Skip to main content

  وليد خازندار                        ما تخلّى أحدٌ عنا                             
  لم يكن هناك، في الأصل، أحد                                                                                    

جهات هذه المدينة
وليد خازندار
2015
ــــــــــــــــــــــــــــــ

غزة
النهار معجزة يومية
العشية أن يقاوم الجمال وينتصر

1

لكِ دارٌ صغيرةٌ على البحرِ، تلتفتين إليها تعرفين الزمان.

فجرٌ يستعيدُكِ من مكائدِ الليل. تستعيدُ أشرعةٌ ألوانَها وراياتٌ. هواءٌ باردٌ يأخذُ جسمَكِ كُلَّهُ، والموجُ ساكت. طيورٌ من الأفقِ الذي لا ترينهُ، البحرُ غامقٌ مثل السماء.

بريقٌ معتمٌ على الأصدافِ يكملُ أحلامَكِ. لكِ شرفةٌ ملكيَّةٌ هُنا، الزمانُ كثيفٌ ولا ترينها، حرَسٌ، مراكبُ محجوبةٌ عن العيونِ، ولا تريدين أن تغادري، صخرةٌ تلجأُ الطيورُ إليها تذهبينَ كُلَّ فجر.

الرملُ باردٌ وطريٌّ ويهتدي إلى خطوِكِ، يرسمُهُ في ترنُّحٍ، ربَّما من كثرةِ التفاتِكِ إلى البحر.

تريدين أن تلقي بجسمكِ إلى الماءِ العاري، أن تكون ثيابُكِ مرميَّةً على الرملِ آنذاك.

تلزمُ غيمةٌ تدنو وتحجبُكِ: تراكِ النوافذُ التي سهرتْ، النوافذ التي الآنَ تصحو، النورُ البرتقاليُّ قبل الشمسِ من وراءِ البيوتِ، يراكِ الحرسُ الملكيُّ ويُغضي، كُلُّ ما ترينهُ يراكِ.

الصيّادونَ قبلَ الغِناء. يجهِّزونَ شباكهم ليومٍ أقوى، في ضبابٍ كأنَّهم يحلمون. زوارقُ حربٍ رصاصيَّةٌ تَسُدُّ البحرَ في وجوهِهِم. لكنَّهم على مواعيدِهم مع الفجرِ مثلكِ.

ينادونكِ إن ابتعدتِ عن عيونِهم، أو حينما تقتربُ الطائرات.


2

بَحّارةٌ في الأصلِ، أُغلقَ البحرُ دونهم.
ليس غيرُ شِباكٍ يرتقونها

مراكبُ تتململُ في الماءِ القريب.

مكشوفةٌ تمتماتُهم
ليست عن الوَحشةِ، أو كثرةِ الحواجزِ
بل عن مواسِمَ لا ترجعُ في كلامِها.

سماؤهم مسيَّجةٌ بخطوطٍ بيضاءَ في تقاطعٍ
قفصٌ دون الجهات.
لهم خِبْرَةٌ بالموجِ

يعرفون عن اللجَّةِ أبعدَ مما يرون.

في خيالِهم شواطئُ يسرفون إليها
قمرٌ يجذبُ الماءَ
يأخذُ قلوبَهم إلى مقاصدِها.

أفكارُهم موصولةٌ بأشرعةٍ
ينعطفُ المَدُّ كُلَّما انعطفتْ إليه.
لا يُطْرِقون، لا يُؤخذُ من يقينِهم
إلّا إذا استبدَّتْ بهم الأغاني ــ
أغلبُ معانيهم في الغرام.


3

يصحو من ذهابِكِ. النعومةُ أكثرُ ما يوقظُ في مدينةٍ فضاؤها طاسةُ رجَّةٍ مقلوبةٌ عليها. إن بدا لها نهارٌ قويٌّ، أغارتْ عليهِ الطائرات. تهوي البيوتُ المقصوفةُ، ترتجُّ البيوتُ القريبةُ منها، البيوتُ البعيدةُ تشرئبُّ وتصغي.

تتسحَّبين في خِفَّةٍ من جوارِهِ، تكونُ يمينُكِ عليهِ، شِمالُهُ عليكِ، تشُقِّينَ ستارةَ البحرِ، مراكبُ خطفٍ في انتظارِكِ.

رشاشُ الماءِ في الحمّامِ، غناؤكِ الخفيضُ، صمتُكِ بين المقاطعِ، سقوطُ الصابونةِ من يديكِ.

بلادٌ يصعبُ الوصولُ إليها تأتي من قهوتِكِ المغليَّةِ، قد تكونُ من هنا عثرةُ فنجانِكِ على صحنِهِ، رشفُكِ في سُرعةٍ، همسُكِ بينما تلبسين: كما لو تطلبينَ من وصيفاتٍ ألّا تعلو أصواتُهنَّ كي لا يصحو.

عطرُكِ أجنحةٌ خفيفةٌ، وسواسُ حيرتِكِ بين الخواتِمِ، عثرةُ أصابعِكِ على إبزيمِ الصندلِ، بحثُكِ الطويلُ عن المفتاحِ، في قِلَّةِ صبرٍ، كأنَّ حرساً يتململ.

هواءٌ باردٌ حين تفتحين البابَ، تغلقينهُ في جذبتينِ خفيضتينِ، تتأكَّدينَ منهُ، كأنَّكِ لن تعودي.


4

البحرُ جهمٌ تتقَطَّبُ على جبينِهِ خطوطٌ متعرِّجةٌ تتلاحقُ في رَيَثٍ إلى الشاطئ. المراكبُ الصغيرةُ الزرقاءُ تعلو هادئةً براياتِها وتنخفض. رماديَّةٌ هي الآنَ في الضبابِ كأنَّها تحلم.

