Skip to main content

  وليد خازندار                        ما تخلّى أحدٌ عنا                             
  لم يكن هناك، في الأصل، أحد                                                                                    

أفعال مضارعة
وليد خازندار
1986
ــــــــــــــــــــــــــــــ


في بلاد بعيدة

لنفترضْ أنَّها حديقةٌ
ولنفترضْ أنَّنا نلعبُ
تخّيلي مثلَ زوبعةٍ صغيرةٍ
تستدرجُ شعركِ وقلبي
مثلَ نهرٍ، في آخرِ الحديقةِ، يسكرُ
مثلَ أرجوحةٍ، وأنَّنا نعلو.

أُنْظُري
هذهِ فراشةٌ سافرَتْ أكبرَ من جناحِها
تدورُ، زرقاءَ حمراءَ، بنفسجيَّةَ الارتباك.

لنفترضْ
قد تبدأُ الشجيراتُ فجأةً وتبدأُ البراعمُ
وقد ننتهي متواطئينِ وراعفينِ
إلى ممرٍ بين الشجيراتِ ضيِّقٍ
لنقترب.
ما تزالُ بيننا مسافةٌ لِشَفْرَةٍ
ما يزالُ بين خَطْوِنا والرصيفِ شيءٌ من الحذر.

يَدُكِ!
ما الذي أفعلُ عندما يدُكِ
ترتاحُ كفوضَويٍّ مُطارَدٍ على كتفي؟

لنعترفْ بأنَّها شوارعُ موحشةٌ
في بلادٍ بعيدة.
ولنعترف بأنَّنا متعبان.


وقت لينكسر

أَغلقَ البابَ خلفَهُ
لا ضوءَ يأتي من النافذة:
الرواقُ معتمٌلا نهائيٌّ
والوردُ أخافه، ثانيةً، بأشواكِهِ النافرة.

إنَّهُ يتحسَّسُ طريقَهُ
ماسكاً خيطَ أفكارِهِ.
ها هو المُتَّكَأُ الضيِّقُ
ها هي المقاعدُ المعدنيةُ الناحلة.

لم يكن لديهِ وقتٌ لينكسر.
لم يكن لديهِ وقتٌ
ليمسحَ الغبارَ عن صورةِ العائلة.
أخرجَ السكينَ من روحِهِ
وأخرجَ الطعنةَ
ثم استراحَ على الشراشفِ البيضاءِ الباردة.

حارسُ العمارةِ
الشرطيُّ في عتمةِ الشارعِ
الياسمينُ في الشرفةِ الموازية:
أَنّةٌ خفيضةٌ، ثُمَّ أمطرَت.


الشرفة المعتمة

دونما نبوءةٍ أو معجزةٍ
دونَ توقعٍ من أحدٍ
بل وسطَ دهشةِ الجميعِ
جميعِ من في الغرفة المضاءةِ
زحفَ على يديهِ
وعلى قدميهِ
بطيئاً، باتجاهِ الشرفةِ المعتمةِ
وهناكَ، وحيداً
استرسلَ في عواءٍ طويل.


محارة الأفق

حاكَموهُ قبالةَ البحرِِ
لم يكن.
الشمسُ تميلُ
والرصيفُ باعةٌ وضحايا
لكنَّهم حاكموه.

لأنَّهُ استلّ محارةً ووشوشَ الأفق.
إنسلَّ بين المدِّ والجزرِ فارقاً.
لأنَّهُ انشطر:
نصفٌ للمراكبِ التي أقْلَعَتْ
نصفٌ للنحيبِ الذي يروِّعُ المدينة.


إنتماء

مَنْ في غرفتي في غيابي؟
المزهريةُ ليست في مكانِها، قليلاً
وصورةُ الفارسِ القتيلِ على الجدارِ مائلةٌ
وأوراقي تلمُّ أطرافَها من قراءةٍ سريعةٍ
وليس هكذا أترُكُ قميصي
ليس هكذا أترُكُ مخدَّتي.

