. أولادٌ كثيرونَ أرسلوا إليها رسائلَ حُبٍّ، ما رَدَّتْ أبداً. ولدٌ لا يستحي وقفَ لها مَرَّةً وحاولَ أن يُثَقِّلَ دمَهُ عليها بالكلام. بَهْدَلَتْهُ، سبَّتْهُ وسبَّتْ أُمَّهُ وأباهُ وعائلتَهُ كُلَّها، وجرَّستْهُ ولمَّتْ عليهِ الناسَ، وكادوا يضربونَهُ لولا أنَّهُ زاغَ منهم واختفى.

تزوَّجتْ صغيرةً ابنَ عمِّها الصغير. عملوا لها عرساً إلى ليلٍ متأخِّر. أولادُ الحارةِ غَنُّوا للعريسينِ ودبكوا. بناتٌ ونساءٌ غَنَّينَ واسترسلْنَ في زغاريدَ طويلة. أُمَّهاتٌ وعمَّاتٌ وخالاتٌ وجاراتٌ رقَصْنَ لا ينظرنَ إلى أحدٍ، يَكَدْنَ لا يحرِّكْنَ خصورَهُن. ولدٌ من أصحابِنا ظلَّ يبحلقُ فيهِنَّ بفمٍ مفتوحٍ إلى أن جاءتْ أُمُّهُ إليهِ وطلبَتْ منهُ أن يغلقَهُ.

لا تجعلْ أحداً تعرفُهُ يرى الكتاب. أَحْسَنُ ألّا ينعرفَ أنَّكَ لا تعرفُ كيف تكتب مكتوباً لبنتٍ، وأَحْسَنُ ألّا ينعرفَ أنَّكَ تراسلُ البناتِ من أصلِه. هذهِ مدينةٌ لا يتخَبَّى فيها شيء. ما تقولُهُ في الرمال يصلُ إلى الحارةِ القديمة قبل أن تنتهي من قولِه.

إقرأْ الكتابَ بسرعةٍ أوَّلَ مَرَّةٍ، خُذْ فكرةً عنهُ. صغيرُ الحجمِ، على غلافِهِ ولدٌ وبنتٌ رأساهُما متقاربانِ داخلَ قلبٍ كبير. رسومُ زهورٍ وقلوبٍ ونجومٍ، وهو قسمان: رسائلُ من الأولادِ إلى البناتِ، رسائلُ من البناتِ إلى الأولاد. لا أعرفُ مَن البنتُ التي تقدرُ في حارتِنا، في المدينةِ كُلِّها، أن تذهبَ إلى الديماسيِّ تقولُ لهُ بأدبٍ: أعطني كتابَ رسائلِ العشَّاقِ لو سمَحت.

إخترْ من الكتابِ ما ينفعُ مع بناتِ المدينة. هتافاتٌ مثل يا مولاتي ويا أميرة أحلامي ويا كنزي لا تلحسُ عقلَ أيِّ بنتٍ هُنا. ولدٌ كتبَ إلى بنتِ رسائلِهِ أنَّها عروسةُ بحرٍ، فما ردَّتْ عليهِ أبداً. صار يمُرُّ بها في الطريقِ، تعملُ نفسَها لا تراه. لكنْ قُلْ لها يا عروسةَ عمري، أو يا عروستي، وانظرْ إلى العجب. إن قلتَ يا رفيقةَ دربي ترى، ولا أدري لماذا، كيف يعملُ السحر.

أنتِ نجمتي أو عيناكِ بحيرتانِ صافيتانِ تحت القمرِ، أو ما شابَهَ، كلامٌ لا يمشي على أيِّ بنتٍ هُنا. ولدٌ كتبَ إلى بنتٍ يقولُ أنَّهُ يتمنّى أن يشتري لها القمرَ، يبني لها قصراً عليه. توقَّفَت عن مراسلتِهِ، صارت تغَيِّرُ طريقَها كُلَّما رأتهُ، قالت لصاحباتِها إنَّهُ ولدٌ أهبلُ، لا يدري ما يقول. لكنْ أُكتُبْ لها أريدُ أن أَبني داراً لنا ولأولادِنا، تكونين فيها دائماً إلى جواري. سوف يأتيكَ الردُّ منها غداً صباحاً، تقولُ إنَّها لم تنم طيلةَ الليل. تفرحُ، تقرأُ رَدَّها على الأولادِ أصحابِكَ: لا بُدَّ أنَّ شخيرَكَ إلى جوارِها أزعجها، يقولونَ لكَ، تضحكونَ جميعاً.

إسمع. أنتَ لا تحتاجُ إلى كتابِ رسائلِ العشّاقِ أو إيِّ كتابٍ آخر. لا تذهبْ إلى الديماسيِّ ولا غيرِهِ، تُعَرِّضُ نَفْسَكَ للمشاكل. أُكْتُبْ لها من قلبكَ، حتَّى وإنْ أخطأتَ في الإملاءِ والقواعد. البناتُ في مدينتِنا لا يرتَحْنَ للكلامِ المُزَوَّق. الكلامُ البسيطُ بركةٌ صافيةٌ لهنَّ، يرونَ فيها قلوبَ الأولاد. إن رأَتْ قلْبَكَ في كلامِكَ صِرْتَ عينيها، لا ترى في الكونِ غيرَك. تَرُدُّ على رسائلِكَ، تصبحُ حبيبتُكَ في السِرِّ وأُختُ الأولادِ أصحابِكَ في العلن. تساعدُ في كتابةِ المناشيرِ وتصويرِها وتوزيعِها. تذهبُ تشتري من المكتباتِ ورقاً وحبراً، على دفعات.

ترفضُ أن تنخطبَ لغيرِك. تعاندُ أباها وأمَّها وإخوتَها، تعاندُ الأيّامَ والسنينَ، لا تريدُ إلّا أنت.

تنتظرُكَ إلى أن تُخَلِّصَ الثانويَّةَ، الجامعةَ إن صَحَّ لك. تنتظرُكَ خمسةَ أعوامٍ، عشرةَ، عشرينَ، أكثرَ، على مسمعٍ من الحارةِ، من المدينةِ كُلِّها، إلى أن تخرجَ من زنازينِ البنادق. تذهبُ ثاني يومٍ إلى دارِها تطلبُ يدها مِمَنْ تبقّى من أهلِها. نعملُ لكما عرساً كبيراً إلى الفجرِ، نوزِّعُ الملبَّسَ والعصيرَ على الحاضرينَ، ننشدُ لكما، نغنِّي ونَدْبُكُ، نقبِّلُكَ، نقولُ لها مبروك. تسيلُ دموعٌ نسمِّيها هُنا دموعَ الفرح.


16

إحتمالاتٌ كثيرة.
ينظرونَ إلينا، يطلبونَ أسماءنا
وينظرونَ في أوراقِهم.
من اسمُهُ فيها أخذوهُ إلى العربات.

يعرفونَ الكثيرَ عَنَّا
ونكاد لا نعرف شيئاً عنهم
يفهمونَ كلامَنا، ولا نفهمُ كلامَهم
نحاولُ من نبرهم، من عيونِهم
أن نعرفَ ما ينتوون.

يسألونَ الأولادَ، يكادونَ لا يتركونَهم.
في أيِّ صَفٍّ، في أيَّ مدرسة؟
ماذا تعمَل بعد المدرسة؟
ماذا يعملُ أبوكَ، إخوتُكَ الكبار؟
يسألونَ فجأةً
هل عندَكَ سلاح، هل في داركم أسلحة؟
مَنْ مِنْ أصحابكَ عندَهُ سلاح؟
هل تدرَّبْتَ على أسلحة؟
مَنْ مِنْ أصحابِكَ تدرَّبَ على السلاح؟
هل يختبئُ عندَكم مُسَلَّحون؟
يذكرونَ اسماً، فجأةً، ويسألونَ: هل تعرفُه؟
ينظرونَ بقوَّةٍ في عيونِنا
يريدون أن يروا قلوبَنا.

مَنْ تلعثَمَ أخذوهُ إلى العربات.
من قالَ لا واحمَرَّ وجهُهُ أخذوه.
صاحبُ صندوقِ الفُرْجةِ لم يتلعثم
لم يتغيَّر وجهُهُ
نشَّفوا ريقَهُ بأسئلةٍ
أعادوهُ دفعاً إلى الصفوف.
إبنُ النجّارِ الأكبرِ أجابَ بلا
عن كُلٍّ سؤالٍ سألوهُ، وابتسم.
أخذوهُ يصيحُ
ماذا عملْتُ لكم، ماذا عملتُ لكم؟


17

جاءت وشاياتٌ من عيونِنا.
من نظروا في عينيهِ ولم يَكْسِرهما أخذوه.
إبنُ الخيّاطِ لم يحتملْ
أنزلَ عينيهِ عنهم، أخذوه.
جاءتْ وشاياتٌ من أسمائنا.
من في اسمِهِ قُوَّةٌ
كفاحٌ أو نضالٌ أو جهادٌ
نشَّفوا ريقَهُ بأسئلةٍ وربَّما أخذوه.

المُلَثَّمُ الذي خرجَ من عرباتِهم
كرهناهُ دون أن نرى وجهَه.
مشى نحونا على مهلِهِ
كمنْ يتنزَّهُ في حديقةِ البلديَّة.
أنفُهُ يدفعُ قِناعاً أسودَ على وجهِهِ
فيهِ ثُقْبانِ لعينيه.
سُتْرَتُهُ من المدينةِ
حتّى أنّنا نعرفُ المحلّاتِ التي تبيعُها.

إبنُ القحبةِ، همسَ ولدٌ
كيف لحقَ أن يخون؟
كان لا بُدَّ مزروعاً بيننا، رَدَّ عليهِ همسٌ.
يقتربُ مِنّا، تفوحُ منهُ سجائر.
ينظرُ إلينا بقوَّةٍ
لولا الخوفُ نظرنا في عينيهِ، ربَّما عرفْناه.
إنْ أشارَ إلى أحَدٍ يأخذونَهُ إلى العربات.
عيونُنا تَشِفُّ عن قلوبِنا.

18

صوتُ انفجارٍ بعيد.
نوافذ العماراتِ مُغْلَقة.
نعرفُ أنَّ الناس ينظرونَ من الثقوب.
أخذتم ابني، يصيحُ النجّارُ
يخرجُ إليهم.
ماذا عملَ لكم، يسألُهم
لا وقتَ عندَهُ ليعملَ لكم أيَّ شيء.
يساعدني من الفجرِ إلى العشاءِ
يستحِمُّ، ينامُ قبلي من التعب.
أصحو وأُصَحِّيهِ
نأكلُ لقمةً، نذهبُ إلى المنجرة.
ما عندكم أيُّ سبَبٍ لتأخذوه.

يقتربُ منهم على غضَبٍ
كأنَّهُ يريدُ أن يضربَهم
ترتفعُ البنادقُ إليه.
يرفعُ أولادٌ ورجالٌ أيديهم
يخرجونَ من الصفوفِ
يعيدونهُ إليها
يفاجِئُنا ولا يبكي.


19

عصفورُ شمسٍ من الأشجار.
 تغريدةٌ، يصمتُ.
لا يمكنُ أن ترى الأولادَ لا يرفعونَ رؤوسَهم
حين يكونُ عصفورُ شمسٍ على الأشجار.
عرباتُ البنادقِ أخذَتْ أولاداً ورجالاً
وغادرَتْ، فوهاتُها إليكم.
بقيتُم متجاورينَ في الصفوفِ
كأنَّهم لا يزالون هُنا.
الأستاذُ أوَّلُ من خرجَ من أفكارِهِ ومشى
مشيتُم وراءَه، ثُمَّ تًفَرَّقتم.