عصفورُ شمسٍ من الشجيراتِ الأقربِ إلى الملح. خفيضٌ ويجرحُ الفجر. تغريداتٌ طويلةٌ مُلِحَّةٌ، يصمتُ ثم يستأنف. في بسالةِ نبرِهِ، في احتجابِهِ بين الأوراقِ ما تفهمين.

الصيّادونَ في شِباكِهم، يتبادلونَ النظرَ إلى الفضاء. بناتُهم وأولادُهم يتعلمون الفجرَ قبل المدارس. يرفعون عيونَهم إلى الطيورِ تدنو وتبتعدُ، تتجمَّعُ ثمَّ تفترق. أصواتُها ناشفةٌ تزيدُ الفضاءَ جهامةً.

الهواءُ مالحٌ، يأخذُ جسمَكِ ثانيةً، والحَرَسُ الملكيُّ ساكت. بعدَ صحوٍ أكثرَ يختفي، يمرُّ بِهِ الزمان. 


5

يبدأُ الصيّادونَ الغِناءَ، يستأنفونَ المعاني وتمضي بهم. لا يرون الأفقَ بَعْدُ، لكنَّهم يرسلونَ أصواتَهم إليه.

أسرارُهم قليلةٌ، منشورةٌ دون اعتراف. واضحونَ إلّا إذا أسرفوا. لا تعرفينَ إن ابتعدوا في كنايةٍ أيقصدونَ امرأةً، داراً، أم بلاداً: في النبر ما ليس في الكلام.

تكتبينَ غِناءهم في الدارِ الصغيرةِ على البحرِ، تقرأينَهُ يصيرُ أوضح. تسألينهم في السهرةِ عن صوتِ البحرِ في معانيهم وصمتِهِ؛ لماذا الغِناءُ بينما مراكبهم ممنوعةٌ، يصير كلامُهم أبعد. 

يكلِّفونَ الطيرَ ما لا يستطيع من الرسائل. يستحلفونهُ أن يَمُرَّ بأحبابِهم، أن يسلِّمَ، أن يعودَ بالأخبار.

يخاطبون الموجَ دون كُلْفةٍ، كأنَّهُ واحدٌ منهم، بل إنَّهم يعنِّفونَهُ: لماذا لا يعودُ بأحبابِهم، لماذا يُرجعُ مجذافاً دون مركبِهِ، يرتمي وحدَهُ على الرمل؟


6

أشرعةٌ يقولونها في سِرِّهم
الإبحارُ من جنسِ المسافةِ
القصدُ جزءٌ من الوصول.

حكاياتُ الرملِ في كلامِهم
أسرارُ الماء.

يسهرون إلى فجرٍ يستيقظون دونَهُ ــ
ليس فجراً هذا
فضاءٌ فاغرٌ، مِديةٌ.

إصغاؤهم إلى قلبِ السكون
قادِمٌ ما يزالُ يأتي
كأنَّما إليهم وحدَهم.

يغالبون الموجَ مثلما يغالبونَ الترابَ
يأخذُهم أو يردُّهم
فيغالبون من جديد.

لهم وِجْهَةٌ في ضربةِ المجذافِ
في ضربةِ المعولِ
مجازٌ إلى ما يقصدون.
سؤالُهم عن الأفقِ
هل يحفرونهُ ليعبروا؟


7

غيومٌ رماديَّةٌ تستردُّ هيأتَها، ضوءٌ من الحرَّاقاتِ يكشفُ وجهَ البحر. طيورٌ خلف وثباتِ الموجِ الهادئةِ، غِناءُ الصيّادين.

تلتفتينَ إلى بيوتِ الشاطئ. الضبابُ يجعلُ الشرفاتِ تحلم. ربَّما لأنها خواطرُ في الأصلِ، وردتْ في الخيام. من لجأوا إلى ما تبقّى خيَّموا هُنا على عَجَلٍ. دارت بهم أعمارُهم، بنوا بيوتاً تحتمي بالعاصفة.

شرفةُ أحلامكِ بين البيوت. قميصُ نومِكِ على الحبالِ أمامَ الموج. بعيدٌ وصغيرٌ يلعبُ الهواءُ بِهِ، ربَّما لأنَّهُ لعروسةٍ.

“يكونُ الآنَ يسمعُ الأخبارَ، تقفزُ الإذاعاتُ بين أصابعِهِ. يُخَلِّصُ الصباحَ من صحوتي قبل أن يغادر. يغلي نصفَ القهوةِ المتروكِ في الركوةِ المُغَطَّاةِ بصحنِ فنجاني لأجْلِهِ. أرجعُ قبل أن يعود. أرى يدَهُ مَرَّتْ على غيابي. أعادتْ ما تاهَ من يدي إلى مكانِهِ. رَتَّبَتْ صيغتي مثلَ أوَّلِ ليلةٍ.

” أنسى قميصَ نومي مكشوفاً على الحبالِ يزعلُ مِنّي. أصالحُهُ فيرضى. أقولُ لهُ أنا العروسُ الملكةُ أنتَ عريسي. أُطلبْ يدي. خذني إلى الشرفةِ الملكيَّة. لُمَّ قميصَ نومي معي، أصيرُ مواطنة”.


8

زوبعةٌ تبيتُ إلى شِمالِهِ، تحلمُ أنّها عاصفة: لا ترتِّبين فوضاكِ قبلَ أن تغادري، فيرى يديكِ الشاردتينِ على الأشياءِ، تداهمُ الدارَ وحشةٌ.

أَساوِرُ أقراطٌ وعقودٌ هُنا وهناك. صينيةٌ وركوةٌ مُغَطّاةٌ على نصفِ قهوتِها بصحنِ فنجانِكِ، على طرفِ الطاولة. قمصانٌ وشالاتٌ على أكتافِ الكراسي. العروسةُ القماشُ تنظرُ إلى البابِ في طيبةٍ غريبة.

