Skip to main content

  وليد خازندار                        ما تخلّى أحدٌ عنا                             
  لم يكن هناك، في الأصل، أحد                                                                                    

مقاطع ليل
وليد خازندار
2020
ــــــــــــــــــــــــــــــ


I
ضوء غير موثوق


1

الليلُ الرهينةُ
ليلُنا، ظِلُّ حلْكةِ النهار.
نظلُّ نقولُ هناكَ أملٌ
لكنَّهُ يتخفَّى
يلبسُ مقطعاً من هذا الليل.
من ذا يُصَدِّقنا بَعْدُ
ويمنحُ نفْسَهُ
لأملٍ يتنكَّرُ كُلَّ مَرَّة؟


2

يقطع الطائر الأسودُ بين العماراتِ
خفيضاً، آخذاً شِمالَهُ
في سرعةِ من لهُ بيتٌ في الجوار.
لا شيءَ تغيَّرَ
منذ بيوتِ النورِِ الممكن.

الكلابُ ستأتي:
حبالُها اللامرئِيَّةُ
سادتُها المعتمون.

سائقُ الأُجرةِ في موقفِهِ الفارغِ
ينتظرُ المسافات:
المحطَّةُ لم تعد هُنا.


3

المحطَّةُ راحَتْ
وجاءَ سوقٌ
وحديقةٌ وأدوارٌ ومطاعم.
مهاجرونَ عُمّالٌ
من الفجرِ إلى نصفِ الليل.
ينامون في المخازنِ والمطابخ.

نسمع صيحاتٍ أحياناً:
تكونُ اشتعَلَتْ بهم نارٌ
أو اكتشفوا لصوصاً
أو يحلمون.


4

جنائنُ المنازلِ الأماميَّةُ
ومداخلُ العماراتِ، صارت دكاكين:
أشياءُ غاليةٌ
بأسعارٍ رخيصة.

المقهى ابتلعَ محلَّاتٍ على جانبيهِ
وصارَ لا ينام.
يتقلَّبُ الليلَ كُلَّهُ بالزبائن.

5

مهاجرونَ مَرُّوا من هُنا
وأكملوا هجرتَهم ولم يصلوا
أخذوا المركب الذي غرق.

الرجلُ الذي أقامَ سنيناً بيننا
وأحببنا روحهُ
عادَ إلى بلادِهِ:
لم تصلنا منهُ رسالةٌ كما وَعَد.


6

“أخطو في منامي
خلفَ سورٍ بابُهُ حديد”
تقولُ مهاجرةٌ
تشدّني أيدٍ لا أراها
تلمعُ سكّينٌ طويلةٌ”.

مهاجرةٌ تنامُ إلى جوارِها:
“نصحو عليها تجري
من جدارٍ إلى جدار.
تحاولُ فتحَ البابِ المغلوقِ علينا
نمسكُها فتصيحُ
يمكن أنَّها ترى غولاً أو ذئاب”.


7

الظُلْمَةُ وقتُهم
نعرفُ مِنْ ونحنُ صغار.
ما سرقوهُ من عمرِهِ
وما سوفَ
من أعمارِنا
عرفناهُ من كلامِهِ عنهم
أمّا الأغلى
الأقوى من حجارةٍ كريمةٍ
حين وقفَ لهم
ما يجيئونَ ليكسروهُ
فكانَ علينا أن نجدهُ بأنفُسِنا.


8

المساءُ تَغَيَّر.
لم يعد ينحتُ أخيلةً أليفةً
بين البابِ والشجرة.

يتأخَّرُ طائرٌ
تكون في الأمرِ كنايةٌ
إنْ حَوَّم ثُمَّ توقَّفَ
ينظرُ إلى جهةٍ
يكونُ بيتُهُ قد انهدم.

البابُ شجرةٌ في الأصلِ
تحيطُ بِهِ الهواجس.


9

خطواتُ ثعلبٍ في النظرةِ الوحيدة.
طيورٌ في ضبابٍ خفيفٍ
بيضاءُ، كأنَّها تائه.

غيومٌ في طريقِ الريحِ
تلالٌ في النظرةِ ابتعدَت.
أشرعةٌ تبتكرُ الجهاتِ
تفسِّرُ قلبَكَ.


10

الأغاني القديمةُ
السنينُ المُراقةِ
جمراتٌ في الموقدِ الذي تَرَيَّثَ
قليلةٌ وما تزالُ ساخنة.

