وليد خازندار ما تخلّى أحدٌ عنا
لم يكن هناك، في الأصل، أحد
بيوت النور الممكن
وليد خازندار
2017
I
ما لا يزال ينسرق
1
يقطعُ طائرٌ أسودُ
السماءَ بين العمارات.
ينزلُ، آخِذاً شمالَه
في سرعةِ من له بيتٌ هُنا.
رجلٌ وامرأةٌ
في خطوةِ من لا يريدُ أن يصل.
لا يقولانِ شيئاً
ينعطفانِ دون تلفُّتٍ
بينَ الدكاكينِ التي تأخرت.
يكنسونَ النهارَ في المقهى
أحاديثَهُ، فتراتُ صمتِهِ
بين الطاولاتِ والكراسي
يجمعونَهُ في أكياسٍ سوداءَ
ساكتينَ، كمن يصغي.
سائقُ أُجْرَةٍ في محطَّةِ القطاراتِ
ذقنهُ على صدرِهِ
تمُرُّ كلابٌ بعيونٍ حزينةٍ
مشدودةٌ بحبالٍ لا تُرَى
إلى سادةٍ معتمين.
2
ليست للبحرِ نزلةٌ.
موجٌ يأتي وينحسرُ، ثُمَّ يأتي.
يدكنُ الغيمُ
يدنو من الأشجارِ.
زهرةٌ تخرجُ مع أوراقِها من جدار.
عشبٌ يشقُّ طريقَهُ
بين طوبِ الممرات.
الخفيضُ، على غِرَّةٍ
كما دائماً
يعلنُ ثمرةً قد هَوَتْ:
الصوتُ الأكثرُ زلزلةً
منذُ الينابيع.
3
لا يكفي قاربٌ وحدُهُ
لقولِ كُلِّ شيء:
مطويٌّ عليهِ شراعُهُ
جانبَ الضَّفةِ، يملأُهُ المطر.
الماءُ واقفٌ تحتَ الجسرِ
كمن يفكِّر أن يغيِّرَ مجراه.
قميصٌ شاغرٌ إلّا من الروحِ
عالقٌ بالشجرةِ العارية.
قد ينجَرِحُ الصمتُ في حِدَّةٍ
إذا قَطَعَ القطار:
صوتُ الأمسِ، والأيَّامِ كُلِّها.
البيوتُ تعلو في السديم
خفيفةٌ، تعودُ إلى الوراء.
لم يرجع الذين قالوا إنَّهم لن يتأخَّروا.
4
ضرباتٌ بعيدةٌ تصمتُ
ثلاثٌ، ولا يحدثُ شيء.
عصفةٌ تخطفُ الأوراقَ في مرورِها
عن الرصيفِ وتهدأ.
الطيورُ ذاتُها ربَّما، اللامرئيّةُ
تُحَرِّكُ الأغصان.
تكسرُ أعمدةٌ ضوءَها
في صبرٍ، على النوافذ.
ليس إلّا أن يصلَ الأطفالُ المحروقونَ
يدقّونَ الأبوابَ، يطلبونَ ماء:
كأنَّها سوف تمطر.
5
الأشجارُ استسلمَتْ
الريحُ من وقتٍ طويل.
زانةٌ على حِدَةٍ، على التَلَّةِ فَوْقْ
تهزُّ المهدَ الفارغَ للغصنِ المكسور.
التلالُ تَكْبُو إلى الوراءِ، خلفَ المنازل.
خيوطٌ بيضاءُ خفيفةٌ من المداخنِ
مشدودةٌ إلى مغزلٍ أهْوَج.
غيومٌ رصاصيَّةٌ تدنو، تتجمَّع.
رويداً، بضربةٍ رشيقةٍ، نجمٌ وحيد.
شيءٌ يشرحُ القلبَ في بسالةِ الأَسقُفِ
في عنادِ الأبوابِ والنوافذ.
ستارةٌ مشقوقةٌ عن ضوءٍ خفيضٍ
تشدُّ أزْرَ الكون.
6
قلوبٌ على السُورِ
أَحْرُفٌ أُولى.
الطفلُ العاري، بجناحينِ وقَوْسٍ
يُصَوِّبُ سهماً إلى السماء.
الصريرُ ساكتٌ على قِفْلِ البوّابةِ
على كوخُ الحارسِ قبلَ الدرجات.