قميصُ نومِكِ منشورٌ أمام الكون. كم مَرَّةً قال لكِ الناسُ لا يحبونَ هذا هُنا؟ أنَّكِ جميلةٌ وشاحبةٌ، سارحةٌ غالباً، ينزلُ على عينيكِ شعركِ، ترفعينهُ في نفضةِ المهرةِ رأسَها، لا يعني هُنا أن تفعلي ما تشائين.

تعوَّدَ من أوَّلِ نظرةٍ عليكِ. في خطوِكِ بين الأعلامِ والشعاراتِ، ما أصبحَ من أوصافِكِ: توجُّسُ الطريدةِ، رشاقةُ المحارِبة.

 رأى في عينيكِ قلبَكِ مكشوفاً مُهَدَّداً، في وجهِكِ ما صارَ من قسماتِهِ: توتُّرُ كرمةٍ في تأخُّرِ المواسمِ، انشغالٌ إلى آخِرِ العناقيد.

مشدودةٌ إلى صيغةِ الجمعِ بين الهتاف. للناسِ معجزةٌ يوميَّةٌ هُنا. نهارٌ دون رأفةٍ مشغولونَ فيهِ، مثلكِ، بأحلامِهم. أهلُ بحرٍ، لم يبق لهم من الأفقِ إلّا أن ينظروا إليهِ، لهم مهاربُ في الأرضِ من أجلِ أن يبقوا عليها.


9

ينشرونَ في صحفِ الهواء.
كلامُهم كبيرٌ وليسوا خائفين:
صيغةٌ قَطْعٌ لما قيل في رخاوةٍ قبلهم.

غِناءٌ بشفاهٍ ناشفةٍ
كناياتٌ قريبةٌ
يدركُها كُلُّ عابرٍ في مجازاتِهم.

من لازمةٍ في وقتِها
لا تعودُ أيّامُهم خفيضةً
أصواتُهم تعلو.

الأشجارُ آنها في عملِ السرِّ
النسغُ في كأسِ الثمارِ المحجوبة.

غِناءٌ بجروحٍ كثيرةٍ
ماءُ زهْرٍ وماءُ نار.
المعاني مرميَّةٌ في الشوارِعِ
الوصايا على الجدران.

عيونُهم على الجَنَّةِ، وراءَ ما يؤلمُ
ينظرون مُباشَرَةً في صميمِ الضوء.


10

نورٌ من الصحراءِ قبلَ الشمسِ، داكنٌ وراءَ البيوتِ، على قِمَمِ النخيل. يتوقَّفُ الصّيادونَ عنِ الغناءِ بينَ المقاطِعِ، ينظرُ بعضُهم إلى الميناءِ القديم.

هل يرونَ مراكبَكِ المحجوبةَ، يسكتونَ عنها؟ أيعرفون أنَّها في انتظارِكِ، أنَّكِ لا تريدين أن تغادري؟

ينظرُ إليكِ في نومِكِ، يصغي إلى الفضاءِ، في خواطرِهِ مراكبُ لا تغادرُ، سفنٌ لا تعود.

” تنحسرُ عَنِّي ملاءةٌ، يَرُدُّها. تَمُرُّ أصابعُهُ في خفَّةٍ على حاجِبَيَّ. أرى هذا في أحلامي في جناحِ نومي في قَصْريَ الملكيِّ، ولا أخبرهُ. أريدُ أن تبقى يدُهُ عليَّ من أسراري. نظرتُهُ حجابي عن مكائدِ الليل”.

تعوَّدْتِ من أوَّلِ نظرةٍ عليه. في خطوِهِ بين الناسِ، تحت الشعاراتِ، عُزْلةٌ تعرفينها، أنتِ المشغولةُ بالمسافات. في صمتِهِ وسطَ الهتافِ جهامةٌ لم يصدِّقها قلبُكِ، رِقَّةٌ شديدةُ الصهرِ حين يلتَفِت.

أردتِ أن تنخطفي آنها بفديةٍ لا يستطيعُ أن يدفعَها غيرهُ، أن تدُلّيهِ على مهاربَ بكِ، لن يهتدي إليها دونكِ. لكِ قَصْرٌ مَلَكيٌّ هُنا لهُ نفقٌ إلى البحر.

 

11

أحلامُكِ عالية. تنامين بينما تكَلِّمينهُ، ثُمَّ تغيِّرينَ الكلام: قصرٌ، أبراجٌ على كُلِّ الجهات. حَرَسٌ وحاشيّةٌ، وصيفات.

تأمرينَ في رقَّةٍ: أضيئوا القصرَ كلَّهُ. إفتحوا نوافذ البحر. لماذا هو ساكتٌ هكذا؟

صوتُكِ في المنامِ نفْسُهُ وأنتِ يقظى: طاغٍ، خفيضٌ، يبدأُ المعاني، ويتركُها، ويبدأُ من جديدٍ، قليلُ الصبرِ من كثرةِ انشغالِهِ، يغلي.

لكِ شرفةٌ على الموجِ في كلامِكِ، فجرٌ وصيّادونَ في الغناء.

يجيءُ ما تخافينهُ: أغلقوا باب الصحراءِ، تقولينَ، أَغْلِقوا أبوابَ المدينةِ كلَّها. لماذا قطعَ الصيّادونَ غناءهم؟ هل رأى الرصاصيون مراكبَنا المحجوبة؟ ما تلك العيونُ تكبرُ في عتمةِ الأروقة؟

تستيقظينَ، يمينُكِ على صدرِهِ، شمالُهُ عليكِ، محميَّةً بين البيوتِ المُهَدَّدة. تنشَقِّينَ منهُ في خِفَّةٍ، كي لا يصحو. نومُ المُطارَدِ نومُهُ، نومُ الجميعِ هُنا.


12

نارٌ في ليلِهم، تَكْبو ثم ترتدُّ.
سافرةٌ وتأخذُ العمرَ جانباً
مؤنسةٌ جارحةٌ

نجوةٌ أو هلاك.
مجازاتُهم مُرْسَلةٌ
من عبورِ النهرِ، في ومضةٍ
إلى مشهدِ البحرِ والمراكب.