الاثنانِ حين تكونُ أسرارٌ إلى جواركَ:
بينكم إذَنْ من يحلمُ صاحياً ولا تعرفونَ
من لديهِ أسرارٌ غيرُ العصافيرِ والبناتِ
من لصمتِهِ وجهامتِهِ
أسبابٌ غيرُ ثِقَلِ دمِهِ وكلاحةُ وجهِه.
أرصفةُ الدكاكينِ المُغْلقةُ
أبوابُ المنازلِ، شبابيكُها
السيّاراتُ قربَ الأرصفةِ
العرباتُ الخشبيَّةُ المربوطةُ إلى الأعمدةِ
الشعاراتُ على الجدرانِ
العودةُ والنصرُ والتحريرُ، كُلُّها بَدَتْ غريبة.

أنتَ نفْسَكَ تبدو غريباً
لم تنظر إلى الأشجارِ هكذا من قبلُ
لا عصافيرَ في خيالكَ.
الحارةُ لم تهجم اليومَ باكراً على النهارِ
لم تندفع عرباتُ الخبز.
الجمالُ لم يندفع
نعسانَ، يستردُّ طغيانَهُ
حين تخرجُ البناتُ إلى المدارس.


20

أولادٌ ورجِالٌ
من الحاراتِ القريبةِ والبعيدةِ
أصحابٌ وأقارِبُ
جاؤوا، سلَّموا وسألوا.
أُمَّهاتٌ وأباءٌ من البيوتِ
عيونُهم في كُلِّ جِهَةٍ
يسألونَ عن أولادِهم
يسمعونَ الجوابَ وهم يتلفَّتون.

باعةٌ جوَّالونَ من أعمارِنا
يسألونَ بينما ينادونَ على بضاعتِهم.
نحسدُهم لأنَّهم أحرارٌ
يخرجونَ من بيوتِهم متى شاءوا
يرجعونَ متى شاءوا.
يدورونَ في الشوارعِ والأزقَّةِ والساحاتِ
طولَ النهارِ إلى المغربِ إلى العشيَّةِ
إلى نصفِ الليلِ حتّى، إن أرادوا
في الصيفِ على الشاطئ.


21

إنْ كنتَ بائعاً جَوّالاً صغيراً، تكونُ ساقطاً في المدرسةِ، وأهلُكَ فقراء. يعملُ الآباءُ والأُمَّهاتُ منكَ عبرةً لأولادِهم وبناتِهم، يُخَوِّفونَهم بِكَ على مستقبلِهم. لا يلاطفُكَ الأولادُ، ولا يصاحبونك. تُشفقُ البناتُ عليكَ، لكن لا تراسلُكَ. الناسُ يشترونَ منكَ عن كَرَمٍ غالباً لا عن حاجة. أحياناً يرمونَ فَكَّةً على طَبْليَّتِكَ، ولا يشترونَ شيئاً.

إنْ كنتَ ساقطاً في المدرسةِ وأهلُكَ أغنياءُ لن تصبحَ بائعاً جوّالاً، سوف تعملُ مع أبيكَ في صنعتِهِ أو تجارتِهِ، تصبحُ ولداً حاقداً يسخرُ من أولادِ المدارس. تقولُ عنّا، فريقَ عصافيرِ الشمسِ الذي يبيِّضُ وجهَ الحارةِ في كرةِ القَدَم: أولادٌ لا شغلةَ لهم ولا عَمْلَةَ، لا يعرفونَ كيف يلعبون. نُقْبَتُهم مضحكةٌ، لا توجدُ عصافيرُ بهذا الحجم، تقولُ، من كثرةِ ذكائك.

لن تكتبَ للبناتِ مكاتيبَ لأنَّكَ تكرهُ الكتابةَ والقراءةَ، لن تمشي وراءَهنَّ مع الأولادِ لأنَّكَ تكرهُ الأولادَ، والبناتُ يكرهنك. تقفُ أمامَ مدارِسِهِنَّ بسيّارةِ أبيكَ تغمزهنَّ بسفالةٍ، يُدِرْنَ وجوهَهُنَّ عنكَ ويشتُمْنَك. يزوِّجُكَ أبوكَ من ابنةِ عمِّكَ أو خالِكَ، من أجْلِ أن تكفَّ أذاكَ عن بناتِ الناس. نراكَ تكبرُ بينما نحنُ لا نكبرُ، تصبحُ لكَ كرشٌ مُضْحِكةٌ، تسوقُ سيّارتَكَ الجديدةَ، تنظرُ إلينا منفوخاً، على وشكِ أن تنبعِط.

إنْ كنتَ بائعاً جوَّالاً صغيراً، وأهلُكَ فقراءُ، وشاطراً في المدرسةِ، تكونُ بطلاً في حارتِنا، في المدينةِ كُلِّها. تعملُ منكَ الناسُ قدوةً لأولادِهم وبناتِهم، يشجِّعونَهم بكَ. يشتري منكَ الأولادُ بأدَبٍ، يقفونَ معكَ، يتحدَّثونَ إليك. تتحدَّثُ عنكَ البناتُ، يقلنَ الفقرُ ليس عيب، الاعتمادُ على النفْسِ أهم من الغِنى، يشترينَ منكَ، عيونهُنَّ في عينيك. الآباءُ يعطونكَ زيادةً عن الثَمَنِ، والأمَّهاتُ يزدْنَ دعواتِهِنَّ لكَ بالتوفيق.

لكنْ أن تصيرَ بائعاً جوّالاً صغيراً ناجحاً يعني أن تنحرم من اللعبِ، تنامُ باكراً، لا تبحْلِقُ في السقفِ تفكِّرُ في البناتِ والعصافير. تصحو من النجمةِ، ترشقُ وجهَكَ بالماءِ، تأخذُ لكَ لُقمةً على السريعِ، تراجعُ دروسكَ، تذهبُ إلى المدرسة؛ تعودُ منها، ترمي حقيبتَكَ في أيَّةِ زاويةٍ في الدارِ، تدفعُ عربتَكَ أمامَكَ في شوارعِ المدينة. تكون ذهبتَ قبل هذا أحضرتَ بسرعةٍ ما يلزمكَ من البضاعةِ. تنادي عليها ما تبقَّى من النهارِ، وما تستطيعُ من الليلِ، كُلَّ أيامِ الأسبوعِ وأيّامِ العطلاتِ والعيدينِ الصغيرِ والكبيرِ، وأعيادِ النصرِ، والتحريرِ، والجلاء. تأكلُ لقمتَكَ بِعَرَقِ جبينِكَ، تصنعُ نفْسَكَ بنفْسِكَ، تصبحُ عصاميّاً، كما سيقولُ عنك الولدُ خطيبُ المدرسةِ مَرَّةً، وينظرُ الأولادُ إليهِ، لا يفهمون ما يقول.

عليكَ أن تبيعَ ما يلزمُ الناسَ وما يُحِبُّونَ أن يشتروا، وإلّا دُرْتَ تُنادي في الشوارعِ لا يشتري منكَ أحد. الأشياءُ الصغيرةُ أحسنُ شيءٍ، رخيصةٌ ويشتريها الناسُ كثيراً: مرايا صغيرةٌ، وأمشاطٌ، وقدَّاحاتٌ وعلبُ دهانِ أحذيةٍ، وربّاطاتُ أحذيةٍ سوداءُ وبنيَّةٌ، وقصّاصاتُ أظافرَ، وسلاسلُ مفاتيح. السلاسلُ التي تنتهي بألوانِ العَلَمِ تبيعُها كُلَّها، الناسُ هُنا يحبونَ العَلَم.

إن بِعْتَ أشياءَ يحتاجُها الأولادُ والبناتُ معاً تبيعُ أكثر: أقلامُ حبرٍ ناشفٍ وأقلامُ رصاصٍ تنتهي بمَحَّاياتٍ، برَّاياتٌ ومساطرُ، صورُ مطرباتٍ ومطربينَ، ممثّلاتٍ وممثّلينَ، دفاترُ صغيرةٌ مُسَطَّرةٌ فيها رسومٌ ملوَّنةٌ يكتبُ الأولادُ والبناتُ فيها كلماتِ الأغاني، ورسائلَ بينهم.

لا يلزمُ أن تكونَ شاطراً في بيعِ بضاعةٍ كهذه. الأولادُ والبناتُ يشترونها عن حاجةٍ، يُدَوِّرونَ عليكَ أحياناً في الشوارِع.

أغلبُ تُجّارِ هذا النوعِ من البضاعةِ لؤماءُ بخيلونَ عيونُهم خبيثة. يطلبونَ منكَ أن تدفعَ سَلَفاً وأن تبيعَ خارجَ السوقِ بعيداً عن دكاكينِهم، ولا يُرجعونَ لكَ ثمنَ ما لا ينباعُ معكَ، أو ما غيَّرْتَ رأيكَ في التجارةِ فيه. هُناكَ أشياءٌ يحبُّها الناسُ، كعكٌ مثلاً أو معمولٌ، بالعجوةِ أو بالجوزِ والسكَّر. فطائرُ، قِرْشَلَّةٌ، وما شابَهَ.  وأصحابُ المحلّاتِ التي تبيعها كريمونَ غالباً ولطفاءُ.

فلو ذهبْتَ مثلاَ إلى المخبزِ على مَيْلَةِ الشارعِ الكبير، إلى اليمينِ، وأنتَ خارجٌ من الحارةِ. سيكونُ صاحب المخبزَ واقفاً ينظرُ إلى عُمّالٍ يُنَزِّلونَ من شاحنةٍ كبيرةٍ أكياسَ طحين وسميد. إذا صَبَّحْتَ عليهِ، سوف يرُدُّ عليكَ الصباحِ، خيرٌ إن شاءَ الله، يقول. إسألهُ إنْ كان ممكناً أن يعطيكَ ممّا يعملُ بِسِعْرِ الجملةِ، كي تبيعهُ وتدفعَ الثمنَ آخرَ النهارِ، وإنْ تيسَّرَ الحال، قُلْ لهُ، سوفَ أَدفعُ سَلَفاً. تعالَ يا إبني، سوف يقولُ لكَ، يدخل المخبزَ، تتبعهُ. ثلاثةُ أفرانٍ كبيرةٍ، يعمل أمامَها ثلاثةُ خبازين مع مساعديهم، أعطِهِ ما يريدُ وسجَّلهُ عليهِ، يقول لرجلٍ جالسٍ على مكتبٍ إلى يمين البابِ وأنتَ خارج.

لكنْ بيعَ هذه الأشياءِ أصعب. الناسُ يفكِّرونَ مَرَّتينِ ثلاثةً قبل أن يشتروا ما سوف يضعونهُ في أفواهِهم. ثُمَّ عليكَ أن تبيعَ هذِهِ البضاعةَ على عربةٍ نظيفةٍ وجميلةٍ، وأن تكونَ شاطراً في البيعِ، تنادي عليها، تقولُ عنها كلاماً يفتحُ النفْسَ، حقيقيّاً لمن ينظر.

إشْتَرِ، أو استأجرْ، عربةً نظيفةً وجميلة. أُطْلُبْ من أبيكَ نقوداً، إن لم تكن معهُ زيادةٌ دَبِّرْ حالكَ، استدنْ من قريبٍ أو جارٍ على وعدٍ محلوفٍ عليهِ بالسَداد. لن يعطيكَ أحدٌ غيرُ أُمِّكَ. كانت تجمعُ الفكَّةَ من سنينَ من كُلِّ مكانٍ في المنزلِ في تنكةٍ كبيرةٍ تخبّئُها في عمقِ خزانةِ ثيابها. تعطيكَ الفَكَّةَ كُلَّها، ضعها في كيسٍ غيرِ شَفّافٍ واذهبْ إلى حبيبِ الشعبِ، استبدِلْها بنقودٍ ورَق.