المدخلُ تحتَ الأوراقِ المكتوبةِ
تهوي من الأشجارِ على جانبيه.
عشبٌ أصفرُ من أُصصِ الأزهار.
كتاباتٌ على الحوائطِ
تُشيرُ إلى صالاتٍ وحديقةٍ وملاعبَ
لا يتوهُ أحَد.
الزمنُ دونَ صُحْبةٍ
في الممرَّاتِ بين الفصولِ
على الدرجاتِ المكشوفةِ
صاعدٌ إلى الأدوار:
جَرَسُ الدرسِ الأوَّلِ، اللامسموع.
7
البابُ على نصفِ انغلاقِهِ:
التوتُ الأسودُ البريُّ
الأشواكُ الصغيرةُ اللامرئيَّة.
غصنٌ مكسورٌ في المَمَرِّ
كأنَّ شيئاً لا يزال ينسرق.
البئرُ بين العُشْبِ آخِرَ الأشجار:
الحصاةُ التي هَوَتْ
الضحكتانِ، معاً
صوتُ الماءِ البعيد.
أحدٌ ينزلُ الدَرَجَ
الآنَ، من سنينَ كثيرة.
8
نافذتانِ قبلَ الشمسِ
ثالثةٌ أعلى من أجلِ الظلال.
ما أطَلَّ أحدٌ مَرَّةً
أو تحرَّكَتْ ستائرُ بيضاءُ
زهورُها زرقاءُ صغيرة.
أيهتدي قاصدٌ بالعلامة:
بابٌ سنديانٌ أمامَ الموجِ
قربَ عوسجةٍ
في هذا الوقتِ من السنة.
مقعدٌ لم يجلسْ عليهِ أَحَدٌ
أو تَمَشَّى، في سَرْحةٍ
وانحنى لأوراقٍ هُنا وهُناك.
بخوراتُ مريمَ لائذاتٌ
بعوسجةٍ لا تجاورُ أيَّ شيء:
منزلُ البابِ السنديانِ
أمامَ البحرِ، كلام.
9
عيونُهم لاحقَتْ عُمْرَيْنِ ما يدور
بعضُهم على ابتسامةٍ
لا يفسِّرُها الأثاثُ ولا لونُ الستائر.
تكادُ شفاهُهم تتحرَّكُ
إذا نظرنا طويلاً إليهم.
في أدراجِهم رسائلُ
بين المحبَّةِ والزَعَل.
دعواتُ خطوبةٍ وزواجٍ
أعلامٌ صغيرةٌ لصدورِهم
ساعاتٌ واقفةٌ،
وثائقُ سَفَرٍ وإقامة.
بعضُهم ينقطعُ خيطُهُ
يرتمي على الأرضِ، ينكسرُ
حينَ تنقصفُ المنازل.
10
المجذافُ القصيرُ مثلَ مِعْوَلٍ
يَصْفُرُ لحناً شاعَ بيننا
من طولِ اتِّكائِهِ
قربَ نافذةِ على البحر.
لم نعد ننظرُ، إلّا ربَّما، إليه:
حين يستبدُّ بِنا غيابٌ
أو نسمعُ الأخبار.
نصفنُ فيهِ أحياناً
إذا اقتربَتْ من المقهى زوارقُهمّ
تضيئُهُ، وتضيئنا.
كُنّا وجدناهُ مرتميّاً على الرملِ
أفكارُنا على الشاطئِ
تأخذُنا ونرجعُ
لا نرى خلفَ الموجِ غيرَ الغروب:
الأولادُ ذهبوا منذ الفجرِ
يحفرونَ وراءَ الموج.
11
يأتونَ من أنفُسِهم
واضحينَ من كثرةِ الغياب:
أُنْظُرْ إلى النشوةِ
بسالةِ البهاءِ في هذا الوقت.
في خِفَّةِ من سيرجعُ
يبتعدونَ أكثر.
يتلبَّسُ خطوَهم أُفقٌ عند الزوال.
النهارُ ينتهي
وما أنهيتَ عملَكَ.
تَدَبَّرْ في الأقلِّ أخْيِلةً تلاحقُهم
وانظُرْ في عينِ القادمِ
في ثباتٍ، إن استطعت.
12
لكَ زمنٌ جالسٌ مثلكَ
لا يناديهِ أحَد.
صُوَرُ الملامحِ نفْسِها، أينما تنظرُ
البلاغةُ التي على الجدران.