توقَّفوا، من آخِرِ هجرةٍ

عن قراءةِ الأعمدة.

في كلامِهم صفةُ المنازلِ التي تهوي
والتي تبدأُ من جديدٍ
عطشُ الزهورِ تشربُ من ألوانِها.

جهةٌ مكتوبةٌ عليهم
قريبةٌ حين تتسعُ الأغاني.

كثيرون منهم غيَّروا أسماءَهم.
ليس من كثرةِ الرسائلِ

أَنَّهم ظلّوا على أملٍ:
ما أورقوا مَرَّةً إلى عناوينِهم
إلّا بغربةِ التلفُّتِ

حين يناديهم أحد.


13

لا يراكِ أحدٌ إلّا وتربحينهُ. ربَّما لأنكِ تأتينَ من حلمٍ إليهم. يُحِبّون رِقَّةَ العابرِ في صوتكِ، كياسةَ ابن السبيل.

تكلِّمينهم، تنفتحُ قلوبُهم عليكِ. أهلُ بحرٍ، يعرفون الدرَّةَ ما أن يرونها. مرورُ أصابعكِ على الحريرِ يخطفُهم في سوقِ القماشِ، إلى يدكِ في دكاكينِ التوابلِ، تفركُ الزعترَ البريّ.

ينحرفونَ في وصفِ فواكهِهم حين يرونكِ. ينظرون إليكِ بعينِ الرِضا. يُحِبّون نفضةَ المهرةِ رأسها حين ترُدّين عن عينيكِ شعرَكِ. يخطبونكِ حين يعرفون أنكِ من هُنا، من دارٍ صغيرةٍ على البحر.

أصحابُهُ يسألونَهُ عنكِ، بين الشجر الذي يحرسُ المدينةَ، يقولونَ أين العروس. ربمَّا لأنكِ مثلُهم، تكملينَ في الصحوِ أحلامَكِ. تثقينَ بالفجرِ، وهو رصاصيٌّ حين يكذبُ، لا شمسَ من ورائِهِ.

يعزمونكِ على شايٍ وكعكٍ، تقبلينَ في سُرْعةِ الكريم. هل يرونَ في عينيكِ قلبَكِ، مكشوفاً مُهَدَّداً مثل بيوتِهم.

14

يتركونَ تدابيرَهم

ينصتونَ إلى الفضاء.
الدويُّ لم يزل يتفتَّحُ صامتاً في الهدمِ
في شمسِ الساعاتِ المحروقةِ
يتراجعُ نسغٌ في الأشجارِ المرميَّة.

الحجراتُ التي يعرفونها

لا تجيءُ معهم ــ
كيف أمكن مَرَّةً بابٌ هُنا
في مساءِ الخير؟
كيف ارتقى دَرَجٌ إلى الضحكاتِ السريعةِ
أتستدركُ الأُلفةُ الزوايا

يُستعادُ بيتٌ بالحجارةِ نفْسِها التي هَوَت؟

يحرِّضون نافذةً

يفتحونَها على المَصارع.
يُوَتِّرون خيوطَهم

يُعَشِّقون حجراً بحجرٍ ــ
ما إنْ تتشكَّلُ زاويةٌ تبدأُ السُكنى.


15

 موجةٌ تنفردُ كأنَّها من أفقٍ أوضحَ من هذا، تكملُ اندفاعَها إلى أبعدِ ما وصلَتْ إليهِ موجةٌ في أيِّ فجر. تصلُ إلى قدميكِ الحافيتينِ، إلى رسغيكِ، تتركُ جَيَشانَها عليهما، تتنَهَّدُ، ثُمَ تنسحب.

متى إذن، إن لم يكن في وقتٍ كهذا، تلقينَ بنفْسِكِ إلى الماءِ العاري، ثيابُكِ مرميَّةً على الرملِ آنذاكَ؟

“البناتُ والأولادُ، الفارساتُ والفرسانُ، إلى جوارِي. نعبرُ النَفَقَ المحفورَ من أجلي، من قصريَ الملكيِّ وسطَ المدينةِ إلى الشاطئ.

“بنتٌ فارسةٌ تميلُ إليَّ تسألني عن عريسي. أقولُ أراهُ في أحلامي، في دارٍ صغيرةٍ على البحر. تكونُ يميني على صدرِهِ، شمالُهُ على شَعري، مطمئنَّةٌ بين بيوتٍ مكشوفة.

“الوصيفاتُ يأخذنَ تاجي عنِّي، ثيابيَ الملكيةَ كلَّها. عيونُهنَّ تغفو عليَّ وتصحو. الفارساتُ والفرسانُ ينظرون من تحتِ حواجبِهم. الحرسُ الملكيُّ ينظرُ إلى كُلِّ ما حولي. أركضُ إلى صوتِ الموجِ، تسمعُهُ المدينةُ منذ الأزل”.


16

لم يكتمل بناؤها

منذ اشتقاقِ الحجارةِ
مدينةُ السفينةِ والقافلة.
دهليزُ الملوكِ والعصاةِ

مرسى مراكبهم بعدَ الهديرِ

مربطُ خيلِهم بعدَ السرابِ
منذُ إدراكِ الزمان.

تغفو لبثةً على التَرَقُّبِ
تصحو عليه.

كم صاحَ غيابٌ في بيوتِها
تكوَّمَتْ حجارةٌ في رؤوسِ الزوايا ــ
على طريقِ النجدةِ المهجورِ
أختُ عرائسِ البحر.

17

الصيّادونَ ينظرونَ إليكِ تقتربينَ منهم. تلوِّحينَ لهم بصباحِ خيرٍ، وتردُّ أيديهم. تجيءُ في غنائهم عروسُ بحرٍ تصيدُ عيونَهم وقلوبَهم. تحبّينَ أن تظنّي أنهم يقصدونكِ.