حبيبُ الشعبِ هذا هو البقالُ الذي قتلوا أمامَ دكّانِهِ ولداً عندما احتلوا المدينة. يطلقُ على نفْسِهِ هذا الاسمَ، ويحبُّ أن يناديهِ الناسُ بِه. إنَّهُ في الحقيقةِ رجلٌ محبَّبٌ، يتحدَّثُ مع الزبائنِ طيلةَ الوقتِ، يمزحُ من غيرِ طولِ لسانٍ، لا يستغيبُ أحداً، ينشرُ الأخبارَ التي تصلُهُ لا يزيدُ ولا يُنَقِّصُ، أسعارُهُ أرخصُ من البقّالَيْنِ الآخرَينِ في الحارة. يأخذُ الفَكَّةَ منكَ بينما يسألكَ عن دراستِكَ وأحوالكَ: كسرْتَ حصّالةً كبيرة، ها، يقولُ، في بالِكَ مشروعٌ، هل عددْتَها؟ قُلْ لَهُ العددَ، سوف لن يعدَّها، يستبدلُها بنقودٍ وَرَقٍ، خذها واشكرْهُ واذهب. تسمعُهُ يعلّي صوتَه: سَلِّم لي على الوالد.

إذهبْ إلى منجرةِ الاتقانِ، أَوَّلَ شارِعٍ إلى شمالِكَ بعدَ الميدانِ الكبيرِ، بعدَ محلاتِ الخردةِ والآلاتِ اليدويَّةِ والكهربائيَّةِ، والملابسِ المستعملةِ والأكياسِ الفارغةِ التي يأتي فيها طحينُ الوكالة. إنَّها أكياسٌ رخيصةٌ من قماشٍ أبيضَ ناعمٍ قويٍّ تصنعُ منها الأُمَّهاتُ المُدَبِّراتُ ملابسَ داخليَّةً وحفَّاضاتٍ لأطفالِهنَّ، ووجوهَ مخدَّات. رَقَّ قلبُ صاحبِ معمل القماشِ المالطي الوحيدِ في المدينة. أعلنَ بين الناسِ عن بيعِ قماشِهِ للأسرِ اللاجئةِ المحتاجةِ بأسعارٍ رخيصة. يذهبونَ إلى مصنعِهِ رأساً، لا إلى التُجّار، يقدِّمونَ كرتَ الإعاشةِ، يبيعهم بسعرِ الأكياسِ المستعملةِ، وحتّى أرخص، من مترٍ إلى عشرة. كان يعطي العائلاتِ التي عددها كبيرٌ أمتاراً أكثرَ، دونَ مقابل.

هاجرَ إلى المدينةِ في الثمانيةِ وأربعين. فتحَ معملاً صغيراً للقماشِ المالطيِّ، ثُمَّ فتحَ مصنعاً كبيراً. قماشُهُ أحسنُ وأرخصُ من المستورد. إبنُهُ من عمرِنا، شاطرٌ في اللغةِ العربيةِ والتاريخِ والجغرافيا. يأخذُ أعلى العلاماتِ في الانشاء.  مؤدَّبٌ وخجولٌ وهادئ. إن كنتَ من أصحابِهِ القليلينَ وزرتَهُ، يستقبلكَ في غرفةِ الضيوفِ مثلَ الكبار.

خطّاطٌ ورسّامٌ، عندَهُ دفترٌ كبيرٌ بغلافِ كرتونٍ قويٍّ أزرقَ، سوف يحضرُهُ، يُفَرِّجُكَ عليه. فيهِ قصائدُ حُبٍ ومقاومةٍ مكتوبةٌ بخطٍّ كبيرٍ وجميلٍ، كُلُّ قصيدةٍ بلونٍ مُختلِفٍ، وتشكيلُها بلونٍ يختلفُ عن لونِ الكلمات. اسمُ الشاعرِ مكتوبٌ تحت كلِّ قصيدةٍ، وفي الفراغاتِ رسماتٌ ممّا تقول.

غادَرَ الدارَ مَرَّةً نصفَ الليلِ، في قميصِهِ مناشيرُ ضِدَّهم. سمعَ حركةَ عرباتٍ قربَ الدارِ فظنَّ أنَّهم جاؤوا ليأخذوه. قفزَ إلى حديقةِ الجيرانِ فكانوا فيها، يريدونَ القبضَ على الولدِ جارِه. أمسكوا بِهِ ِ في قميصهِ المناشيرِ، أخذوهُ مع الولدِ جارهِ وذهبوا. أسوأُ حَجَرٍ واحدٍ لعصفورين في تاريخِ هذا المَثَل، قالَ الولدُ خطيبُ المدرسة.

إذهبْ إلى منجرةِ الاتقانِ، كما قلتُ لكَ، صاحبها نجَّارٌ مُعَلِّمٌ وأسعارُهُ معقولةٌ، تأتيهِ الناسُ من المدينةِ كُلِّها، طيِّبٌ سريعُ الغضبِ إن أخطأتَ في حقِّهِ أو ظَنَّ أنَّكَ قد فعلتَ هذا. يصنعُ عرباتِ يَدٍ ومجرورةٍ يبيعُها أو يؤجِّرُها، يصنعُ عرباتٍ بالتوصية. تعطيهِ المقاييسَ يعملُ لكَ عربةً يكتبُ اسمَكَ عليها ونوعَ بضاعتِكَ، إن أردتَ، بخطٍّ كبيرٍ مُزَوَّقٍ برسوماتٍ ملوَّنةٍ تناسبُ نوعَ بضاعتِك.

أُدْخُلْ عليهِ، يكونُ وحدهُ يُنَعِّمُ بفأرة كهربائيَّةً قطعةَ خشبٍ طويلةٍ وسميكة. إبنُهُ الأكبرُ السمينُ الذي يعملُ معهُ أخذتْهُ البنادقُ عندَ تطويقِ الحارةِ، مع أنِّهُ لم يعمل لهم شيئاً سوى أنَّهُ ابتسمَ حين قال لا عندما سألوهُ إن كان تدرَّبَ على السلاح.  إنَّهُ يبتسم دائماً. مهما قلتَ لهُ يبتسمُ قبلَ أو بعدَ أن يجاوبك. لا نراهُ إلّا يومَ الجمعةِ بَعْدَ الظُهر. مُهاجِمُنا في فريقِ الحارةِ، يندفعُ ما أن تصلَ الكُرَةُ إليهِ، لا يُمَرِّرُها إلى أيٍّ مِنّا: تُضَيِّعونها، يقولُ، يجري بها، لا شيءَ يوقفُهُ، يُسَدِّدُها، ويبتسم. لم نرهُ مرةً على الشاطئِ، أو في أيِّ حاكورةٍ يصيدُ عصافيرَ، لا يمشي وراء البناتِ، لا يكتبُ لهنَّ مكاتيب.

يحبُّ ابنةَ خالتِهِ من عمرِهِ، وهي تحبُّهُ، والكُلُّ يعرف. تحملُ إليهِ وإلى أبيهِ مطبقيَّةَ أكلٍ خَمْسَ طبقاتٍ كُلَّ يومٍ وقتَ الظُهْرِ إلى المنجرةِ تُسَلِّمُ على أبيهِ، تحاولُ أن تبوسَ يدَهُ فيرفض. يحمَرُّ وجهُ صاحبنا حين تأتي، يبتسمُ، لا ينظرُ إليها. صارتْ تزورُ أُمَّهُ كُلَّ يومٍ بعدَ المدرسةِ، بعدَ أن أخذتْهُ عرباتُ البنادقِ لأنَّهُ يبتسم. تقضي معها بقيَّةَ اليومِ تُسلِّيها، تذهبُ قبل أن يعودَ أبوه.

عرباتُ يَدٍ وعرباتُ جَرٍّ جديدةٌ وقديمةٌ تشرح القلبَ في المنجرة. لا تشترِ أو تستأجرْ عربةً جديدة. الناسُ لا يثقونَ في بائِعٍ لا يعرفونَهُ، يدفَعُ أمامَهُ عربةً جديدة. قل مساءُ الخيرِ عندما يتوقَّفُ عن عملِهِ ليأخذَ راحةً. يَرُدُّ عليكَ المساءَ باسمكَ العائليِّ ويصمتُ، ينظرُ إليكَ: أريدُ أن أستأجرَ عربةً قديمةً نظيفةً وجميلةً، قُلْ لهُ، لا رخيصةُ ولا غاليةً، أعتمدُ بها على نفسي، آكلُ لقمتي بعرقِ جبيني، لا تنسَ أن تقولَ هذه الجملة. سوف تكبرُ في عينيهِ: عينُ العقلِ، يقولُ لكَ، إخترْ ما يعجبُكَ، لا تُفَكِّرْ في الأُجْرَةِ، سوف أعطيكَ بأرخصِ الأسعارِ، ولن آخُذَ منكَ الآن. أشكرهُ، قُلْ لَهُ عَمَّرَ اللهُ بيتَكَ.

تُصَحِّيكَ أُمُّكَ، يصادفُ يومَ جمعةٍ، ترافقُكَ، بعد أن تأكلَ لقمةً، إلى حوش الدارِ وهي تبتسم. إدْفعْ عربتَكَ بين الفجرِ والصباح. أولادٌ ورجالٌ مستعجلون. بَنّاؤونَ، نجّارونَ، دَهَّانونَ، يصبِّحونَ عليكَ برقَّةٍ كنتَ تظُنُّها ليستْ من عاداتِ المدينة. رُدَّ الصباحَ عليهم بأحسنِ منه. لقمةُ العيشِ لم تأكلهم. تعرفُ الآنَ سبباً لبهجةِ الأغاني وحزنِها في الصوتِ نفْسِهِ في مدينتنا. تعرفُ من أينَ يأتي أهلُها بالبسالةِ، يدافعونَ بِها عن أنفُسِهم.

إدْفعْ عربتَكَ أمامك. أُنْظُرْ إلى اليمينِ، إلى الشمالِ، ارفعْ رأسكَ، لا تستحي إنْ شافكَ أحدٌ يعرفُكَ، ولدٌ أو بنتٌ أو جارٌ أو قريب.

إبتسِمْ، تصطبحُ بكَ شوارعُ الحارةِ، الحاراتِ كُلِّها. إرفعْ صوتَكَ كُلَّما علا صوتُ المدينةِ، أنتَ الآنَ أقربُ إلى الجميع.


22

البناتُ خرجْنَ دونَ إذْنٍ من أحد.
لا تكشيرةُ أبٍ، ولا زعيقُ أخٍ كبير.
أعدادُهُنَّ تزيدُ
أُخرجوا من بلادِنا، يهتفْنَ
أَطلِقوا سراحَ إخوتِنا.
لافتاتٌ سريعةٌ وأعلام
شعاراتٌ على وَرَقٍ مُقَوّى.