إجْلِسْ، بَعْدُ
نصفٌ زيادةً لم يزَل من الليل.
تَمَدَّدْ إنْ أردْتَ على المقاعدِ
مشدوداً إلى شوارعَ لم تعد تكفي لِسَرْحَةٍ.
إطوِ ذراعكَ تحت رأسِكَ
إحلمْ بأبوابٍ أغلَقَتْ في وجهِكَ الدنيا
تَحَدَّثْ على عتباتِها
إلى من شئتَ، في المنام.
لكنْ على نصفِ إغماضةٍ ــ
إنتبهْ إلى ما تَبقّى من وجودكَ اليسير.
13
بينكم، لا يعرفُ كيفَ عاد.
تأخذونهُ باردينَ إلى المقاعدِ
كأنَّما في صورةٍ، ما تغيَّرتم.
الثمارُ في الصحونِ ذاتِها
يمدُّ يداً إلى الدنيا
يلمسُ برتقالةً ويكتفي.
كان عادَ مَرَّةً، من أجلِ أغراضِهِ
فأنكرتُم كُلَّ شيء:
بذورُ أخْيِلةٍ
أحلامٌ يقظى على السقفِ
خيطُ فجرٍ يرفعُ الشمس.
هل تأخذونَهُ إلى غرفتِهِ:
البساطُ الغامقُ
كرسيُّ القميصِ قربَ السرير.
الستارةُ المُغْلقة.
لا تتركوهُ يفتحُ شُبّاكَهُ
يرى ما فعلتم بالحديقة.
رُدُّوهُ عنها
أو سيحسُّ بوخزةٍ، وتختفون.
14
الصبّارُ أوَّلُ ما سيبدو
من يديكَ، عند الباب.
والدارُ لم تقصر
إنَّما السروةُ قد عَلَتْ.
والمجنونةُ، من يديكَ أيضاً
صارت مجنونةً أعلى وأعلى
مُلْتَفَّةً على كُلِّ شيءٍ
كأنّما عليك.
البابُ لم يزَل جَهْماً من الأسرارِ
من الوشوشاتِ السريعةِ
داكنٌ ربَّما زيادةً
من عطشِ النباتِ على جانبيه.
دُقَّهُ حينما تصلُ
لكن ليس واحدةً ثلاثاً اثنتينِ
لن يعرفوا أنَّهُ أنت.
إنَّهم في حكايةٍ لستَ فيها
جمرتُهم غيرُ التي قلَّبْتَها
لا يرَ الأحفادُ في أيِّ شيءٍ
حولَهم يديك.
إستعِرْ حين يفتحون جذوةً
من أيِّ موقدٍ تريَّثَ في كلامِكَ.
شُدَّهم إليكَ، واحدةً واحداً
كمن يعرفُهم.
لكنْ، إنتبه:
إن لم يفتحوا لكَ البابَ
أو فتحوهُ ثُمَّ أغلقوهُ في شِدَّةٍ
في وجهِ الغريبِ الأشيبِ هذا
يَدَّعي أنَّهُ أنتَ
إنْ تجهَّمَ عندها البابُ في عينيكَ أكثرَ
والمجنونةُ أنشبَتْ
في الفراغِ نحوكَ اشواكَها
والصبّارُ أيضاً
أرجوكَ لا تحاولْ حينَها
شيئاً بمفتاحكَ.
II
بيوتهم عن ظهر غيب
1
الليلُ يجمعُهم مثلَ أبنائِهِ
إلى جمرٍ تريَّثَ
يحاولونَ مع الرماد.
دونَ حمايةٍ، فرادى
يصلونَ إلى أصعبِ المجازات:
خيامُهم على عناوينِهم.
الكبارُ بنوا بيوتاً
قبلَ هذِهِ التي انقصَفَت
الصغارُ يعرفون الطريقَ إليها
يستعيدونَ بالأغاني بهجةِ البِناء.
حتّى أنَّكَ تسمعُ ناياً
آخِرَ الليلِ
منفرداً، بين الخيام.
2
لهم كُلُّ ما يمكنُ أن يُغَنَّى:
الأَسقُفُ التي هَوَتْ
الأعمدةُ، طابقاً فطابقاً
نوافذُ ما كانوا يألفون.
مطالعُ تعلو
تتعشَّقُ لهم حجارةٌ عليها.