مَرَّ أبناءُ سبيلٍ
كانوا مُتْعَبِين.
أكلوا لقمةً معنا
وأكملوا السهر:
كانوا يحفظونَ  أُغنيةً جديدةً
عن الأمل.


11

الذين سهروا مطلعاً
أو مطلعينِ،  وعادوا
تركوا لنا صمتاً قوياً بين المقاطع.

ضوءٌ غيرُ موثوقٍ أخذهم إليه:
صار يلزمُ أن نغيِّر في كلامِ الأغنية.


12

ما كانَ في انتظارِهم أَحَد.
لا وردةٌ خَرَجَتْ
ولا إكليلُ عزاء.

النسيانُ وحدُهُ في الشوارعِ
يأخذُ أسماءَهم
وأسبابَ السفَر.

لم يَدُر مفتاحٌ في أُلفةٍ
في أيِّ باب:
جلسوا على حقائبِهم
تحتَ غيمةٍ كبيرةٍ
تقطرُ أعمارُهم على العتبات.


13

أمرٌ قد يعودُ إلى جهامةِ الشبابيكِ
إلى الأبوابِ، في انغلاقِها
أو صمتِ البيوت:
شجرٌ واجمٌ قربَ العناوين.

أَعودةٌ في حُلْكةِ الخروجِ ذاتِها
لا بُعْدُ الطريقِ
ولا مشقَّةُ السفر؟
الذين عادوا باكراً أربكوا الثمار.


II
الباب الضيّق المكسور


1

الفضاءُ الوحيدُ إليهم
محفورٌ في اليابسة.
ترجعُ واحداً منهم

يقولونَ أهلاً ويسلِّمونَ
مهما تأخَّرْتَ:
تَرَفٌ
حريَّةٌ هي الأقصى
حينَ تصلُ إليهم
من هذهِ الطريق.


2

أولادُهم على قشرةِ الأرضِ
إصغِ، يقولونَ مرحباً
إلى النبرِ
في قبضةِ المصافحة.

لهم خِبْرَتُهم في القلوب.
أُنْظُرْ إلى السعادةِ الغريبةِ
على وجوههم:
يرثونَ كُلَّ ما انسرَق.


3

يشعلونَ نارَهم ويسهرون.
أَخْيلَةٌ بين الخيامِ المُرْسَلة.
تصبحُ مكشوفاً معهم
في ليلِ المنذورين.
حكاياتُهم
إنْ تَرْوِها بنبرِهم
لا تستطيعُ أن تُكْمِل.


4

لم تخرج رايةٌ بيضاءُ
من البيوتِ التي هَوَت.
إنهم لم يُهْزَموا، يقولونَ
الشبابيكُ قاومتْ حتَّى الصباح.

الإخوةُ أرسلوا إليهم خياماً نجدَةً
ملابسَ ليس فيها أحدٌ
أغطيةً ثقيلةً، وحلوى.


5

لن تصلَ نجدَةٌ
فراغٌ ساكنٌ
على الجسرِ الذي
ما تَدَمَّرَ بعد.

بقيَتْ جدرانٌ وأَسْقُفٌ
واقفةٌ في ظلالٍ قويَّةٍ
 لا تزالُ أشجارٌ قربَ البيوت.

الطيورُ غادَرَتْ إلى التلال:
من هناك تمكنُ رؤيةُ الذئاب.


6

هل يعبرُ الجسرَ إخوةٌ
في جلودِ أعداءٍ
كي لا ينكشفوا؟

علينا أن نحبسَ أنفاسَنا
في انتظارِهم
أن ندعو لهم بأن يصلوا
وأنْ ننجو معاً.

وعلينا أن ننتبه:
قد يعبرُ الجسرَ أعداءٌ
في جلودِ الإخوة.


7

يمكنُ أن تعوي ذئابُ فراغٍ
في أيَّةِ لحظةٍ
في هذِهِ الحجرات.

أعمارُهم مُعَلَّقةٌ على جدرانِها
لهم فيها صباحاتُ خيرٍ
ومساءاتُ نور.

قد يغمضونَ عيونَهم
وتكونُ آخرَ ما يرون:
تهوي لهم صُوَرٌ على الأرضِ
ينظرون منها إلى الفراغ.


8

لكان صباحاً جميلاً
لو أن الشمسَ تكفي
وثلاثَ غيماتٍ بلونِ البَفْت.
ولكان أجملَ
لو أنَّ البيوتَ دونَ قلقٍ:
أمسِ كان يوماً قاسياً.