“أَخرجُ حوريَّهً إلى الشاطئ. الوصيفاتُ عيونُهُنَّ غافيةٌ عليَّ. لو كان حبيبي لغطّاني؟ لا أراهُ في أجنحةِ نومي ولا في قاعةِ العرش. أعبرُ نَفَقي إلى الشاطئِ لا أراه. أبحثُ عنهُ في أبراجِ سورِ المدينة.

قبطانُ أحلامي. أريدُ أن يتبادرَ إليَّ. أن يراهُ الحرسُ والوصيفاتُ. أن يصدِّقوا أحلامي”.

تلتفتين إلى جهةِ البيوتِ التي انقصَفَتْ أعمارُها. جاءتْ النارُ آنها ناشفةً من الصحراءِ سريعةً من الفضاءِ المهجورِ، ثقيلاً من الحرَّاقاتِ، طارت أرواحٌ حين هَوَت الأعمدةُ، طارت عصافير. تنظرين إلى الصيّادينَ، بناتِهم وأولادِهم، يبتعدونَ في الغناء.


18

لا رادَّ لهم، يتداعون بين المعاني
يقولُهم ما يسكتون عنه.
يبحثونَ، دون لجَّةٍ تكفي
عن جذورِ عاصفةٍ يعرفونها
في الأرضِ عن مرتفعاتٍ مدفونةٍ
يطلّون منها على الكون.

معاولُهم أشرعتُهم.
فضاؤهم أليفٌ، على تجهُّمِهِ
من كثرةِ النظرِ إليه.

تنفتحُ لهم طاقةٌ في الأعالي

يكون القدرُ صافياً.
يمكن أن يرسلوا منها مطالبَ
أن يروا وجوهَ أطفالِهم:

أفي الجنةِ وسَعٌ لملائكةٍ لا تعرفُ شيئاً
لم تكد تمشي على الأرضِ
لا مجاذيفَ في سِرِّها، لا معاولُ
لا إبحارُ ولا مرافئ.

ينكسرُ كلامٌ في خواطِرِهم
ليس غيرُ هذا البحرِ

يأخذُ أصواتَهم إلى الصدى
غيرُ يابسةٍ

يشقّون فيها حياةً كتيمة.


19

عصفورُ شمسٍ على الشرفةِ، يتلفَّتُ ثُمَّ يطير. يلاعبُ الهواءُ قميصَ نومكِ، تذهبين بهِ إلى أبعدِ ما يمكنُ الوصولُ، يرتفع صوتُ المدينةِ، هادئاً.

يحدِّثُ نفسَهُ عنكِ وعنها، أنتِ مخطوفةٌ منهُ دونَ رأفةٍ، وهي مسروقةٌ في الزمان: لا الأمسُ يفتديها، ولا غَدٌ قويٌّ كفايةً تستيقظينَ عليه.

يرى قلبَكِ مكشوفاً مثلَها في شرودِ يدِكِ عن فنجانِكِ في القهوةِ العالية، في سكوتِكِ تنظرين إلى البيوت. لا يقدرُ أحياناً إلّا أن يأخذَ يدَكِ بين الناسِ، يبتسمونَ، تكتشفانِ معاً أنَّ الحُبَّ يسعدُهُم هُنا.

أكثرُ ما يخافُ عليكِ من الفجرِ، من كل ما يمكنُ أن يتنكَّرَ في هيأةِ أملٍ كبير. إلى أين يأخذُكِ البناتُ والأولادُ قبلَ المغربِ، تعودينَ في كبرياءِ زهرةٍ في التفاتِها إلى الشمس؟


20

يعودُ الصيّادونَ إلى الغرام. الموجة أُنثى، الحبيبةُ بيتٌ ومأوى. بناتُهم وأولادُهم نَسْلُ ما يسمعون.

“يُمَيِّلونَ عليَّ قبل المغربِ، يأخذونَني من يدِي، أنا العروسُ، إلى الصخرةِ تلجأُ الطيورُ إليها كلَّ عصر.

“يدورونَ بيَ السوقَ القديمةَ، نمشي على مهلٍ في شوارِعها المسقوفةِ من أجْلي. يشرحونَ لي أقواسَها، والفروقَ بين الأعمدة.

“ذكرياتُهم قبلَ أعمارِهم، منذُ أن تعشَّقَتْ حجارةٌ حجارةً في المدينة. يحكونَ لي عن ملكةً في زمنِ المدينةِ كان لها نَفَقٌ من قصرِها في الحارة القديمةِ إلى شرفتِها على الشاطئ. كانت جميلةً وعنيدةً، يقولونَ، فأسكُت.

“أسيرُ معهم في أحلامِهم. هتافٌ وأعلامٌ. لكُلِّ ولدٌ بنتٌ لا ينظرُ إلّا إليها. لكُلِّ بنتٍ صبيٌّ تنظرُ إلى الناسِ كُلِّهم قبلَ أن تنظرَ إليه.

“يكشفون لي أسرارَ قلوبِهم، نسلُ أحلامي. أريدُ من حبيبي فارسةً أو فارساً مثلَهم على صورتِهِ. منذ أن قال لي تعالي وجئتُ أردتُ هذا”.                            


21

أوصياءُ، أرضٌ أخيرة.
قد لا يرثونَ إلّا حجارةً

فيعاودونَ البِناء.
الجدرانُ التي استندوا إليها
حين مشوا، أوَّلَ مرَّةٍ
تهوي حولَهم.

كأنهم دون وِجْهَةٍ
من كثرةِ ما يسألون:
لماذا الفضاءُ لامحميٌّ
الأرضُ تنقضي منزلاً منزلاً
والزمانُ واقفٌ؟
ما كفَّ عشبٌ في كلامِهم يجرِّبُ صخرةً
بذرةٌ تشقُّ معبراً إلى السماء

مِنْ إرثِهم

قوةُ الجذورِ في رخاوةِ المواسم.