تنفتحُ أبوابٌ وشبابيك.
ننضَمُّ إلى البناتِ، نحنُ التسعةُ أكثرَ
نهتفُ معهُنَّ
أولادٌ وبناتٌ من الحاراتِ القريبةِ
ينضمّونَ إلينا.
لافتاتٌ وشِعاراتٌ ورايات.
ولدٌ يحملُ علماً كبيراً:
أخذتُهُ من ساحةِ المدرسةِ
قبل أن يأخذوا المدينةَ، قالَ
أخذتُ الخريطةَ الكبيرةَ أيضاً.
جيوبُنا منفوخةٌ بحجارةٍ
نُقَيفاتٌ، مقاليعُ
أُخرجوا من بلادِنا، نهتفُ
أَطلِقوا سراحَ إخوتِنا.


23

قلوبُ البناتِ مكشوفةٌ
عيونُهُنَّ صريحة.
أخواتٌ وجاراتٌ وقريباتٌ
وبناتُ رسائلَ وحبيبات.
قلوبُنا مرئيَّةٌ، نحنُ أيضاً، عيونُنا صريحة.
البنادقُ تنزلُ من عرباتِها.
رصاصٌ في الهواءِ
يريدونَ أن يطيِّروا قلوبَنا.

يشدُّونَ بنتاً من يدِها، نَشُدُّها إلينا
يخرجُ قميصُها بأيديهم
وَلَدُ رسائلِها يخلعُ قميصَهُ يرميهِ عليها
تلفُّ نفْسَها بِهِ، يشُدُّها بقوَّةٍ إليهِ
نلتَفُّ حولَهما
يعلو صياحٌ من النوافذِ والشرفاتِ
من أسطُحِ المنازلِ
اللعناتُ تنزلُ على القلوبِ الناشفة.

لأوَّلِ مرَّةٍ نرى بنتاً دونَ قميصٍ
في الشارعِ، في حارتِنا، في المدينةِ كُلِّها.
لم نكن نعرفُ أنَّ أيّاماً سوفَ تأتي
يشلِّحونَ فيها أمهاتٍ وعمّاتٍ وخالاتٍ لنا
أخواتٍ وحبيباتٍ وزوجاتٍ وأراملَ عارياتٍ
لا ترفرفُ أعلامٌ من البحرِ إلينا
ولا من الصحراء.


24

أذرعُنا أصلِبَةٌ على رؤوسِنا
دمٌ على وجوهِنا وشعورِنا
على الأرضِ أعلامٌ وشعاراتٌ
أحذيةٌ بنّاتيَّةٌ وولّاديَّة.
آذانٌ في غيرِ وقتِهِ من جامعِ الحارةِ
من الجوامِعِ واحداً واحداً
إلى الكبيرِ في البلدةِ القديمةِ
أجراسُ الكنائس.

جدّاتٌ أمهاتٌ عمّاتٌ وخالاتٌ
يأتينَ من المنازلِ
عيونٌ قلوبُها تسيلُ أمامَ عيونِ البنادقِ الناشفةِ
قساوسةٌ وشيوخٌ جاؤوا
تحدَّثوا إلى البنادقِ.
كلَّموهم بكلامِ الأحدِ والجمعةِ
لم ينفع معهم.

ترتفعُ نُقَّيْفَةٌ
حَجرٌ يصلُ إلى وجهِ أحدِ البنادقِ
زخّاتُ رصاصٍ علينا
خفَضْنا رؤوسَنا معاً.
أصابوا ثالثَنا حين تكونُ أسرارٌ
دمُهُ على صدرِهِ
يمسكُ بمن يجاورهُ، نمسكُ بهما
نندفعُ نجري
نحنُ الاثنانِ، ثالِثُنا جريحٌ
الخمسةُ السبعةُ، التسعةُ، أكثرُ
أولادٌ وبناتٌ من حارتِنا
من الحاراتِ القريبةِ والبعيدة.
نجري جريحُنا معنا، لا نعرفُ إلى أينَ
لأوَّلِ مَرَّةٍ نرى الدمَ يجري في شوارعِنا.


25

أتعرفُ أن تعملَ نُقَّيْفَةً؟ إنَّها في الأصلِ شُدَّيْدَةٌ، تَشُدُّ بها الحجرَ الصغيرَ، تفلِتُهُ فينطلق. تصيدُ بها عصافيرَ، وتنفعُ في حاجاتٍ كثيرة. إنَّها غصنُ شجرةٍ يكفي لمسكةِ يدِكَ، ينتهي بشعبةٍ طرفاها متساويان، عشرةُ سنتيمتراتٍ تقريباً، من أجلِ ربْطِ شريطينِ من المطّاطِ متساويين، قُلْ خمسةَ عشرَ سنتيمتراً، بِعَرْضِ سنتيمترٍ واحدٍ، ينتهيانِ بجلدةٍ صغيرةٍ لِمَسكِ الحجر.

خُذْ معكَ منشارَ شجرٍ أو عاديّاً واذهبْ إلى أيِّ بيّارةٍ سورُها شجرٌ لتقُصَّ منه الغصنَ المتشعِّب. إن لم تجد منشاراً في دارِكم من أي نوعٍ، استعرْهُ من ولدٍ من أصحابكَ، يسرقُهُ لكَ من دارِهم، ثُمَّ يعيدُهُ. إن لا ذاك ولا هذا، خذ من داركم أيّةَ سِكِّينةٍ، والأحسنُ أن تكونَ كبيرةً ومُثَلَّمة.

مَيِّلْ على صاحبِكَ ابنِ صاحبِ صندوقِ الفُرْجة. لا أحدَ في حارتِنا يحبُّ أباهُ، ولا في أيَّةِ حارةٍ في المدينة. يرفضُ أن يفرِّجَ أحداً بتعريفةٍ، يريدُ قرشاً كاملاً. أسوأُ من هذا، يأخذُ منكَ القرشَ، ثُمَّ يقولُ لكَ قرشُكَ خَلَّصْ، وأنتَ لم تتفرَّج حَتَّى بأقلِّ من تعريفة. إن اعترَضْتَ، يُعَلِّي صوتَهُ عليك.

كان يخرجُ بصندوقِ فرجتِهِ في العطلاتِ والمناسباتِ فقط، في العيدينِ الصغيرِ والكبيرِ، وأعيادِ النصرِ والعودةِ والجلاءِ، وما شابهَ. صار بعدَ احتلالِهم للمدينةِ يخرجُ كُلَّ يوم: إتفرَّجْ يا سلام، ينادي بأعلى صوتِهِ، أبو زيدِ الهلالي، الزناتي خليفة، عنتر بن شدَّاد، ولا أحدَ يوقفُهُ ليتفرَّجِ، أولاً لأنَّهُ لئيمٌ، ثُمَّ لأنَ الناسَ زهقَتْ من الأسماءِ الكبيرةِ على الفاضي. ظَنَّ المارَّةُ أنَّ عقلَهُ انلحَسَ من كثرةِ ما انهزَمنا.

كان يعبرُ بصندوقِهِ وسطَ الميدانِ الكبير. أوقفهُ حاجزٌ للبنادقِ، وَجَّهوا فوهاتَهم إليهِ، طلبوا منهُ أن يضعَ صندوقَهُ على الأرضِ، يرفعَ يديه. وضعَ صندوقَهُ ورفعَ يديهِ ينادي: إتفرَّجْ، إتفرَّجْ على العجب. الناسُ وقفوا يتفرَّجون عليه. البنادقُ لم تجد في صندوقِهِ لا أبا زيدٍ ولا زناتي خليفةَ، ولا عنترةَ، بل مناشيرَ، شعاراتٍ وأعلاماً، بينها أشياءُ أخرى تَخُصُّ المقاومة: ليست لي، قالَ، لا أدري من وضَعَها هُنا، لا أدري.

إبنُهُ ولدٌ ذكيٌّ، يقولون طالعٌ لأُمِّهِ. إقترحْ عليهِ أن يذهبَ معكَ لِقَصِّ غصنِ شجرةٍ ينفعُ مَسْكَةً لشُدَّيْدَةٍ، يوافقُ فوراً. تصادفانِ في الطريقِ ابنَ حبيبِ الشعبِ، البقّال. أَخْبِرْهُ بما تريدانِ أن تفعلا، يتحمَّسُ، يذهبُ معكما.

إبحثوا عن شجرةٍ مناسبة. إخترْ غصناً آخرُهُ شعبةٌ وابدأْ في قَصِّه. سوف يأتي ناطورُ البيّارةِ، يسألُ ماذا تفعلونَ، أخبرهُ بأنَّكم تقُصّونَ شُعْبَةً لعملِ شُدَّيْدَة: هذهِ السكّينُ لا تصلحُ لقَصِّ أيَّ شيء، يقولُ، وهذهِ الشعبةُ التي تَقُصُّها لا تنفعُ لشُدَّيْدَة. يذهبُ، يعودُ بمنشارٍ نَصْلُهُ يلمع. يدورُ بين الأشجارِ، تدورونَ وراءهُ، يتوقَّفُ أمامَ شجرةٍ، يتسلَّقُها بخِفَّةٍ ليستْ لرجلٍ عجوزٍ مثله، يقصُّ شعبةً، ينظِّفُها من الأوراقِ والأغصانِ الصغيرةِ ويعطيها لكم.

يعيشُ في البيّارةِ مقطوعاً من شجرةٍ، لا أولادٌ، لا زوجةٌ، لا أقارب. هاجرَ إلى المدينة فيِ الثمانية والأربعين. لم يسكن مخيَّماتِ اللاجئين. مشى في الشوارعِ لا يُكَلِّمُ أحداً، ولا يطلبُ شيئاً من أحد. يلتَفُّ على حالِهِ في الليلِ، ينامُ في أيَّةٍ زاوية. حاولَ أهلُ الخيرِ أن يعطوهُ نقوداً أو ملابسَ فرفض. يذهبُ إلى المزابلِ يبحثُ عن خبزٍ أو أيِّ شيءٍ يمكنُ أكلهُ، ينفُضُهُ بيديهِ، ينظرُ حولَهُ، لا يرى أحداً، فيأكلُه. أولادٌ رأوهُ يفعلُ هذا.

صارَ يُبَسِّطُ قربَ بوَّابةِ مدرسةِ العودةِ للبنين. يبيعُ التماميرَ واللوزَ الأخضرَ والجلبانةَ بالتعريفةِ والقرشِ والمُبادلة. الأولادُ أحبُّوه. تعطيهِ رغيفاً أو ساندويتشاً يعطيكَ من بضاعتِهِ ما يوازي في رأيِهِ ذلكَ، وهو كثير. إذا توقَّفْتَ ونظرْتَ إلى بضاعتِهِ، ومضيْتَ من غيرِ أن تشتري، أو تُبادلَ، يناديكَ، يسألُ عن اسمِكَ، في أيِّ صَفٍّ، وماذا أحببْتَ من بضاعتِهِ، يعطيكَ منها من غيرِ نقودٍ أو مبادلة.

أصحابُ هذهِ البيّارةِ سمعوا من أولادِهم عن طيبَتِهِ وكرمِه. أرسلوا إليهِ نقوداً إكراميَّةً فرفضها. عرفوا أنَّهُ لاجئٌ بلا مأوى، سمحوا لَهُ بالعيشِ في بيَّارتِهم على أن يديرَ بالَهُ عليها، لقاءَ معاشٍ، فوافق. عاش فيها في كوخٍ بناهُ من أوَّلِهِ إلى آخرِهِ بيديهِ، أصحابُ البيّارةِ سمحوا لهُ بأن يمدَّ إليهِ سلكَ كهرباءٍ من غرفةِ المخزن.