مَنْ في غرفتي في غيابي، أيُّ احتمال؟
أيُّ هدوءٍ يعيدُ المزهريةَ إلى مكانِها
أيُّ تصالحاتٍ
تعيدُ إلى الفارسِ القتيلِ هيأتَهُ واعتدالَهُ
في فراغِ الجدار؟

ما الذي يعيدُ إلى مخدتي وقميصي هيأة المواطن؟


إنشغالات

باكراً
ثلاثُ يماماتٍ على أسلاك الهاتفِ
نقرَتْ، وتلفَّتَتْ، وطارت.

تَجَهَّمَ الوقتُ عند الظهيرةِ
مركباً مشقَّقاً صار
شَرَكاً وانشغالاتٍ:
ولدٌ يرسمُ بنتاً عاريةً على الرملِ
يلاعبُها، يستحي
يرسمُ زهرةً.

إمرأةٌ في المقعدِ الخلفيِّ
في احتفالِ وحدتِها
رجلٌ مَرَّ، نظرَ واكتفى
في عينيهِ طفلٌ يشبهُهُ.

لم يكن شيءٌ عندَ المساء.
غير أنّ الطيورَ عادَتْ
نقرَتْ، وتلفَّتَتْ، وطارت.


الغريب يعرفها

الليلُ يمعنُ
الحافلاتُ بطيئةً تبتعد.
البناتُ صغيراتٌ
ويختفينَ مسرعاتٍ في العتمةِ
والشبابيكُ، قارباً قارباً
أسرجَتْ مصابيحَها وأقلعَت.

المقاهي عدائيةٌ
والشوارعُ التي أضاعَ فيها مفاتيحَهُ
تغلقُ الآن انعطافاتِها.

الحجارةُ شافَتْهُ وأنكرتْهُ
وأنكرَهُ المقعدُ الخشبيُّ الطويلُ
على البحرِ، أيضاً
وأنكرهُ بائعُ الكستناء.

ما الذي يسرقُ العصافيرَ ريشَها الجميلَ
في طقسِ العواصم؟
ما الذي يفعلُ الغريبُ في مدينةٍ يعرفُها؟


المنازل

أعتمَتْ، فلاذَ بومضةٍ
بطفولةٍ مُرتجاة:
قال المساءُ ثعلبٌ
الشمسُ عصفورٌ ذهب.

كانت المنازلُ ابتعدَتْ عن شرفاتِها كثيراً
والثمارُ لا تشبهُ أشجارَها
والعشيَّةُ ثقباً في ظهيرةٍ لا تنتهي.

بعدَ وسميٍّ مباغتٍ
لم يستطع بالفراشةِ استراحتْ على ذراعِهِ
ولا برائحةِ الترابِ
ولا بقميص الفتاةِ المستثار.
قالَ هذِهِ النوافذُ كلُّها
هذِهِ الوشائعُ، هذِهِ العتبات.

وأحسَّ بوخزةٍ
فلاذَ بابتسامةٍ مُدَّعاة.


الذي كان

أنتَ كنتَ هناكْ
في الركنِ القصيِّ
في تلك السفينة الغارقة.
تجلسُ وراءَ الطاولةِ الخشبيةِ المستديرةِ
شابكاً أصابعَكَ
فارداً أمامَكَ الجريدة.

أَأَنْتَ؟
كان الوقتُ انحساراً، وثمةَ شيءٌ ينكسر.
والمراكبُ خلفَ الموجِ
خلفَ زجاجِ النافذةِ
هادئةٌ كموقدٍ منذُ ليلتين.

كنتُ أخرجُ وقتها من حصارِ اللوزِ
إلى حدائقِ المرارة:
هل أنتَ الذي نظرَ إليها
ثُمَّ أومأَ لي: تَشَجَّعْ
قبلَ أنْ يطوي جريدَتَهُ ويمضي؟


الصمت

في مكانِها زهرةُ الصَبَّارِ
في إنائِها، كعادتِها، دونَ ماء.
في مكانِهِ الكرسيُّ، في الزاوية.
عليهِ منفضةُ السجائر
والسجائرُ المطفأة.