رجاؤهم هُنا
أرضٌ ليس غيرُها، قليلةٌ يابسة.
لا تقطعُ السرابَ رايةٌ
لا سُفُنٌ تلوِّحُ إلّا في خيالِهم
لجَّةٌ ممنوعونَ عنها
ناشفةٌ على الأشرعة.
3
في كلامِهم شواطئُ
تأتي وتذهب.
قوافلُ تنفُضُ السرابَ ما أن تصل.
تستريحُ وتكملُ، أو تَبني منازل.
لا يذهبونَ الآنَ، لا يأتي أحد.
لا رسائلُ إلّا من هواجسِهم.
يبدؤونَ بالصمتِ، يختمونَ بِهِ
يستبدُّ بهم بين المقاطِعِ
يستأنفونَ من أين توقَّفوا.
4
يجرحُهم أيُّ عُشْبٍ على الحجارة.
كُلَّما قالوا حديقةً أصواتُهم حَنَّت:
عليهم أن يتماسكوا أمامَ أولادِهم
والشجرِ الواقفِ عند العناوين.
ليس كُلُّهم يستطيعُ هذا.
تقفُ واحدةٌ لا تقولُ كلمةً
أمامَ نصيبِها من الركامِ
لا نعرفُ ما تَنْتَوِي.
لكنْ إذا نَظَرَتْ، لا تُحَرِّكُ وجهَها
إلى زهرةٍ تخرجُ من الهَدْمِ
يمكنُ تحديدُ وِجْهَةٍ.
5
مجروحونَ من وضوحِهم
أيَّةُ نارٍ طوَّعَتْهم قاطعينَ هكذا؟
حيرتُهم ليستدلوا
يخرجونَ إلى الساحاتِ كُلَّما احتاروا.
أَخْطَفُ من أن يتردَّدوا
يختارونَ أن يبدأوا، كُلَّ مَرَّةٍ، من جديد.
الغناءُ ليسهروا
يرافقونَ الليلَ في مشيئةٍ.
6
كُلَّما تأخَّرَتْ سِقايةٌ
أرْهَفَتْ كلامَهم عن الجذور.
إصغاؤهم إلى صمتِ الحقول
إلى العتمِ، ينظرونَ إلى آخرِهِ:
أتلكَ أخيلةٌ، أَم الأطفالُ عادوا
المحروقونَ، أنفسُهم
يسترقونَ شيئاً من حلاوةِ الروح؟
تمكنُ رؤيتُهم على قماشِ خيامِهم
في النورِ الممكنِ
قربَ البيوتِ العديمة:
قد تطيرُ نَفْسٌ آنها من ثقوبِ الناي.
7
يعودُ الكلامُ دونَهم
إلى الحجراتِ المضروبةِ بالفراغ.
يُصغي ويسكنُ:
حواراتٌ كثيرةٌ تفحَّمَتْ هُنا.
الصيحاتُ التي هَبُّوا إليها
حملوها وركضوا
يستدركونَ أعمارَها بينَ الشوارعِ
لم تزَل على وجوهِهم.
أيديهم كثيرةٌ على المعاول.
يتوقَّفونَ فجأةً
كأنَّ أحداً لم يزَل يتنفَّسُ
تحتَ الردمِ، قربَ الأساس.
8
بيوتٌ رسومُ عُزْلَةٍ
في أماكنِها المألوفة.
من صَفْنَتِهم أنَّهم يستردّونها
يُرَتِّبونها، ويسهرون.
يحفظونها عن ظهرِ غيب.
درفةُ شُبّاكٍ واحدةٌ مكسورةٌ جانباً
تُطِلُّ على حياتِهم كُلِّها.
لَهُمْ صُوَرٌ في حجراتِها
يبتسمونَ معاً.
الجدرانُ واقفةٌ وراءَهم
وتظهرُ أَسقُفٌ
تنزلُ منها ثريّاتُ ضوء:
عناوينُها كانت
ذاتَ مَرَّةٍ على الحقائب.
9
أهِيَ بيوتٌ حَسْبُ كي تسكنهم
كأنَّها لم تزَل، وكأنَّهم فيها؟
تمكنُ رؤيتُهم واقفينَ
أين كانت الأبوابُ
تدورُ مفاتيحٌ في خواطرِهم.