يطلعُ في احتفالاتِ الثوراتِ العربيَّةِ كُلِّها، وأعيادِ النصرِ، والتحريرِ، والجلاء وما شابهَ. يشاركُ في مُظاهراتِ النكبةِ والعودة. لا يهتفُ، لا ينظُرُ إلى أحدٍ، لا يتحدَّثُ مع أحد. ناسٌ يقولونَ إنَّهُ رجلٌ غَنِيٌّ فقدَ أموالَهُ وأسرتَهُ في الحرب. ناسٌ يقولونَ: رجلٌ عجوزٌ، يعيشُ في حالِهِ لا نعرفُهُ، أصابهُ الجنونُ عندما انهزمنا مرَّةً ثانيةً، لم يستطع أن يصدِّقَ أنَّ الأناشيدَ والأغاني الوطنيَّةَ التي ملأت الإذاعاتِ هي كلامٌ فارغ. عندما يمرُّ الأولادُ من جانبِ البيّارةِ بعد المغربِ يسمعونَ عزفَ شبّابةٍ آتياً من كوخِهِ.

حضرَ عرسَ الابنِ الأكبرِ لصاحبِ البيّارة. العريسُ أخذَ إليهِ بطاقةَ الدعوةِ المذهبَّةَ بنفْسِه، لهذا الرجلِ مَعَزَّةٌ خاصةٌ عندَهُ. كُلَّما ذهب إلى البيّارةِ مع خطيبتِهِ يرحَّبَ بهما بأدَبٍ، يقطفَ لهما من أجملِ ما في الموسمِ، يغسلهُ، يقدمه لهما في صحونٍ أنيقةٍ نظيفةٍ، يتركهما، متمنيّاً لهما زواجاً مباركاً: لا أصدَّق أن هذا الرجل مجرَّدُ ناطورِ بَيّارةٍ، تقولُ له خطيبتُهُ.

جلسَ في العرسِ لا يتكلَّم.  رفضَ العصيرَ والمُلَبَّسَ بأدبٍ شديد. طلبوا منه أنْ يعزفَ لهم على الشبّابةِ شيئاً، فاعتذرَ بلطفٍ وابتسامةٍ، قامَ العريسُ من صمدَتِهِ، سلَّمَ عليهِ، تَرَجَّاهُ أنْ يعزفَ شيئاً. طلبَ شبّابةً من فرقةِ العرسِ، عزفَ وغنّى بمهارةٍ وصوتٍ جميلٍ عن الغربةِ، والدار البعيدةِ وأهلِها، وقلَبَ الفرَحَ نكَدَاً. ثُمَّ عَزَفَ وغَنَّى عن الحبِ والأحبابِ وأسعدَ الحاضرين. شَدُّوهُ شَدَّاً إلى الدبكةِ مع فرقةِ العرسِ، دلعونا وظريفَ الطولِ، ففاجأ الجميعَ بمهارتِهِ. رقصوا شمالي، قصْدُهم أن يحرجوهُ، رقصَ معهم، أسرعَ منهم ربَّما. أرادَ أبو العريسِ أن يعطيهِ نقوداً، رفضَها بشدَّةٍ وأدبٍ شديد.

تحتاجُ الآنَ إلى مَطَّاطتين. إذهبوا إلى العجلاتيِّ في الميدان الكبير. تجدونَهُ يحاولُ أن يَفَكَّ شغلةً بين يديهِ ولا يستطيع. رجلٌ وجهُهُ ناشفٌ مثل حطبةٍ مرميَّةٍ منذ سنين. لسانُهُ مَبْرَدُ خَشَبٍ، دُكّانُهُ صغيرةٌ، ماكينةٌ لتخليصِ العجلاتِ من إطاراتِها، ماكينةٌ لِلَصْقِ المَطاطِ بالتسخين. عجلاتٌ جديدةٌ مصفوفةٌ على رفٍّ من الحديدِ، عجلاتٌ قديمةٌ على الأرضِ، حوضٌ كبيرٌ فيهِ ماءٌ متَّسِخٌ عند الباب.

حَيِّهِ بأدبٍ ولا تنتظرْ أن يَرُدَّ عليك. إسألهُ بصوتٍ فيهِ رجاءٌ إن كان يمكنُ أن يعطيكم جوَّانيّاً قديماً، لو سمح. أخبرْهُ بأنِّكم تريدون أن تعملوا شُدَّيدَةً لصيدِ العصافير: لصيدِ العصافيرِ، يقولُ بسخريةٍ، أم لتكسيرِ زجاجِ الشبابيكِ، خُذْ من تلك الكومةِ ما تريد يا أبا لسان. إبتسموا قبلَ أن تذهب إلى الكومةِ تختارُ منها، ربَّما تقنعهُ بأنَ دمَهُ خفيفٌ فينبسطُ منكم. تبدؤونَ باختيارَ جوّانيٍّ مناسب ولا تعرفُ كيف: متى سوفَ نرى عرضَ أكتافِكم، يسألكَ، لا تعرفُ أن تختارَ شَقْفَةَ مَطَّاطٍ، شاطرٌ فقط في الكلام. إصبرْ عليهِ، لا تفقد أعصابكَ، لا تردَّ بنرفزةٍ، لا تَسُبَّهُ وتسُبَّ أُمَّهُ، لا تَقُلْ لصاحبيكَ هيَّا نطلعُ من دُكّانِ هذا الخراءِ، تخرجونَ من دُكّانِهِ، تعودونَ إليها، ترشقونَهُ بحجارةٍ، فيترُكُ دكّانهُ ويجري وراءكم، يضحكَ الناسُ من منظرِكم، تصيرونَ نكتةَ المدينةِ لأسبوعٍ، أسبوعين.

إنَّهُ في الحقيقةِ رجلٌ طيِّبٌ وكريمٌ، وإن كان لسانُهُ صَرْمَةً قديمة، يعطي الأولادَ جوَّانيّاتٍ يعملونَ منها نقَّيْفاتٍ يرشقونَ بها البنادقَ عندما تطلقُ الرصاص عليهم وقتَ المُظاهراتِ، ينسى لهم على بابِ دُكّانِهِ بَرّاَنيّاتٍ يشعلونَ النارَ فيها في وجهِ البنادق. عاملٌ من عُمَّالهِ أخذَتْهُ البنادقُ من مظاهرةٍ أحدَ أيامِ الجمعةِ، بينما كان محمولا على الأكتافِ يهتفُ والمتظاهرون يردِّدونِ وراءَهُ، حبسَتْهُ. ظلَّ هذا العجلاتي المعقربُ اللسانِ يرسلُ مُرَتَّبَهُ شهرياً إلى أهلِ دارِهِ، لم ينقطع عن هذا. خرجَ العاملُ من السجن، طلبَ منه أن يخصمَ من أجرِهِ نسبةً كُلَّ شهرٍ، يُعَوِّضُ ما دفعَ لعائلتِهِ: ما دَفَعْتُهُ هديَّةٌ مِنِّي، رَدَّ عليه. شكرهُ العاملُ، دمعتْ عيناه: أتريدُ أن تعملَ لنا فلماً عربيّاً، قال لهُ، بَطِّلْ مياعةً واذهبْ إلى شُغْلِكَ.

تختارُ جوانياً، يأخذهُ منكَ ويلقي بهِ ثانيةً إلى كومةِ الجوانيات ويختارُ واحداٌ آخرَ: هل تعرف كيفَ تَقُصُّهُ يا فالح، يسألُكَ. إمسِكْ أعصابَكَ، لا تَرُدُّ عليه. يأخذهُ إلى طاولتِهِ، يقُصُّ منهُ قطعتينِ متساويتينِ في الطُولِ والعرض. يأخذُ الشعبةَ منكَ يربطُ كُلَّ مطّاطَةٍ من طرَفٍ إلى أحدِ طرفيِّ الشعبةِ بخيوطٍ يُخْرِجُها من درجِ طاولتِهِ، يعطيكَ إيّاها. ها، مبسوط، يسألكَ، إبنُ من أنتَ، تخبرُهُ باسم أبيكَ: لماذا لم تقل هذا من الأوَّلِ يا فصيح، يقول بصوتٍ عاتبٍ، سلِّمْ لي على عَمِّي الحاج.

تحتاجُ إلى قطعةِ الجلدِ التي تمسكُ بها الحجرَ الصغيرَ، تَشُدُّهُ، ترخيهِ، فينطلق. إذهبْ إلى الكندرجيَّ في حارتنا، رجلٌ محتَرَمٌ وصامتٌ يؤلِّفُ كتاباً عن أسواقِ المدينةِ وحِرَفِها وصناعاتِها. إبنُهُ يعملُ معهُ بعدَ المدرسةِ، شاطرٌ، من الأوائلِ، يساعدُ أباهُ في تأليفِ الكتابِ، ينسخُ لهُ صفحاتٍ كثيرةً من مكتبةِ المدرسةِ، يذهبُ إلى الكبارِ في العمرِ من رجالِ المدينةِ يسألهم عن أسماءَ وتواريخِ حوادث.

الدُّكّانُ فيها قوالبُ أحذيةٍ خشبٌ على يمينِ طاولةٍ كبيرةٍ، وأحذيةٌ مُصَلَّحةٌ تلمعُ على شمالها. لَفّاتُ جلدٍ على رفَّيْنِ وراءَ الطاولةِ، سوداءُ وبُنِّيةٌ، وأحذيةٌ جديدةٌ يُفَصِّلُها بالطَّلَب. على رَفٍّ إلى يمينِ البابِ شباشبُ رجاليةٌ ونسائيَّةٌ سوداءُ شُغْلُ يديهِ مصنوعةٌ من برَّانيّاتِ عجلاتٍ قديمة، يبيعهُا بأسعارٍ رخيصةٍ للفقراء. عندما يأتي ليشتري منهُ أحدٌ فقيرٌ جداً، يعطيهِ من غير أن يأخذَ منه.

قُلْ مرحباً يرُدُّ عليكَ باسمكَ العائليّ. إبنُهُ لن يكونَ هُناك. أُطْلُبْ منهُ بأدبٍ ورجاءٍ أن يعطيكَ، إنْ سمحَ، جلدةً صغيرةً تنفعُ لِشُدَّيْدَة. يبحثُ بين قِطَعِ الجِلْدِ أمامَهُ، يختارُ قطعةً بلونٍ بُنِّيٍّ غامِقٍ، يقُصُّها بشكلٍ بيضاويٍّ، لا صغيرةً فلا تحملُ الحَجَرَ ولا كبيرةً تعوِّقُ رَمْيَهُ. يخرمُها من جانبيها بآلةٍ لها رأسٌ مُدَوَّرةٌ حولَها خَرَّاماتٌ بمقاييسَ مختلفةٍ، الصغيرُ فالأكبر. يأخذُ الشعبةَ من يدِكَ: المطَّاطُ مقصوص بِحَرْفَنَة، يقولُ، من قصَّهُ لكَ؟ تخبرُهُ: طبعاً إنَّهُ معلمٌ كبير. يبدأُ في ربطِ طرفي المطاطتينِ إلى قطعةِ الجِلدِ من الجانبين: ما نوعُ الشجرِ المقصوصةُ منه الشعبة؟ لا أعرف، تُجاوبُهُ، الولدانِ صاحباكَ صامتانِ، ينظرُ إليكم: من لا يعرف ما يرى، يقول، تكونُ عينُهُ جاهلة. ينتهي من ربطِ طرفيِّ المطّاطتينِ إلى قطعةِ الجِلْدِ، كُلَّ طرفٍ بخُرْمٍ، بخيوطِ مَصّيصٍ من عندِهِ، يعطيكَ النُقَّيْفةَ، اسألهُ بأدبٍ: بكَمْ تأمُر؟ بَطِّلْ فلسفةً، يقولُ لكَ، سَلِّمْ لي على أبيك.