22

لا يكتملُ حلمٌ هُنا، كُلُّ من يولدُ منذورٌ، كُلُّ ما يُبْنى مُهَدَّدٌ. لكل منزلٍ مخاوفُ يصحو عليها.

لا يوجدُ أين يحتمي من يريد أن ينجو، يحملُ الناسُ أحلامَهم ويندفعون.

الصدعُ في الجدارِ يعلو في الدارِ الصغيرةِ، الدويُّ لم يزَل في الأعمدة. الأرضُ انشالت بكما، فَجْرَها، وهوَتْ. ألقيتِ بنفْسِكِ على صدرِهِ، الوِجْهةُ التي يختارُها اندفاعِكِ.

لا بُدَّ من زمنٍ، ولو خاطفٍ، لتعرفي أين أنتِ: أفي الدارِ الصغيرةِ على البحرِ معهُ، أم إنَّهُ معكِ في جناحِ نومِكِ في القصر؟ بأيِّ ثيابٍ سريعةِ تسبقينهُ إلى الناس؟ أأنتِ الملكةُ الآنَ أَم المواطنة؟

من تنادينَ لتطمئني، تحبينَهم كُلُّهم ويحبونكِ، كيف تعرفينَ الفروقَ بين المنازلِ في هذا الخرابِ، من الذي نجا، من الذي لم ينجُ، من لا يزالُ تحت الهدمِ، واقفةٌ صيحةٌ على شفتيهِ، أطَرَفُ ثوبٍ هذا؟


23

غيومٌ رماديَّةٌ نحو المدينة. لا ترينُ الأفق بعدُ، لكنَّكِ الآنَ تحاذينهُ. تعلو ناياتٌ من الخيامِ، قربَ البيوتِ المضروبة.

ترينَ الأطفالَ القتلى في الشوارعِ، ينظرونَ ولا يرونكِ، كأنهم لا زالوا يحلمون. 

“لا تعودوا ثانيةً”، تقولين، “تنقضُّ الأجنحةُ الرصاصيَّةُ عليكم، تنفضُ غباراً أبيضَ يحرقُ أجسادَكم. سيروا في نومِكم أبعد”.

ترينهم يرتفعونَ عن الأرضِ قليلاً، أرضُ الأيّامِ التي لن تَمُرَّ بهم، أرضُ مسقطِ عيونِهم نظرَتْ مباشرةً إلى الأشياءِ، شفاهِهم غيَّرتْ أسماءَها.

“لم تعرفوا من أين تأتي الثمار”، تخاطبينهم، “لم تعرفوا أمَّهاتِكم وآباءَهم إلّا في اقترابِ الشجرةِ الصغيرةِ من الشجرةِ الكبيرة، إلّا كما تستدلُّ القطط”.


24

ملحٌ على كُلِّ فجرٍ
منذ أن حملوكم خفيفينَ

من كثرةِ الغياب.
سهروا قرب وجوهِكم

لعلَّكم تعودون إليها:
عيونُكم على نصفِ إغماضةٍ
كأنكم ذاهلونَ
من قدرةِ هذا النعاسِ الغريبِ عليكم.

أصغرُ من أن تسيروا نائمينَ

إلى بُعْدٍ كهذا
من أن تخرجوا من لا أبوابِ بيوتِكم
من لاجدرانِها وسقوفِها الثقيلةِ

وحدَكم، بعيونٍ وشفاهٍ كهذهِ.

ملحٌ على كُلِّ فجرٍ، ملحٌ في عيونِهم.
يفكِّرونَ في السنينِ السليبةِ
ما أشارت إليهِ أصابعُكم
قبل أن ترتخي عن الزمان.

يستعيدونكم جاهزينَ للمرايا
تشبهونَ أنفسَكم إلى حدٍ أخير.
تنظرونَ في الفراغِ دون أن تطرفوا
على نصفِ إغماضةٍ

على آخرِ ما رأيتم.

تعودون أدراجاً

لا يستطيعُ غيرُكم أن يعودَها
تقطعونَ من الجهةِ الثانيةِ

دون أن تتلفَّتوا
من كاملِ ترابِكم، لأوَّلِ مَرَّةٍ

دون مُنازعٍ
عيونُكم رأتْ ما يتعذَّرُ وصفُهُ
لا يستردكم أحدٌ من هذا السلام الغريب.

أليس مؤلماً أن تصبحوا طيوفاً
أن تُخَلِّصوا رموشَكم وحواجبَكم من النار.
ما تعوَّدتم بعدُ على أسمائِكم
كي ينادوكم فترتدّون عن بُعْدٍ كهذا
تنظرونَ ولا تعرفونهم
كأنهم لم يرفعوكم عالياً ويُقَبِّلوكم

كُلَّما اندفعتم إليهم
كأنِّهم لم يردُّوا عليكم طيلةَ الليلِ الأغطية.

ينظرون الآن إلى ثيابِ المقاساتِ الصغيرةِ
يحسبون أعمارَكم
يرونكم تنظرون إلى الأشياءِ، تنادونها
يسمعونكم تقلبون الحروف.

نظروا إلى الأفقِ

بينما ينظرون إلى أقدامِكم
معابرُ أقلُّ نشافةً، بواباتُ انتظارٍ أوسعُ

شغلتْ أيامَهم.
أرادوا ما أرادتْ عيونُكم
على نصفِ إغماضةٍ هي الآن في خيالِهم
على آخرِ ما رأيتم.

يسمعونكم تلعبونَ في الفناءِ
بأعمارِكم، وكما كان يمكنُ أن تكبروا.
كيف تُمْكِنُ فديتُكم
لا عينَ لكم بعينٍ ولا شفةٌ بشفةٍ؟
الأوجعُ أنكم تبتسمون عشيَّةً
في أماكنَ شاغرة.