الملاءاتُ في مكانِها مُشَوَّشةٌ،هادئة.
والبابُ المواربُ الذي طالما تهامَسْنا خلفَهُ
لم يزَل موارباً.

يا إلهي، لَكَمْ تَغَيَّرَ كُلُّ شيء.


فجأةً عميقاً عارماً

غرفتُها الفارغة:
كرسيٌّ أسودُ جلدٌ إلى اليمين.
كرسيٌّ أسودُ جلدٌ إلى اليسار.
كنزةٌ ملولٌ، مستهامةٌ
على رخامِ النافذة.

لا شيءَ، غرفتُها الفارغة.
لا نأمةٌ
البنفسجُ لائذٌ بالجدار.
الغيمُ يوغلُ، خلفَ الزجاجِ
في الزرقةِ الغامضة.

فجأةً
وقعٌ خفيضٌ ناعمٌ في الممر.
فجأةً، عميقاً عارماً
يملأُ الغرفةَ، غيابُها.


بيت بيوت

توَّجْتُ نفسي، وأعلنتُكِ الأميرة.
عملْتُ تتابعاً من العشبِ وألبستُكِ
وعملتُ قوساً من الأغصانِ الطريَّةِ
كي تمرِّي.

كُنَّا مُداهَمَيْنِ بالبراعمِ
مداهَمَيْنِ بأوّلِ الرعشات.
وبينما اختلفنا:
ـ “دعيني أراهُ”
ـ “دعني أراهُ أوَّلاً”
كانَ الأفقُ يشتعلُ
والرجالُ الكبارُ يهيِّئونَ بنادقَهم
والنسوةُ ينشرنَ شراشفَ بيضاءَ
ساهماتٍ
على الحبالِ التي لا تنتهي.


قميص اللوز

الصغيرةُ الناعمةُ
حين ترتِّبُ الياسمين
تسكبُ الماءَ في إناءِ الخضرةِ الحانية؛

الصغيرة الحالمةٌ
حين تسرج براري الكلام.
تلفّ وشاحَ الغيمِ على ذراعِها
ترسمُ شمساً وحلوى، وتُمْعن؛

الصغيرةُ الفاتنةُ
حين تغلقُ الشُبَّاكَ والستارةَ
تشعلُ شمعةً
تفكّ قميصَ اللَّوزِ، زِرّاً فزِرّاً؛

الصغيرةُ تلك
ترسمُ كُلَّ ليلةٍ
على طرفِ المخدةِ المبتدأَ.
وترسمُ المنُتهَى
ثم تسألني عن المسار.


ما يشبه الصليل

شمعةٌ قربَ شالِها
فنجانُ شاي.
ومن خزفٍ زنبقٌ يطلُّ
ملولاً، كما اعتادَ، مستعجلاً.

فلكٌ أوَّلُ أزرارِها
وفي اللثغةِ، في اندلاعِ الراءِ
لؤلؤةٌ، شَرَك.

يحاولُ آذارُ شيئاً على الشُبَّاكِ
راعشاً، مُعَتَّقاً.
وخلفَ الموجِ
خلفَ المراكبِ في آخرِ البحرِ
ما يشبهُ الصليل.

حَجَلٌ بَعْدُ، بردايةٌ
همزةٌ في أوَّلِ الهمسِ
كستناء.


يدها أيضاً

دائماً، في أيقونةٍ واحدةٍ
غالباً في المساء.
صوتُها الذي من تعبٍ ومغفرةٍ
ومخداتٍ كثيرةٍ
ذاك الذي يجيءُ عارياً
من خلفِ نبرتِها المطيعةِ الآمرة.
الغامضُ بالهدهداتِ والشظايا
المنكسرُ النَّصْلِ ليذبحَ أكثر
الذي يميلُ لأنزلق:
“طريقُ بيتي تَمُرُّ ببيتكَ
حبقٌ، وعنّابٌ
وشوكٌ عذبٌ وموجعٌ في الطريق”.

يدُها أيضاً
يدُها الشفاهُ الكثيرةُ
تقولُ أكثرَ من صوتِها.