هكذا تكونُ قد صنعتَ نُقَّيْفة. ارجعْ بها أنتَ وصاحباكَ إلى الشجرِ حيث قصَّ لكم الناطورُ الشعبة. إجمعوا في الطريقِ حجارةً صغيرةً وصلبةً، نَشِّنْ واضرب. سوف تسمعُ صوتَ الحجارةِ تخترقُ أوراقَ الشجرِ، لا تصيبُ شيئاً. أعطِ صاحبيكَ يُجَرِّبانِ، صوتُ الحجارةِ يخترقُ أوراقَ الشجرِ، لا يصيبانِ شيئاً.

يأتي الناطورُ: لا، ليس هكذا، يقول. يأخذُ النُقَّيْفةَ، ينقِّي حجراً من الأرضِ، يضعهُ في الجِلدة: إمسِكْ الشعبةَ بيدكِ اليُسرى، يقولُ، شُدَّ الجلدةَ بالحَجَرِ بيدكَ اليُمْنى على خطِّ امتدادِ ذِراعِكَ اليُسرى إلى عينِكَ اليمنى. نَشِّنْ، بحيثُ توازي عينُكَ اليمنى منتصفَ الشُعْبةِ، على النصفِ التحتانِيِّ من الهدف. خُذْ نَفَساً عميقاً، خَلِّ يديكَ ثابتتين، نَشِّنْ مَرَّةً ثانيةً واضربْ، مثل البارودة.


26

البناتُ عوَّقْنَ الجنودَ عنّا بحجارةٍ
وانضممنَ إلى هروبِنا.
شعورُهنَّ منكوشةٌ
خدودُهنَّ حمراءُ بلونِ الانفعالِ
يخطفنَ القلوبَ وخائفات.

نجري، تجري وراءنا البنادقُ
جريحُنا معنا، ننظرُ إلى دمِهِ خائفينَ
لم نكن نعرفُ أن هذا لا شيءَ
أنَّ الدمَ لا يزالُ في أوَّلِهِ لم يزَل في بدايتِهِ
سيقتلونَ الأطفالَ والأولادَ والنساءَ والرجالِ
الدمُ سوف يملأُ السنين.
الحارةُ، المدينةُ كلُها
المنازلُ والأسواقُ والمدارسُ
الشوارعُ والساحاتُ والحقولُ والشاطئُ
كُلُّها سوف تمتلي بالدم.

تَفَرَّقنا، أبوابٌ أماميةٌ تنفتِحُ لنا وتنغلقُ
أبوابٌ خلفيَّةُ، شبابيكُ
تنفتِحُ نخرجُ منها وتنغلق.
ولَدُ القميصِ يجري بصدرِهِ العاري.
إمرأةٌ في دارٍ ألقتْ عليهِ قميصاً أزرقَ
مُقَلَّماً بخطوطٍ بيضاءَ، دَعَتْ لهُ بالنصر.
إختارَ لنفْسِهِ فتحةً في سُورٍ وانفصلَ عنّا.
راحَ، شَهْرَينِ من هذا، مع أمِّهِ وأبيهِ
يطلبُ بنتَ رسائلِهِ.
ما لها مهرٌ أغلى من قميصهِ، قالَ أبوها
واحْمَرَّ وجهُها، عَلَتْ زغاريد.


27

أزِقَّةٌ تقودنا فيها عاداتُنا
الاثنانِ حينَ تكونُ أسرارٌ، ثالثُنا جريح.
مستشفى الشفاءِ من ظَهْرِهِ
سيّارات إسعافٍ في صفٍّ واحدٍ
أبوابٌ كثيرةٌ ونوافذُ مفتوحةٌ ومغلقة.
لا ندري إلى أين نروح.
إنفتَحَ بابٌ بمصراعٍ واحدٍ:
من هُنا، من هُنا، قالت ممرِّضةٌ تتلفَّتُ.

نزلنا دَرَجاً إلى مَمَرٍّ إلى عنبرٍ واسع:
أجهزةٌ وصناديقُ
أَسِرَّةٌ غيرُ مفروشةٍ ومقاعد.
نَيَّمْناهُ على سريرٍ أشارتْ إليهِ
أغلقَتْ البابَ علينا
أشارتْ إلى بابٍ بدرفةٍ واحدةٍ:
إذا حصل شيءٌ أهربوا من هُنا
خذوهُ معكم ودبِّروا حالَكم.
طَوَّلَتْ وهيَ تَفْحَصُهُ
الخوفُ أصبحَ سيِّدَ الغرفة:
الرصاصة خرجت من الجهةِ الثانية، قالت
لا تَهَتُّكٌ كبيرٌ، سوف يشفى.
فرحنا، وحاولَ أن يبتسم.

نَظَّفَتْ جُرْحَهُ دهنتهُ بسائلٍ وغطَّتْهُ بِشاش.
أعطتنا قطناً وشاشاً ودهوناً ودواءينِ
شرَحَتْ لنا ما نفعل.
ساعدناهُ على الوقوفِ
نظرنا إليها
في عمرِ عَمّاتِنا أو خالاتِنا الصغيرات.
أجملُ من رأينا في الحارةِ، في المدينةِ كُلِّها.
خصرُها رفيعٌ
يمكنُ تطويقُهُ بذراعِ ولدٍ في عمرِنا:
خذوهُ واذهبوا بسرعة، قالت
قد يجيئونَ يفتِّشون المستشفى.

شكرناها سلَّمَتْ علينا
يدُها صغيرةٌ وناعمةٌ
ما أجملَ عينيها، أميرةٌ في منام.
لاعبَتْ شعرَهُ، قبَّلَتْهُ من خدِّهِ
نَوَّرَ وجهُهُ، وابتسمْنا.


28

نخطفُ أرجُلَنا في الشوارعِ
نتسلَّلُ بين أصواتِ عرباتِ البنادق.
الأولادُ في مخيَّم الشاطئِ
دبَّروا لنا غرفةً خلفيَّةً
آذانُ العشاء.

كُلَّما تحدَّثْنا عنها نَوَّرَ وجهُهُ
قلنا لهُ إنَّها من عمْرِ جدَّتِهِ
ولا بُدَّ أنَّها مخطوبةٌ
وإنَّها طيِّبةٌ
لا تعرفُ أنَّهُ خبيثٌ، ليس صغيراً.
نضحكُ، يحاولُ أن يضحك.
أُسبوعان، لم يتحسَّن، ذهبنا إليها.

جاءتْ في موعدِها
غيَّرَتْ لَهُ، أعطتنا دواءً
حَبَّةٌ كُلَّ يومٍ، في الوقتِ نفْسِهِ
إلى أن تنتهي الحبوب.
أجملُ مِمّا رأيناها من قبل.
إنحنَتْ على سريرهِ، ما أرشقَها
قَبَّلَتْهُ من خَدِّهِ وذهبَتْ.
لا تزالُ تظنُّ أنَّهُ ولدٌ صغير.

نُغَيِّرُ لهُ كُلَّ يومٍ كما علَّمَتْنا
نقولُ عليكَ أن تكتفي ببوستينِ وتشفى.
الجريءُ المتهَوِّرُ
صاحبُ الضحكةِ الأعلى بيننا
يبتسمُ في شحوب ــ
عيونُنا لم تعد صريحةً
قلوبُنا غيرُ مرئيَّة.
صارت لنا حجرةٌ خلفيَّةٌ
نسكتُ فيها عن جريح.


29

الأولادُ الأكبرُ مِنَّا، الرجالُ الصغارُ
يقولونَ كلاماً عن الأرضِ والبذورِ والحصادِ، فنفهم.
كلامُنا، لكنَّهم يقولونَهُ أحسنَ مِنَّا.
في أصواتِهم أجنحةٌ، نأخذُها إلى أبعدِ ما يقصدون.
يُحَدِّثوننا على الشاطئِ
في الأسواقِ، في المُظاهرات.

عرباتُ البنادقِ، منتصَفَ الليلِ
تجيءُ تأخذُ من تكبرُ الأجنحةُ في كلامِه.
ليس فجأةً، يكونُ في انتظارِهم
ملابسُ الليلِ ملابسُ النهار.
نراهم يأخذونَهُ، إن كان جارَنا
من وراءِ النوافذِ المُغْلَقة.
تخرجُ أُمُّهُ معهُ، أبوهُ، العائلةُ كُلُّها
البنادقُ تدفعُهم
يعرفُ أنَّنا ننظرُ، يرفعُ رأسَهُ
يريدُ أن يقولَ لا تخافوا.

نخرجُ في الصباحِ إليهم بلافتاتٍ ترفعُ اسمَهُ
بنقَّيفاتٍ وأعلامٍ وهتافاتٍ
نُشْعِلُ الإطارات، نعملُ متاريس.


30

الذينَ نحبُّهم دونَ أن نرى وجوهَهم
يصنعونَ صوتَاً للضوءِ في ليلِ المدينة.
يَظْهَرونَ بعدَ المغربِ أحياناً
يسلِّمونَ علينا، أصواتُهم مألوفَةٌ
ننظرُ في عيونِهم بقوَّةٍ، ربَّما نعرفُهم.

يخافُ أهلُنا علينا من غوايتِهم
يمكنُ أن نغيِّرَ أسماءَنا
يحبُنا الناسُ دونَ أن يروا وجوهَنا
تمشي كنياتٌ لنا في الشوارعِ
تدخلُ البيوت.

تتفَتَّحُ كِنْياتُنا عنا
تستردُّنا أسماؤنا وننكشف.
ننزلُ تحتَ الأرضِ
نختفي بين الحواكيرِ
نصيرُ من حكاياتِ المدينة.
قد نقطعُ مشياً إلى الضفةِ، نعبرُ النهر.


31

ولدٌ من الخمسةِ، ربَّما نمضي إلى البحرِ
قتلَتْهُ البنادق.
ما مَرَّ شهرٌ على ذهابِهِ إلى دارِ بنتِ رسائلِهِ
مع أُمِّهِ وأبيهِ، يطلبُها.
لم يمشِ معها إلّا مَرَّةً، من دارِها إلى الشاطئِ.
وقفا أمامَ البحرِ وعادا، والشبابيكُ عيون.
مررنا بهما ليسَ صدفةً
يدُها في يدِهِ، شعرُهُ مُمَشَّطٌ لأوَّلِ مَرَّةٍ
تنزلُ من شَعْرِها غُرَّةٌ
جميلةٌ كحلمٍ جميل.
كانا مُكهربَيْنِ تقريباً، ونحنُ أيضاً تكهربنا.
يتكهربُ الجميعُ في هذهِ المدينةِ
حين يكونُ الأمرُ الغرام.

الحارةُ مَشَتْ وراءَهُ، وحاراتٌ قريبةٌ وبعيدةٌ
أُمُّهُ ونساءٌ وبناتٌ بكينَ مع خطيبتِهِ:
لكانَ ارتبَكَ لو رآها، حينما اقتربَتْ
ولأغضى حتَّى يمكنُ أَسْرُهُ
حينَ وضعَتْ حجراً في حجمِ راحتِهِ
على حافَّةِ صمتِهِ المُتْرِبة.

بقيَتْ إلى العشيَّةِ وحدَها معهُ
نحرسُها من بعيد.
لكان شفَّ الشوارعَ، في نظرةِ الصقرِ
أخذها من يدِها في تلَّفُتِ عصفورِ شمسٍ
إلى دارِ أهلِها، إلى غرفةِ نومِها إن تمكَّنَ
ولكان أغضى إن رأى مخدَّتَها.