9

ولدٌ من الجهةِ التي انقصَفَت.
“خُضار”، يصيحُ “فواكه”.

يتوقَّفُ عندَ المدرسةِ
ينظرُ إإليها:
الصفوفُ انطَبَقَتْ جدرانُها وسقوفُها
لم يخرج أحدٌ من الطابقِ الأرضي.

“لحمٌ مُعَلَّبْ”، يصيحُ
ينزلُ نحو الخيام:
“برتقالٌ دَمُ الزغلولِ، عسلٌ أَسْوَد”.


10

طفلٌ وامرأةٌ ورجلٌ
من البابِ الضيِّقِ المكسور.
لا شمعةٌ مُضاءَةٌ
أو يمكنُ أن تُضاء.

فارغٌ صحنُ الصدقات.
طاولةُ التقدمةِ اختَفَت.
صوَرُ العيونِ الراضيةِ
الخدودِ المتورّدةِ
ليست على الجدران.

رفعوا صلاةً بطيئةً إليهِ
الغفورِ حتى الساعةِ الأخيرةِ
من سيحملُ عَنَّا
هذِهِ الخطايا كُلَّها.


11

يغادرونَ من البابِ نفْسِهِ
الضيِّقِ المكسور.
يتلفَّتونَ إلى الجهتينِ
يقطعونَ الشارعَ نحوَ الأزِقَّة
.

لا نجمٌ من الشرق.
الظُلْمَةُ من باقي الجهات.
يسيرونَ في نعومةٍ غريبةٍ
بين الحُفَرِ:
أيفكِّرونَ في البحرِ
في وجهِ الماءِ نحو السفينة.


12

موجةُ البردِ لم تنحسِر.
الثلجُ ينزلُ وجهَ الصبحِ ساعاتٍ
تنحني لهُ الأشجار.
يراها مشدودةً إلى جذوعِها
ويخافُ أنْ تيأس.

رعدٌ وقصفٌ يجتمعانِ
فلا يعودُ يعرفُ ما الخبر.


13

الأولادُ طَوَّلوا بزوجاتِهم وأحفادِهِ
“شهرانِ ثلاثةٌ”، قالَ الكبيرُ، “لا أكثر”.

صعدوا، وجدوا وَسَعاً وجلسوا.
الشاحنةُ مَشَتْ كأنَّها لا تبتعد.
نظروا إليهِ
لوّحَ الأحفادُ بأيدٍ
تشبهُ أجنحةً صغيرة.


14

أيّامٌ كبرتْ أعدادُها عليهِ
لا عادوا ولا جاءَ خبر:
كان يمكنُ أن يرسلوا كلمةً
مع الهلالِ أو الصليبِ
مع أيِّ أحَدٍ من الذين عادوا
يقولونَ: الموتُ ولا المَذَلَّة.

تحتَ أيِّ سقفٍ هم الآن؟
هل أخذوا مركباً
من تلكَ التي تغرق؟


15

كَسَّرَ بعدَهم كُلَّ ما ينكسرُ
قِطَعاً رَتَّبَها عندَ المدفأة:
طقمَ السُفْرَةِ، والجلوسِ
دولابَ ثيابِهِ وثيابِ المرحومةِ
سريرَ نومِهِ معها
إلّا طاولةً صغيرةً وكرسيَّيْنِ
قد يزورُهُ أحدٌ لم يغادر.
كُلَّما مَرَّ بالتسريحةِ
ظَنَّ أنَّهُ أحَدٌ غريب.


16

صار يعرفُ كيف يعيشُ دونَهم.
يصفنُ في ما يحترقُ
إلى مقطعٍ متأخِّرٍ.

يغفو
يجلسونَ كُلُّهم إلى السُفْرةِ
ما عداه.
يصحو ويغفو
يغلقونَ حجراتِهم عليهم.
يصحو، لا يعرفُ أن ينامَ
يصفنُ في ما تَبَقَّى.

يتسلَّلُ الأحفادُ إليهِ
يتوسَّدونَهُ.
المرحومةُ تأتي، نِصْفَ نائمةٍ
تتمَدَّدُ لِصْقَهُ، قربَ الرماد.

III

ثقوب في سقف الخيمة


1

يقطعونَ الحدودَ
من غيرِ أن ينكشفوا
ومسافةَ الجبالِ
والصحراءَ، بَعْدَها، و
يصلون ــ
إذا الأمورُ تَسَهَّلَتْ
وصَدَقَ الدليل.