أيستدلُّ العزيفُ إلى النوافذِ
الطيورُ إلى الشرفات؟
أتعودُ أُلْفةٌ إلى الحجراتِ ثانيةً؟
كأنَّما تهوي أوانٍ في خواطرِهم
حين يُطْرِقون.
10
لن يكون جَنْيهم إلّا وفيراً، يقولونَ
تبدأُ أشجارُهم، يبدأُ الحريق.
إرثٌهم وصايا
تائهونَ من شِدَّةِ اليقين.
الرجالُ والنساءُ شاركوا
في العاصفةِ الأخيرةِ
الأولادُ يعرفونَ عنها الكثير.
إن هَبَّتْ في أيّامِنا، يقولونَ
سوف نأخذُها إلى أبعدِ ما تصل.
يسترشدون بالأغاني
بالمقاطعِ التي يتحيَّرونَ عندها.
11
إنشدادُهم إلى البحرِ خَصْلةٌ
لا يجلسونَ عشيَّةً أمامَ الموجِ
ساعاتٍ ساكتينَ
إلّا لأنَّهم لا ينتظرونَ أحد.
يعاينونَ الأفقَ
يحفرونَهُ بخواطرِهم
حيرةً، ملاذ.
تلزمُهُم أشرعةٌ أكبرُ، يؤكِّدون
يُعَلِّمونَها مقاصدَهم
مجاذيفُ أقوى، أكثرُ خِفَّةً
تهمسُ بهم إلى ما انسرق.
يعرفونهُ ويغرقونَ إليه:
المراكبُ التي تنكشفُ
تكونُ لم تتُه.
12
الأفقُ حائطُ ظهورهم
مُطَوَّقونَ
فضاءٌ مكشوفٌ، يحفرونَ غيرَهُ.
دليلُهم رَمْلٌ ليس إلّا
موجةٌ في سِرِّهم
هواجسُ، أينما نظروا
تأخذهم إلى أبعدِ ما يرون.
يذهبونَ بأنفُسِهم
بالملابسِ التي قد تكونُ الأخيرةَ
بما يريدونَ قولَهُ، ليكتمل.
13
تحتَ رتاجاتٍ تصدأُ الأيّامُ عليها
الطريقُ المعبورةُ من جروحٍ كتيمةٍ
لا تُقَصِّرُ عن مقاصِدِهم.
في حراسةِ لايأسِهِم.
يأخذون من العتمةِ الأحلكِ
مسرباً إلى النُور.
يصبحونَ، فرادى، أو رِفْقَةً
في خيوطِهِ.
قد يبتكرونَ نجمةً بعدَ حين:
لا يكونُ عبورُهم
دونَ سماءٍ محروسة.
14
المألوفةُ الأكثرُ خَطَراً
الأقربُ إلى مصائرِهم
الطريقُ، في حمايةِ العناصر.
قد تلمعُ مِدْيَةٌ
نصلُ فأسٍ، منجلٌ دونَ قبضتِهِ
وتصعبُ معرفةُ الزمان.
يتربَّصونَ بأيَّةِ نأمةٍ أعلى من هواجسِهم.
قد تُطْبِقَ، في أيَّةِ لحظةٍ
جهاتُ أن يَصِلوا:
لا نعرفُ أسماءَهم
إلّا حين لا يمكنُ أن نناديهم.
III
حجرات ولستم هنا
1
لا نجمةٌ لم تنطفئ
على هذا المُرورِ السريعِ اللّانهائي.
لن يسقطَ مطرٌ على أعمارِكم
زهرُ اللوزِ أبيضُ هذا العامَ أيضاً.
لن تنظروا من النوافذِ
بوجوهِ القِطَطِ الصغيرة.
ما أجملَ الياسمينَ على الأسيجة.
2
أحقّاً تمكنُ رؤيتُكم
بالملابسِ نفْسِها
قربَ الهديرِ الذي انولدتُم عليه؟
الذين أنتم في عيونِهم يؤكِّدونَ هذا.
يصفونَ عودتَكم عندَ المغربِ
كُلَّما كانت ظلال.
وجوهُكم آخرِ مَرَّة:
الملامحُ الأليفةُ
حين يصعبُ وصفُها.
3
يعودونَ إلى زَحْفِكم إليهم
المُقدَّسِ، من بابٍ إلى باب.
إلى الجدران التي استندتم إليها
لتقفوا، قبلَ أن تهوي
مَشْيِكُم أولَ مرَّةٍ:
قلوبُهم هَوَتْ عثرةً عثرةً.