32

العمرُ يجري، ونراهُ يسبقُنا فنكبرُ
المأخوذونَ مِنّا لا يغيبونَ عن بالِنا
أخبارٌ قليلةٌ
إنَّهم يكملونَ أحلامَهم في يقظةٍ قاسية.
يسألونَ عنّا
يُهَرِّبونَ إلينا أسماءَ من ينسئِلُ عنهم
فينزلونَ تحتَ الأرضِ
تصيرُ لهم حكاياتٌ في المدينةِ
يتسلَّلونَ ربّما إلى الضَفَّةِ
يعبرونَ النهر.

نرى البناتِ ليس صدفةً
العمرُ يسبقُنا
نراهُ على وجوههنَّ فنكبر.
نتناقلُ حِبْراً، ورقاً، مناشيرَ
أعلاماً وشعارات.
عيونُنا تتسارقُ الكلام:
بناتُ رسائلِنا، حبيباتُنا، خطيباتُنا
زوجاتُنا، أمَّهاتُ أولادِنا، أراملُنا.


33

أُهربْ منهم، إذا انكشَفْتَ، إلى البلدةِ القديمةِ واختبئ. تتكاتفُ الجدرانُ هناكَ، دارٌ، دُكّانٌ، مسجدٌ، سوقٌ مُغَطّاةٌ، كنيسةٌ، سوقٌ مكشوفةٌ، مدرسةٌ، تتشابهُ الشوارعُ: يظُنُّ من ليس لهُ عاداتٌ فيها أنَّهُ يعودُ إلى مكانِهِ كُلَّ مَرَّةٍ، متاهةٌ للشمسِ، والظِلِّ، والقمرِ، والرياحِ، والأعداء.

الهربُ منهم في النهارِ أسرَعُ، لكنْ أخطارُهُ كثيرة. إن تفاجأتَ بهم يمرُّونَ أمَامَكَ، ينظرونَ بقُوَّةٍ إليكَ، يكادونَ أن يتوقَّفوا يسألونكَ، كُنْ قويَّ الأعصابِ، ثابتَ الأفكار والمشاعر. أطلَقوا الرصاصَ مرَّةً على ولدٍ يمشي في الشارعِ، جرى حين اقتربوا منه. الناسُ حلفوا أنَّهُ لم يفعلَ، ولا يستطيعُ، أيَّ شيءٍ ضدَّهم. مسالمٌ وفي حالِهِ، كُلُّ ما في الأمرِ أنَّهُ خافَ منه، دونَ ما يوجبُ، ارتبَكَ، فجَرَى.

لا تمشِ شادّاً حالكَ، لا تنظُرْ يميناً وشمالاً كأنَّكَ عاملٌ عَمْلَةً أو هاربٌ من أحدٍ، لا تحملْ كيساً أو لفَّةً أو ما شابهَ، لا تضَعْ يديكَ في جيوبك. إمْشِ هادئاً، لا بطيئاً ولا مُسْرِعاً، في زحمةِ الناسِ والعرباتِ والبائعينَ الجوّالينَ، وحاملي السلالِ الكبيرةِ على ظهورِهم، يوصلونَ الحاجاتِ الى البيوت.

للبنادقِ حاجزٌ عندَ سورِ البلديَّةِ، لا ترتبك. أُطْلُبْ من امرأةٍ سوف تجدُها بين الناسِ إلى جوارِها بنتٌ من عمرِكَ تقريباً، أن تُكَلِّمَكَ في أيِّ شيءٍ إلى أن تقطعوا الحاجز. حَيِّها قبلَ هذا، قُلْ مرحباً يا خالتي. المرأةُ سوف تفهمُ، تُحَدِّثُكَ بلا انقطاعٍ، تسألُكَ عن اسمكَ، مِنْ دارِ مَنْ، ابنُ من فيهم، تسألُ عن اسم أُمِّكَ، مِنْ دارِ مَنْ، تدعو أن يحميكَ اللهُ لأهلِكَ، تدعو لجميعِ الأولادِ بالنصر.

لا تنظرْ إلّا إليها وأنتَ تعبرُ الحاجز. هُزَّ رأسكَ في هدوءٍ موافقاً على كلامِها، أُشكرْها بعدَ أن تجتازَهم، وانعطفْ إلى سوقِ الزاوية. لكنْ، التَفِتْ إلى البنتِ التي إلى جوارِها، سوفَ ترى جمالاً ما رأيتَهُ في حارتِكم أو أيَّةِ حارةٍ في المدينةِ، ينظرُ إليكَ في حنانٍ وخوفٍ وحبٍ وكبرياءٍ وفرحٍ وقلقٍ من عينينِ لن تنساهُما. لو رأتْها أُمُّكَ لذهَبْتْ بكَ من فورِها إلى دارِ أهلِها، تكتبُ كتابكَ عليها.

لا تلجأْ إلى صاحبٍ أو قريبٍ، أولادٌ فعلوا هذا فانمسَكوا بعدَ أيّامِ من التحرِّي والبحثِ عنهم. يلزمُ شخصٌ بعيدٌ مؤتمن. لم لا تذهب إلى الولدِ رئيسِ فريقِ الكرةِ في الحارةِ القديمة. بينكم وبينهم انتصاراتٌ وهزائمُ وخلافاتٌ وحَرَدٌ وإلغاءُ مباريات. أنَّهُ ولدٌ مُخْتَلِفٌ، لم يدفعْ بكتفِهِ أو يُعَنْقِلْ أحداً منكم طيلةَ لعبِهِ ضدَّكم. لا يرمي نفسَهُ على الأرضِ يتلوَّى، يدَّعي أنَّهُ يستأهلُ ضربةَ جزاء. نزيهٌ في أمورِ التسَلُّل. بينكَ وبينَهُ حينَ تلتقيانِ صُدْفةً كلامٌ عن جنودِهم وما يفعلونَ بالناسِ والمنازِل.

إذهبْ إليهِ بعدَ الظُّهرِ في دكّانِ أبيهِ، بعدَ دكاكينِ الخُضْرَةِ والفواكهِ، بعدَ الجامعِ الكبيرِ إلى سوقِ القماشِ، ثالثِ دكّانٍ إلى يمينِك. ترى خصمَكَ في الكُرَةِ جالساً وراءَ طاولةٍ ودفاترَ كبيرةٍ، يحاسبُ الزبائن. سوف تقفُ جانبَ البابِ الواسعِ المليءِ بالخارجينَ والداخلينَ، تفكِّرُ في تغييرِ رأيكُ. الدكّانُ كبيرةٌ، أعمدةٌ وعقودٌ، جدرانُها حجارةٌ بُنِّيةٌ غامقةٌ ورماديَّةٌ، بعضُها يلمعُ، يدخلها النورُ من طاقاتٍ عاليةٍ مُدَوَّرة. نساءٌ ورجالٌ وأولادٌ يدورونَ بين بضاعتِها. أقمشةٌ ولوازمُ خياطة. أبوهُ يُسَلِّمُ على الناسِ بِهَزَّةٍ من رأسِهِ، يُكَلِّمُ العمّالَ، ينحني على ابنِهِ، يقولُ شيئاً، ابنُهُ يهُزُّ رأسَهُ، عيناهُ على الدفاتر.

يرفعُ رأسَهُ، يراكَ، كنتَ توشكُ أن تذهب. يُكَلِّمُ أباهُ، أبوهُ يأخذُ مكانَهُ، يسرعُ إليكَ: أهلاً وسهلاً، يقولُ ويصمت. يسألُكَ إن كان كُلُّ شيءٍ تمام. أطلبْ منهُ أن يُدَبِّرَ لكَ ملجأً ليومينِ ثلاثةً في الحارةِ عندهم، إلى أن تروقَ الأمور. لسنتينِ ثلاثاً، يقولُ، يحمَرُّ وجهُهُ، للعمرِ كُلِّهِ إن أردْت. يعودُ إلى أبيهِ، يقفانِ على جنبٍ في كلامٍ وحركاتِ أيدٍ وهزّاتِ رأسٍ، موافَقَةٌ ورفضٌ وموافَقَةٌ، يعودُ إليكَ، تغادرانِ معاً. إسألهُ إن كنتَ قد عملْتَ لهم مشكلةً: لا، أبداً، يقولُ، اعتقدتُ أن دارَ عَمِّي الفارغةَ أفضلُ، أصرَّ أبي على دارِنا؛ لا، لا أبداً، لا مشكلةَ، أنتَ لا تعرفُ أبي.

دارُهم من الخارجِ حَجَرٌ بُنِّيُّ فاتحٌ وغامقٌ، بضرباتٍ رماديَّةٍ وسمراء، من لونِ حجرِ الكنيسةِ التي تجاورُها. من أقدمِ كنائس العالم، قالَ عنها أستاذُ التاريخ. يقولونَ إنَّهُ شيوعيٌّ، مع أنني أراهُ عاديّاً مثلَ كُلِّ الناس. شاعرٌ، كان يلقي في المناسبات، قبل هزيمتنا الثانيةِ، قصائدَ عن المدينةِ، والنكبةِ، والتحريرِ، والعودةِ، وكاملِ الترابِ، والثوراتِ العربية كلها، وينشرها في جريدةِ المدينة. نشتري العددَ، نحنُ تلاميذُهُ، نجعلهُ يراهُ، فينبسط.

أخذتْهُ البنادقُ في عِزِّ الليل. رآهُ الجيرانُ من خلفِ الشبابيكِ المعتمةِ يمشي بينهم هادئاً كأنَّهُ خارجٌ يشُمُّ الهواء: خذوني معهُ، صاحتْ أُمُّهُ وأمسكَتْ بِهِ، طَوَّقَتْهُ، وجهُها على صدرِه. خذونا كُلَّنا معه، أبوهُ صاحَ، إخوتُهُ وأخواتُهُ التَفُّوا حولهُ، أختُهُ الصغيرةُ عانقتَ ساقيه. جيرانٌ قالوا إنَّهم بكوا من أجلِها خلفِ الشبابيك.

نحبُّ هذهِ الكنيسةَ، نحنُ الثلاثةُ حين تكونُ أسرارٌ، الخمسةُ ربَّما، نمضي إلى البحرِ، السبعةُ التسعةُ، أكثرُ، حين يكبرُ أمرٌ علينا. إذا البنادقُ طَوَّقَتْ حارةً أو هاجمَتْ مظاهرةً واشتبكَ الأولادُ معها نسمعُ أجراسَها تستنجدُ بالأرضِ والسماء. كبرنا وكبرَ الحُبُّ بيننا وبين هذِهِ الكنيسة. تأتي إليها البناتُ كُلَّ أحدٍ مع عائلاتِهِن. جميلاتٌ، شعورُهُنَّ مُمَشَّطةٌ ملابسُهُنَّ مكويَّةٌ وألوانُها مُفْرِحة. نذهبُ إليها مع أصحابِنا حين يذهبونَ مع عائلاتِهم. يرانا المطرانُ معاً فيفرحُ، يسلِّمُ علينا، يتكلَّمُ معنا

 رآنا الشيخُ إمامُ المدينةِ، صدفةً، واقفين مع المطرانِ يومَ أحَدٍ أمامَ بابِ الكنيسة نتحدَّث: أَبْ عَيَّاد، صاح بِهِ، هؤلاءِ الملاعين لا يجيئونَ من أجلِ ربِّكم، بل من أجلِ مؤخِّراتِ بناتِكم: وما لكَ أنتَ، ردَّ المطرانُ، خرافُ الراعي يأتونَ إلى خروفاتِهِ في بيتِهِ، ما الذي حشَّرَكَ أنت. سكَتَ، جاءتْهُ جُمْلَةٌ: أتريدُ أن تقولَ أنَّهُ ليس لبناتِكم مؤخِّرات. ضحكَ الشيخُ والمطرانُ معاً، تصافحا كما يفعلانِ دائماً. ضحكنا واحمَرِّتْ وجوهُنا. ضحكَ العابرونَ الذين توقَّفوا ليشاهدوا، ضحكت المدينةُ كُلُّها لأسبوعٍ، أسبوعين.