25

حلمٌ أقوى، أشرعةٌ أكثرُ جرأةً. أتأخذينَ الأطفالَ إلى مراكبِكِ المحجوبةِ كي يلعبوا، لا ينامون باكراً، لا يخرجُ الجنودُ إليهم يسلبونَ أيّامَهم؟

ما وصلَتْ مراكبُ منذُ تلكَ التي لم تنجُ. الأجنحةُ الرصاصيَّةُ انقَضَّتْ عليها. انتظرها الناسُ يحملونَ أطفالَهم، رفعوا أعلاماً وراياتٍ وعادوا بها خفيضةً.

بحرُهم مسدودٌ، الصحراءُ دونهم بِأسلاكٍ وحديدٍ، سماؤهم ليست لهم، ليس يبقى غيرُ طعمِ ملحٍ وتراب.

مطويَّةٌ سنواتُهم عليهم، لا مواعيدَ ليومِهم، أمسُهم لا يشفعُ، الغدُ خائرٌ في جهاتِهم. 

واضحونَ، أرضُهم كُلُّها، الأقصى من حيث يبدأون.


26

لم يرجع الصيّادونَ بَعْدُ من الغِناء. تعود إلى كلامِهم شواطئُ ما انسرَقَ منهم. يقفونَ على مطالعَ تشرفُ على ما يملكون: غرفٌ مسقوفةٌ دونَ شروخٍ، أعمدةٌ أقوى.

صمتُهم ليستدِلُّوا، يستأنفونَ المقاطعَ تأخُذُهم، ليس إلّا إيقاعُ بحرٍ واحدٍ، هو هذا، يسندون نبرَهم إليه.

تريدين أن تتحدَّثي إلى القسوةِ التي عليهم وجهاً لوجه. لا وقتَ لديهم كي تتحدَّثي إلى الزمان.

لهم حوائطُ كثيرةٌ ليبكوا عليها، لكنهم مشغولون بما تبقّى. إن علا نايٌ عشيَّةً واسترشدْتِ بهِ تجدينَ الجميعَ في العراء. تعرفينَهم من بيوتِهم.


27

مغلقةٌ جهاتُهم عليهم
يقرأونَ كُلَّ غيمةٍ كبيرةِ
في كِسْرةِ الشمسِ، النجوم:
أيكونُ عتمٌ أكثرُ من هذا؟

يقطعونَ من ثغراتٍ يعرفونها
في أسيجةٍ رافقَتْ أعمارَهم.

تنشفُ الحقولُ
يحفرون، إذَنْ، في الأرضِ مساربَهم
كُلَّما أدركوا من قبلِهم أثَراً
زادتْ متاهَتُهم
دروبُهم محجوبةٌ لهم.

يتركونَ لأولادِهم أوصافَ ما يملكون:

المنازلُ
الحدائقُ، الأرضُ المحيطةُ
حقوقُ الشُفْعَةِ والارتفاقِ والتصرُّف.

يتركون ما لا يزول:
خواطرُ دارتْ مع المفاتيحِ في أقفالِها
الخروجُ يداً مع الفجرِ في يدٍ
ليس خلسةً.
العودةُ في المساءِ دونَ تلفُّتٍ
ركضُ القلوبِ إلى الأبوابِ
تصنيفُ الدقّاتِ عليها بأنواعِ المحبَّة.
الاطمئنانُ إلى الوسائدِ
النومُ وسطَ الحلمِ، ليس على أطرافِهِ.

يتركون محاضرَ كلَّها شَغَفٌ:
مجاورةُ الرعدِ للعاصفةِ
قرب بيوتِهم، فتعصفُ أقوى
تفسيرُ ما يوسوسُ الحفيفُ إليهم
في اقترابِهم من الكمائن
تأويلاتُ صمتِ الحقولِ عن هذا كُلِّهِ.

يتركونَ قوائمَ غيبٍ:
ما يلزمُ الليلَ من أعمدةٍ ليصبحَ آمناً
ما يلابسُ الضوءَ من ظلالٍ
ما تُخْبئُ الشمسُ في البذورِ دريئةً
فلا تذهبُ أعمالُهم من أيّامِهم إلّا بخيانةٍ.


28

زوبعةٌ. يعلو رملٌ إلى وجهِكِ، ينزلُ شعرُكِ على عينيكِ، ترفعينهُ نَفْضَةَ المُهرةِ رأسِها. تلتفتين إلى شرفةِ الدارِ الصغيرةِ، إلى شرفاتِ الجيرانِ، شبابيكِهم:

“يفتحونَ أبوابَهم في عودتي إلى الدارِ الصغيرة. يقولونَ مَرْحَبا. يسلِّمونَ عليَّ، يأخذونني من يدي إلى بيوتِهم.

 للغائبينَ رسومٌ على الجدرانِ، بعضُهم يبتسم. لم يرجعوا لكنهم يملؤون الحجرات.

يدرسُ الأولادُ على مصابيحِ الكازِ تاريخَ الحضارةِ، ينجحون. يفتحون لكِ قلوبَهم، النورُ المقطوعُ يأتي من عيونِهم.

يضيِّفونني شاياً، وكعكاً من عَمَلِ أيديهم. للسكَّرِ والسمنِ ذاكرةُ العزاءِ، لكنَّهم مشغولونَ بغيرِ هذا”.

كيف تبدأُ النهاراتُ كيف تنتهي، قلقُ العشيِّةِ منذ الصباح.  الصيّادونَ البناؤونَ قد لا يرجعونَ بحاجاتٍ قد تكونُ الأخيرة. قد يجري دَمُ عائلاتِهم على الشاطئ. تنقضُّ الطائراتُ عليهم، تحرقُ أعمارَهم.


29

يحفرونَ إلى عتمةٍ أقوى
ربَّما يلمعُ عِرْقُ الذهب.
جذرُ الأفقِ هُنا
على نِيَّةِ أن يعودوا
الهواءُ المشكورُ، دليلُهم، قد لا يجيء.