يدُ النارِ كَسَرَتْ عليكم.
هل أومأْتُمْ إلى أبديَّةٍ؟
الذين عثروا على ملامحكم
يؤكِّدون هذا.
شفاهُكم أرادَتْ أن تقولَ شيئاً
عيونُكم مفتوحةٌ
على أبعدِ ما يمكنُ
دونَ أن ترمشوا.
4
من ذا يدفعُ مركباً في الليلِ
وحدَهُ، دون أن ندري:
نسمعُ ضوءاً قويّاٌ قبل الفجرِ
ثُمَّ يعودُ أو لا يعود؟
أخايلهُ خطوُكم على الشاطئِ:
أَقدامٌ صغيرةٌ حافيةٌ على الرملِ
ينحسرُ الموجُ عنها؟
هل ساورتْهُ ملائكةٌ محروقةٌ عَطْشَى
تمُدُّ أيديها إليهِ، فلم يحتمل؟
5
تعودونَ بلا رأفةِ
لا تلتفتونَ إليهم
كأنَّكم غاضبونَ، أو على عَتَبٍ
ترابٌ كاملٌ على ملابسِكم
نفسها، آخرَ مرَّةٍ
المليئةِ بالجروح.
أسماؤكم جَمْرٌ يسبقُ أسماءَهم
وجوهُهم تتغيَّرُ حين يسمعونها.
6
عودتُكم ليست إلّا من هُنا
الأرضُ التي لن تكبروا عليها:
أرضُ ملامحِكم، على مَهَلٍ
أصابعُكم على وجوهِهم
أيديكم، أمسكَتْ بقوَّةٍ بالمفاتيح.
كانت حواجبُكم قناطرَ أحلامِهم
ما ترونَهُ ولا يقدرونَ عليهِ
يأتيهم في المنام.
الأرضُ هذهِ
اليابسةُ الأصغرُ من فرحةٍ
كانت ضحكةٌ منكم تكفيها
لتصبحَ الكون.
7
الذين أنتم بقيَّةُ حياتِهم
لم يفرحوا بِكُم كفايةً:
كنتم تندفعونَ إليهم
تأخذونَ عنهم، من غيرِ أن تعرفوا
تعبَ النهار.
يحملونَكم على أكتافِهم
تلامسونَ سماءَ الحجرات.
يرونكم تنعطفونَ إليهم
من الشوارعِ الأضيَقِ
تدخلونَ دون أن تستأذنوا.
أتبيتونَ عندهم إن غَنُّوا لكم
الأغاني التي كنتم تنامونَ عليها؟
أيمكنُ الغِناءُ لأطفالٍ قَتْلى؟
8
يعاينونَ الزوايا
يَحْسُبونَ الحجارةَ التي سَلِمَت.
يريدونَ بالحجارةِ هذِهِ نفْسِها
أن يبنوا ما تَهَدَّم:
جدرانُ صيحةٍ
تركتموها واقفةً على شفاهِكم
نوافذُ لن تُطِلُّوا منها
حُجُراتٌ، ولستم هُنا.
أيستطيعونَ أن يتماسكوا
إنْ جئتم تُشْرِفونَ على البِناء:
يتخيَّلونَ أماكنَ الأبوابِ
تعبرونَها.
9
ما الوقتُ
حين ينظرون في الساعات:
العشيَّةُ أن تندفعوا إليهم.
الفجرُ أن يردُّوا عليكم الأغطية.
أن ينظروا إلى وجوهِكم
يبدؤونَ بها النهار.
ما الأيّامُ، لا تمرُّ بكم
أعيادُ ميلادِكم، ولا تكبرون؟
ملابسُكم سوف تبقى
تناسبُ أعمارَكم.
الألوهةُ:
أنتم أمامَهم ولستم هُنا
حريرُ أزلٍ في الحجراتِ المسكونة.
10
ما أخَفَّكم على الخشباتِ المألوفةِ
على أكتافِ من لم تعرفوهم كفايةً
توشكونَ أن تطيروا.
يزورونَكم، لا يتأخَّرونَ عنكم
يقفونَ أمام نصيبِكم
من الترابِ الكامل.
أحَقّاً تمكنُ رؤيةُ أرواحِكم:
طيورٌ بيضاءُ صغيرةٌ
تُحَوِّمُ فوقَ البيوت.