دارُ صاحبكَ الجديد: بابُها خشَبٌ قديمٌ مُطَعَّمٌ بزهورِ لوتسٍ من حديد. كبيرٌ لا ينفتحُ إلّا بدفعٍ قويّ. الفناءُ مكشوفٌ وواسعٌ ببلاطٍ رخاميٍّ أبيضَ بتوشيحاتٍ رماديَّةٍ، امرأةٌ جالسةٌ تطوي ملابسَ، لابُدَّ أنَّها أُمُّه. أُمِّي، يناديها، معي صاحبي. أهلاً وسهلاً، تردُّ عليهِ، تلْتَفِتُ إلينا. وجهها جميلٌ بشوشٌ، عيناها واسعتانِ متسائلتان. يدعوكَ إلى الجلوسِ، تجلسُ في خجل. صاحبُكَ ولم نرَهُ إلّا اليوم، تسألُ، هل بدأتَ تُخَبِّي عنا أصحابَك، يا أُمِّي، يجاوبُها، إنَّهُ من أعزِّ أصحابي صدِّقيني، اطمئِنِّي، لا توجد مشاكلْ، نريدُ أن نشربَ شاياً من أجملِ يدينِ في الدنيا. تلتفتُ إليكَ: يظلُّ يغازلني، تقولُ، مثلَ أبيه. تدخلُ هذِهِ المرأةُ قلبَكَ، وتذهب.

على حافةِ نافورةِ الماءِ سلَّةُ فاكهةٍ تفتحُ النفْس. قربَ المزيرةِ جرارُ فخّارٍ سمراءُ وحمراءُ وبيضاءُ صافيةٌ، تتوسَّطُ جراراً ملوَّنةً ومرسومة. الفناء مستطيلٌ تدورُ الأبوابُ حولهُ، خشبيَّةٌ مُطَعَمةٌ بزهورِ لوتسٍ أصغرُ من زهورِ بابِ الدار.  الإيوانُ إلى أقصى اليمين قبل الأبوابِ، كراسيُّهُ بُنِّيةٌ مُنَجَّدةٌ بأحمرَ وأبيضَ وكُحليٍّ في خطوطٍ، مساندُها حمراءُ، في خطوطٍ، وزرقاء.

تجيءُ ربَّةُ المكان بالشاي: أهلاً وسهلاً، تقولُ ثانيةً، تشكرها، وتعودانِ وحدكما، وتعودُ تنظرُ في أنحاءِ الدار. من أقدمِ الدُورِ في المدينةِ، يقولُ لكَ، أُنظرْ إلى العُقودِ والأعمدةِ، إلى نقوشِ فتحةِ المَزْيَرةِ والحيطانِ والشبابيك. يأتي مُهَندِسونَ من البلديَّةِ، طلّابٌ مع أساتذتِهم، خبراءٌ من الخارجِ، من وقتٍ إلى وقتٍ، يعاينونَ الدارَ ويدرسونها. عرضوا على أبي فيها أسعاراً خياليَّةً، يرفضُ أن يبيعَها.

يأخذُكَ إلى فوق: درجاتٌ قليلةٌ تنتهي بعتبةٍ واسعةٍ، دَرَجٌ طويلٌ يؤدِّي بكما إلى الطابقِ الأوَّل. ثلاثُ حجراتٍ في وجهِ بيتِ الدرج. حجرتانِ على كُلِّ جانبٍ تبدوانِ أوسع. تقيمُ في حجرةٍ منها شُبّاكُها على المدينةِ.

يأتيكَ صاحبُكَ بالأخبارِ يوماً وراءَ يومٍ، الأمورُ لا تروقُ، تَمُرُّ الأسابيعُ أَحَداً أَحَداً عليكَ محبوساً في رعايةٍ من السماء.

تذهبُ العائلةُ كُلُّها إلى الكنيسةِ، تبقى وحدَكَ في الدارِ، تنظرُ من شُبّاكِ الغرفةِ، تَحِنُّ إلى شوارعِ المدينةِ، ساحاتِها أزقَّتِها، إلى رفقةِ الاثنين والخمسةِ والتسعةِ حين يكونَ أمرٌ، إلى أولادِ وبناتِ المدينةِ كلِّهم. ما زالوا يطوِّقونَ الحاراتِ، يأخذونَ من يريدونَ، يداهمونِ البيوتَ نصفَ الليلِ، يأخذونَ أولاداً ورجال. أصحابُكَ لا يلتقونَ، يمكنُ أن يكونوا مُراقَبِين. البنادقُ طلبَتْ أولاداً سألتْهمُ عنْكَ، قالوا إنَّهُم لا يعرفونَ عنكَ أيَّ شيءٍ، وهذهِ حقيقةٌ.

يا إبني، يقولُ لكَ أبوهُ كُلَّما تحدَّثَ إليكَ، أُمُّهُ تُصَغِّرُ اسمَكَ حين تناديكَ: ماذا تحبُّ أن تأكلَ اليوم، تسألكَ. أيَّ شيءٍ، تُجيبُها، أيُّ شيءٍ من يديكِ يُشَهِّي. تعلَّمْتَ الغزلَ من صاحبِكَ وأبيهِ، آ، تَرُدُّ عليكَ، الواقعونَ في غرامي يزدادون. إمرأةٌ معمولةٌ من البهاءِ، مع كثيرٍ من النُبْلِ والطيبةِ، ورَشَّةٍ من المكر.

أبي تطوَّعَ في جيشِ القسّامِ وهو صغيرٌ، يقولُ صاحبكَ بصوتٍ خفيضٍ يُسامِرُكَ، كان ينقل رسائل الشيخِ من الريفِ إلى المدينةِ، لا يشكُّ فيهِ أحدٌ. يصمتُ، ينظرُ إليكَ في عينيك: أأقولُ لكَ سِراً تحلفُ ما تقولُهُ لأحد؟ أتعرفُ الرجلَ العجوزَ ناطورَ بيّارةِ الغلاييني؟ تهزُّ رأسكَ بالإيجاب. كان قائدَاً معروفاً أيّامها في جيشِ القسام. ظلَّ يقاتلُ بعد هزيمةِ القسّاميينَ حتَّى لم تعد لديهِ ذخيرة. استطاعَ أن ينسحبَ، وجدَ مَخْبَئاً واختفى. أبي، وكان من عناصرِه رآهُ صدفةً هُنا في المدينةِ، أرادَ أن يساعدَهُ فلم يقبل. ترجّاهُ أن يساعدَهُ فاشتدَّ رفضُهُ: أنتَ في حالِكَ وأنا في حالي، لا تعرفني ولا أعرفُكَ، استرني سترَكَ الله، إذا احتجتكَ سوفَ أجيءُ أنا إليكَ، خُذْ بالَكَ من نفْسِكَ، لا فائدةَ من أيّامِنا هذِهِ ومن الأيامِ التي تليها، كان في الأمرِ بيعٌ وشراءٌ، يلزم جيلاً كاملاً أو جيلانِ حَتَّى تنصلحَ الأحوال. أبي أخبرني بما قالَهُ بالحرف، ووصَّاني بِهِ.

يصمتُ صاحبُكَ، وتصمتُ، تدخلُ أُمُّه: لماذا سكَتَ إبني هكذا فجأةً، تقولُ، أعرفُ أنَّهُ كان يمدحُ أباه، يحبُّهُ أكثرَ مِمّا يحبُّني، تضحكانِ، تضعُ أمامَكُما شاياً وكعكاً بِتَمْرٍ وتخرج. كانت قبلَ احتلالِهم للمدينةِ، يعود إليك يحكي، تجمعُ نسوانَ الحارةِ والحاراتِ القريبةِ في أعيادِ الثورةِ والنصرِ والتحريرِ والجلاءِ، وذكرى النكبة. يمشينَ في مُظاهرةٍ تقطعُ المدينةَ إلى تمثالِ الجُنديِّ المجهول. تنضَمُّ إليهنَّ نساءٌ على طولِ الطريق، لا تزالُ تفعلُ هذا في كُلِّ مناسبة.

أبي كان مَرَّةً واقفاً على بابِ المَحَلِّ مع شَغِّيلتهِ يصَفِّقونَ لمظاهرةٍ مع الناسِ، رآها تحملُ علماً كبيراً في الصفوفِ الأولى. إبتسمَتْ لهُ وابتسمَ لها، قبَّلَ يدَهُ وكادَ أن يرمي بالقبلَةِ إليها في الهواء. لقد حَرَّكَ يدَهُ فعلاَ، أنا رأيتُهُ بنفْسي، لكنَّهُ انتَبَهَ، تلفَّتَ حولَهُ، ووضعَ يدَهُ في جيبِهِ. أَظُنُّ أنَّهُ يحبُّ أُمِّي سِرَّاً، وهي تبادلُهُ الحُبَّ، تضحكان.

طوَّقوا دارَ أهلِك في الليلِ، ربَّما جاءتهم وشايةٌ أنَّكَ في الدار. كسروا البابَ دونَ أن يدُقُّوه. دخلوا على أُمِّكَ وأبيكَ وأختِكَ بينما يحاولونَ أن يغيِّروا بسرعةٍ ملابسَ النوم. سألوا أباكَ عن مكانكَ، قال إنَّهُ لا يعرفُ أين أنت. سحبوا الأدراجَ، كسّروا الخزاناتِ، قلبوا المطبخَ، الدارَ كلها.

أتنزلُ تحتَ الأرضِ، أتأخذُ البحرَ، أتقطعُ إلى الضفةِ، تعبرُ النهر؟ تدمعُ عينا صديقِكَ، وعيناكَ، حين تودِّعُهُ، لا تريدُ أن تضعَهم في خطرِ انكشافِكَ عندهم. أبوهُ يُقَبِّلُكَ ثلاثَ مَرَّاتٍ ويقاومُ دموعَهُ، أمُّهُ تحضنُكَ وهي تبكي، ولا تريدُ أن تترك. قبِّلْ يدَها، ضعها على جبينِكِ، واذهبْ مع الفجرِ، من غيرِ حقيبة.


34

لكنْ أُنْظُرْ من الشُبّاكِ
لحظةً، قبلَ أن تغادر:
البيوتُ التي تتساندُ
أبوابُها، تنفتِحُ على يابِسَةٍ تنشفُ أكثر
مكشوفةٌ لسماءٍ مكشوفة.
نوافذُها، ما انفتَحَتْ على نجدةٍ مَرَّةً.
دَمُ أهلِها سوف يملأُها:
المدارسُ والأسواقُ
الشوارعُ والساحاتُ والحقولُ
الشاطئُ والمراكبُ، سوف تمتلي بالدم.

هذِهِ البيوتُ لن تُغادِرك.
لن تغفو، أينما، في الدنيا
إلّا في هذِهِ الدارِ التي تترُكُها.
المرأةُ التي حجبَتْكَ عنهم
صوتُها سوف يبقى تعويذةَ عمْرِكَ
على كُلِّ الحواجز.
البنتُ التي لم تكتب عليها كتابكَ
أنتَ لن تحبَّ أن ترى نفْسَكَ
إلّا كما رأتكَ عيناها
كأنَّكَ كنتَ تحلم.