أقربُ إلى السماءِ من أيِّ وقتٍ
وتكون أبرقتْ هواجِسُهم
عندما يتوقَّفون:
أيُّ خطأٍ في الخيالِ قد يودي بِهم
إن صادفوا جذعَ صخرةٍ
كلَّفهم يومينِ من المجازات.

قد يندفعُ الماءُ المقطوعُ هُنا
فيكونُ الماءَ الأخير.

يحفرون عندما تضيقُ أكثرَ
أنفاقاً أكثرَ عُمْقاً.
يكتمُ الترابُ معاولَهم
فلا تبينُ آثارُهم إلّا بوشايةٍ.


30

هالةُ الشمس على البيوت. سلاسلُ جبالٍ صغيرةٍ من الضوءِ على قممِ الأشجار. بدأ النورُ يمشي على البحرِ، المدينةُ انسحرَتْ.

لستِ الآن على الشاطئِ إلّا لأنكِ توأمُها. تحبّينها مثلَ أختٍ لكِ. صغيرةٌ، عاليةٌ على الجهات.

تفهمين هواجسَها، التفاتَها إلى البحرِ، إصغاءَها إلى الصحراءِ، سهرها إلى الفجر.

حالمةٌ مثلها، عنيدةٌ. عروسةُ أرضٍ وعروسةُ بحرٍ تندفعانِ معاً. لا تكتملُ أحلامُكِ، لا تكتملُ الأحلامُ فيها.

لكل منزلٍ هواجسُ خيمةٍ، للحالمينَ صيحةٌ وشيكةٌ على شفرةِ الصحوِ. ليس لِما يبنوهُ إلّا الأغاني التي انبنى عليها.

أرضٌ أخيرةٌ على البحرِ، كفٌ مكتوبةٌ مصائرهم عليها، على خطِّ الحياة.


31

السماءُ ما فوق أرضِهم
الأرضُ ما تحت سمائِهم
كيف يمكن أن يتوهوا؟
مصائرهم في الرملِ أو في الماء.
يذهبُ من يذهبُ
يصلُ من يصلُ

ما من أحدٍ يتوه.

من أسرفَ منهم في مجذافٍ أو معولٍ
يصيرُ في الصمتِ الكبير.
لكنَّهُ غالباً بينهم، على نحوٍ
يُمَلِّحُ الغياب.
يعثرون على معنىً لحياتِهِ

كان محجوباً بها.
متروكاتُهُ موجودةٌ، لزائلٍ
بِلمْسِها يمكن لمسُ الغياب.


32

صوتُ البحر. تستديرُ الشمسُ فوق البيوت. يعلو هديرٌ ليس للموج. أصواتُ الصيّادينَ تصغي، يلتفتونَ إلى جهةِ البيوت.

يتركونها كُلَّ فجرٍ لآخِرِ مَرَّةٍ ربَّما، يمكنُ أن يهدمَ الدويُّ عناوينَهم، يقصفُ أعمارَها، يلتفتونَ إليكِ.

“الأجنحةُ الرصاصيَّةُ، مولاتي، تقتربُ من القصر. الرصاصيُّونَ يقتربون من بابِ الصحراء. هل نجهِّزُ المراكبَ المحجوبةَ، مولاتي، كي تغادري؟

“لي دارٌ صغيرةٌ هُنا على البحرِ، لي موعدٌ مع البناتِ والأولادِ عصرَ اليوم. أريدُ من حبيبي فارسةً أو فارساً مثلَهم، على صورتِهِ. منذُ أن قالَ لي تعالي وجئتُ أردتُ هذا.

“أنا بنتُ بحرٍ هو هذا، صار لي أهلٌ، بحّارةٌ غِناؤهم يعلو كلما ضاقتْ بهم. بَنّاؤونَ في الأصلِ، يحفرون مرتفعاتٍ على جهاتِ المدينة.

ينظرونَ من حلمٍ إليها، وإليَّ، ينادونني إن ابتعدتُ، أو أغارَتْ اجنحةُ الرصاص.


33

شعراءُ، ما أوسعَ ما يملكون
كُلُّ ما علتْ بهِ النارُ مكتوبٌ بأسمائِهم.
فَرادى لأنهم آخرُ الطرائد.
كثيرون لأنهم عشاقٌ
وحيدون كما لم يكن أحدٌ.

يرافقون المعاني في حراسةٍ
في مشيئةٍ أيضاً
يقولون ما تأخَّرَ، لعلَّهُ يجيء.

كلماتُهم مغازلُ
يستدرجون خروجَ الخيطِ إلى العيد.

يعرفون الليلَ كواحدٍ منهم ــ
أيحرسون جذرَ الضوءِ
أم يحرسون نهارَهم من صباحٍ بلا جذور.

يرسلونَ هواجسَهم طلائعَ
يذهبونَ إلى الأقصى من الليلِ
بالمصابيحِ الأخيرة.

34

شمسٌ قويَّةٌ تضربُ الأصدافَ، تفسِّرُ أحلامَكِ:

«سوف نبقى، ونظلُّ نحلمُ. نغلقُ أبوابَ المدينة. نحرسُ بابَ الدروب. يمكنُ أن تأتي نجدةٌ إلينا.

“البناتُ والأولادُ حولي، الفارساتُ والفرسان. حبيبي يتبادرُ إليَّ من بعيد. يراهُ الحرسُ المَلَكيُّ، والوصيفاتُ، والحاشيةُ، يصدِّقونَ أحلامي”.

شَقُّ هواءٍ من الفضاءِ اللامحروسِ، من الصحراءِ الموقوفة، من البحرِ المسروق. يقطعُ الصيّادونَ غِناءهم، ينادونكِ. تلتفتينَ إليهم، إلى بيوتِ المدينةِ، إلى شرفةِ الدارِ الصغيرةِ على الموجِ، تعرفينَ الزمان.