سوف يبدؤونَ هُناكَ حياةً جديدةً
أو يستأنفونَ القديمةَ
ولو على نحوٍ أقلّ.
لن ينسوا جيرانهم طبعاً
سيكتبونَ لهم
ويهاتفونهم أحياناً
بل يمكن أن يرسلوا نقوداً إليهم
إنْ تَيَسَّرَ الحال.

سيكون الإخوةُ في انتظارِهم
خلفَ شبابيكِ الزجاجِ القَوِيِّ
والفتحةِ الضيِّقة.
يأخذونَ أوراقَهم
ويطلبون منهم أن يجلسوا هناك.


2

شهرٌ بالكثير، قال السائقُ
ويعودونَ إلى بيوتِهم.
حارسُ البوَّابةِ أكَّدَ حين وصلوا:
يمكنُ حَتَّى أقل.

قطعوا بين صفوفِ الخيامِ
حاملينَ رقماً طويلاً لخيمتِهم:
أولادٌ يلعبونَ لوَّحوا لهم
نساءٌ وبناتٌ
يطبخنَ شيئاً في قِدْرٍ كبيرةٍ
قالوا تفضَّلوا
فردُّوا عليهم: بالهَنا.

إمرأةٌ على صندوقِ خشبٍ
تمضغُ شيئاً
تنظرُ في ثباتٍ إليهم.
ربَّما لأنَّها لم تعد هُنا
قَضَتْ شهراً، يمكنُ حتَّى أقَلَّ
ثُمَّ عادت إلى بَيْتِها.


3

على كتفهِ كيسُ خيشٍ
في يدِهِ حقيبةٌ
إسمُهُ وعنوانهُ
لا بُدَّ ذاكَ الذي عليها
يقطعُ بين الخيام.

لا بابَ الآنَ لديهم ليدُقَّهُ إنْ أراد.
لا نافذةٌ يُطِلُّونَ منها
يحيُّونَهُ باحترامٍ، يقولونَ تَفَضَّل.

لكانوا ضيَّفوهُ شاياً بسُكَّرٍ
وتمراً شديدَ العزاءِ
جاءَهم أمسِ من إخوتِهم.


4

الطفلُ قبلَ المغربِ
والمرأةُ والرجلُ
لا خيمةٌ فاضية.
“لم يقبلوا أن يتفرَّقوا بيننا
في الخيامِ التي فيها وَسَع”
قالت مُهَجَّرةٌ
“عزمناهم على ما زادَ عندنا فرفضوا
لكانوا أسعدونا لو قبلوهُ
كان يمكنُهم أن يغافلونا بَعْدَها
ويرموهُ للكلاب”.

5

غادروا مع الفجر.
الأرضُ جاءَتْ على غيرِ ما أَلِفوا
وجاءَ البحرُ أقسى
وما قدرَتْ على وصولِهم قوارب.

“عيني عليهم”
المُهَجّرةُ أضافَتْ للمراسِلِِ
“يمكنُ أنّهم حتَّى
إلى الآن ما أكلوا”.


6

ظَلُّوا في العيون:
رجلٌ جالسٌ كتمثالٍ على حقيبةٍ
إمرأةٌ على حقيبةٍ
مثلَ تمثالٍ مجاورٍ
طفلٌ واقفٌ يتلفَّت.

لكان الإخوةُ أرسلوا إليهم
لو لم يستعجلوا
خيمةً تخفقُ أعلامُهم عليها.


7

صمتُ مَنْ ساهرٌ
خيالُهُ على قماشِ خيمتِهِ
جالسٌ، وجهُهُ إلى الأرض؟

 أيفكِّرُ في أن يفعلَ الشيء ذاتَهُ
لا يدري بِهِ أحدٌ إلّا غداً
أو بعدَ يومينِ، ثلاثة ــ
يكونُ رَمَى عن نفسِهِ
ذاكَ الحضورَ الثقيلَ وغادَر.


8

شتاءٌ شرسٌ وأهوج.
هَوَتْ خيامٌ
هَبُّوا يشتمونَ،
وأصلحوها.

تمكنُ رؤيةُ أطفالِهم
ينظرونَ من الأبوابِ القماش.
من عيونِهم
أنَّ القساوةَ التي عليهم
الصخرةَ هذِهِ، لن تنتصر.

سيقفونَ عليها حينَ ينقلعُ الشتاءُ
يرونَ الكونَ أوضحَ
بينما تنشفُ الدنيا حولَهم.


10

قد تبدو لهم ثقوبٌ لامرئيّةٌ
في سقفِ الخيمةِ
من كثرةِ ما ينظرونَ إليه.

مطرٌ يتوقَّفُ ثُمَّ يسقطُ
كأنَّ فلَّاحينَ مثلَهم
يهزُّونَ الأشجارَ في أوانِها
تسقطُ الثمارُ الصغيرة.

دخانُ ثُفْلِ الزيتونِ
يعلو من الخيامِ

يتجمَّعُ في هيأةِ ذئبٍ كبير.

11

رعدٌ، يهتَزُّ قماشُ الخيمةِ
لا
يرفعونَ رؤوسَهم.
تقومُ واحدةٌ من البنتينِ
تمشي دونَِ أن تصحو
تأخذُ زاويةً، تتمَدَّدُ
ينفردُ انكماشُ وجهِها
تشدُّ لعبَتَها إليها.


12

يعودونَ إلى بيوتِهم في المنام.
إن ارتاحَ وجهُ الأُمِّ تكونُ وصلَتْ
ربَّما، إلى غرفةِ النوم.
إن أخذَتْ نفَساً عميقاً
تكونُ في المطبخِ
تندفعُ نحوها رائحةُ التوابل.

قد تفتحُ عينيها
ثُمَّ تُغْلقهما
إذا نظرَتْ من الشُبَّاك.

يستردُّ وجهُها أساريرَهُ
تكونُ  دخلَتْ غرفةَ البنتين.
تحرِّكُ شفتيها كمن يقرأُ شيئاً
إنْ كانت تُغَطِّيهما.

إن أغلقَ الأبُ يدَهُ وأدارَها
مَرَّةً، مَرَّتَيْنِ
يكونُ يفتحُ أبوابَ الحجراتِ
يبحثُ عنها.


13

“الدارُ سَلِمَتْ”
قالت الجارةُ، جاءت من هناك
“الجدرانُ والسقفُ وبرجُ الحمَام.
التينةُ جنبَ السورِ حملَتْ
يتسلَّقُ الأولادُ البابَ الحديدَ إليها.

“ما أطيبَهم
سقوا لكم الجنينةَ
أخرَجوا منها الحجارةَ الصغيرةَ والكبيرة.

“دارُ الجيرانِ، منكم وغرباً
جاءتها قذيفة.
الرافعاتُ تأخَّرَت.
حاولنا بأيدينا ولم ينفع
لم يخرج منهم أحد”.

صَبُّوا لها الشايَ
جلسوا ساكتين.

14

لا بُدَّ من وصفِ بيوتِهم.
لن يكون معنىً، دون هذا
للبحرِ الذي أخذوه.

لهم فيهِ غرقى:
يَرُدُّ الموجُ إليهم أماناتٍ
يسكتونَ أمَامَها.

بحرٌ في السِرِّ
من أجلِ ضوءٍ لأيّامِهم
أو علانيةً
حين تفيضُ الظُّلُمات.


15

دونَ وصفِ البحرِ الذي يأخذهم
لن يكتمل لبيوتِهم أيُّ معنىً
يحملونَ ثقوبَها في خواطرِهم.

لم يعد يؤنسُ الكونَ نورٌ
من وراءِ ستائرِها
أبوابُها انفتَحَتْ على المصارِعِ ــ
ّجهةٌ إلى وجعِ القلبِ
حين يفقدُ المغفرة.


16

بيوتُ انهيارِ ما انبنى على الجانبينِ
من عمرِ الجميع.

يخرجُ ناسٌ من فراغِها
من غيرِ أبوابٍ قريبةٍ تنسمعُ
دونَ كثافةِ حضورِهم
مثل جميعِ من رحلوا.


IV
مراكبُ البلاد


1

ماءُ زهرٍٍ قويٌّ يدركُها
لهذِهِ البلادِ صيحةٌ
نزلَتْ من التلالِ إلى الوادي
لأنَّنا نكثرُ، لأنَّنا عُشّاق.
أَكْمَلَتْ إلى طريقِ البحرِ
فانكَشَفَت
.


2

البيوتُ استدارتْ إلى الموج.
دَقَّاتٌ خفيفةٌ على الأبوابِ
على أطرافِ الشبابيكِ
الإشارةُ:
السهرُ، يملأُ المقاطع.


3

لنسائها ثمارُ طقسٍ لاهبٍ.
لأيديهِنَّ لمسةُ فجرٍ زيتونيٍّ
في صباحِ العائلة.
الليلُ باكرٌ في عيونِهِنَّ
نعَسٌ وهواجسُ
قلوبُهنَّ سريعةٌ
توازي قلوبَ الرجال. 


4

ليس إلَّا من أجلِ الغرامِ
نزلَتْ غروزٌ هُنا:

 البنَّاؤونَ يملؤون الحجراتِ
بالغِناءِ،
قبلَ أن تكتمل.
يسترسلونَ بأعمدةٍ
بعد صَبَّةِ السقفِ، تعلو بأصواتهم.

يخَبِّؤون طوابقَ في الغروز.
رفَّةُ عمرٍ ليس إلَّا
ويستأنفُ أطفالٌ صيحتَها
بلادُ الوصايا.


5

مواعيدُها أُلْغِيَتْ
لكنَّهم يذهبونَ
في أوقاتِها.
الصمتُ من لوازمِ الوصول.
الإصغاءُ لكُلِّ نأمةٍ
إلى الفجرِ
الوقتُ الذي تشتَدُّ فيه المخاوف.
من لا يرجعُ
يكونُ اشتَدَّ عليهِ الحضور.

6

من أسرفوا منهم
في صفاتِ الشمسِ
تاهو في الدروبِ السهلةِ النازلة.
أشرقَتْ في كلامِهم
حملوا مناجلَ الآباءِ ذاتِها
سِرّاً وعلناً إلى الحقول.
عادوا بحِزَمٍ كثيفةٍ من العتم.


7

ليسَ إلّا دروبُ أيديهم.
تلالٌ محفورةٌ
يرونَ منها
الجهاتِ الرخوةَ
المشدودةَ ليس إلّا عليهم.

يكونونَ أقربَ إلى السماءِ
كما يعرفونَها.
لهم أنفاسٌ أخيرةٌ
عندَ أقربِ ضربَةِ معولٍ إليها
بلادِ المصائر.


8

هذهِ الأرضُ مسروقةٌ
مسروقونَ معها
عذابُها ليس إلَّا علينا.
لنا فيها أملٌ عجوزٌ
ويأسٌ من أيَّ نجدةٍ
قويٌّ، يساندهُ
يعرفُ الطريق.


9

عسفٌ وجمالٌ
في التفاتةٍ واحدةٍ
هذِهِ البلاد.
جارحةٌ مثلَ طائرٍ مجروح.
لا تَرِِقُّ إلّا حينَ ينخفضُ الغِناء ـــ
كُلُّ ليلةِ خوفٍ ليلةُ حُبٍّ
كأنَّها الأُولى.

 

10

حقولُها على الماءِ المسروق.
ماءُ نارٍ تسقي أشجارَها.
ثمارُ الأشجارِ هذِهِ
ستكونُ الأكثرَ ضراوةً
في هناءِ المواسمِ المرجوَّة.
من بذورِِها
واضحةٌ في أسمائهِم
وعلى وجوهِنا
ينظرُ الواقفونَ بأسلحةٍ إليهم
كاَنَّهم ثمارٌ غريبةٌ:
قطافٌ مريرٌ سوف يملأُ السنين.


11

أهذِهِ بلادٌ، كُلُّ هذا دمُها:
دمُ النساءِ والرجالِ
في إرثِ العائلة.
دمُ الأطفالِ تجري بِهِ الأيّامُ
يرتمي، بملابسِ لا وصولِهِ
كما تكون عليهِ القرابين.


12

دمُنا
من العروقِ كُلِّها
دمُ الأضاحي.
أهلُ البيوتِ نبنيها
من أجل صباحِنا ومسائِنا.
نفتحُ أبوابَها على الخرابِ
إنْ سلِمَتْ
نغلقُها علينا
أيَّةُ لحظةٍ قد تكونُ الأخيرة.
دَمٌ يتوزَّعُ
في محافلَ تلتوي بِها
بلادِ الشمسِ والعناصرِ
يشحبُ في صالاتِ تحجبها
يصبحُ اسمُها غريباً
قربَ صحنِ الصدقات.


13

أيستجدي أحدٌ بلادَهُ؟
نحنُ ندفعُ فِدْيتَها كاملةً كُلَّ يوم.
تُكَلِّفُنا ما نقدرُ عليهِ، وأكثرَ:
ما لا يزولُ
ما لا يُستعادُ حتَّى بها
ما من أجْلِهِ تكونُ البلاد.