صوتُها الذي يتركُ دفَّةَ الشظايا
ليديها، عندما يذوب.
دائمًا، في أيقونةٍ واحدةٍ
غالباً في المساء.


صنوبر ونحاس وأشرعة

صباحٌ غلالةٌ
سماويٌّ قبلَ الكلامِ
شفيفٌ كالشُبْهَةِ
مُتَلَبِّسٌ.

الآبنوسُ لا يزالُ في الأريكةِ
والسنديانُ في الندى
وعلى البساطِ البربريِّ لا تزالُ الأساور.

صباحٌ محارةٌ، صباحٌ غريقٌ
جوائزُ
صنوبرٌ ونحاسٌ وأشرعةٌ:
ـ “غطِّني يا حبيبي”.
شمعدانٌ، أيضاً، ذائبٌ.

المخداتُ غافيةٌ في الغدائرِ
في الغَمْرِ السماتُ.
وغيرُ النبضِ
غيرُ صوتِ الشمسِ تأتي
غيرُ أوراقِ التوتِ، هُنا وهُناكَ، لا أحدَ
غيرُ اثنين ذاهبينِ في حريرِ التباطؤِِ
ذاهبينِ في العندليب.


الحديقة زوبعة

مثلُ مِدْيَةٍ، لأنَّه الخَطْفُ
آسرٌ لأنَّنا ذريعةً نلملمهُ
لا يشدّ إليه سماتِهِ
موجةٌ، ربَّما، ذاك الذي يأخذنا
ربَّما حريق.

أنتِ الحديقةُ في ثمارِها
في الأعالي.
تنامُ، نامتْ زوبعةٌ
تتكوَّرُ مثلَ هِرَّةٍ
ترعشُ فجأةً ضوءَ شمعةٍ لصقَ خاصرتي
لصقَ مخاوفي
لصقَ دَمِيَ الذي يذرعُني
جيئةً وذهاباً:

لماذا أتوجَّسُ كَنَمِرٍ، وأنتِ حَدِّي
وأخافُ إذ أُطِلُّ من مسائي قربكِ
على حرائقِ الظهيرة؟
ألأنَّكِ الصغيرةُ الأكثرُ طيشاً
من الجنونِ والوصايا
من الأزرارِ والأصابع ِمعاً
من لوزةِ السرِّ
من القميصِ الأبيضِ
من الجواربِ، من الأجنحة؟

عشرةُ أظافرَ ناعمةٍ
تُخَرْبِشُ الإجاباتِ، أنتِ
ولهٌ يجمع الذرى وراءَهُ نحو حيرتِهِ
فادحاً لأنَّهُ الدُرُّ
منغلقاً لأجْلِ المحارةِ
عنيداً، ويفرطُ بالزمانِ بين يَدَيَّ.

أنتِ لا تعرفينَ شيئاً:
تمرِّينَ سريعةً بالسوسنِ الذي يأكلني
تمرينَ سريعةً بالمرايا.


صباح خاص

الورودُ قربَ الحرائقِ
في التفرُّدِ، في اندلاعِها
في ابتعادِها الحميم.

أشرقي يا شمسُ
هي الآنَ في طريقِها الصباحيِّ
وسطَ العاصمة.
تتهجَّى أوَّلَ الحروفِ
تداورُ الحكايةَ، قد تضيع.

هي الآنَ في طريقِ البحرِِ
تستردُّ أصدافَها
مريولَها المدرسيَّ، دفاتِرَها
مشوارَها الأوَّلَ
ما الذي قالت لها الأصدافُ؟
ماذا  أضافَ الموجُ؟
ثم ما الذي أخَّرَها عندَ المنعطف؟
لعلَّهُ الوردُ
أو لعلَّهُ الشوكُ، موجعاً وحانياً.

ردَّها يا بحرُ
هي الآن تقترب.
تدخلُ بهوَ العمارةِ ساهمةً
ردَّها، تدخلُ المصعدَ
ثم طابقاً فطابقاً تستعيدُ تفاصيلَها.

إنها الآنَ تلاحقُ أخطائي
كي تسامحني.


عوسج

أَمِنْ قفصٍ فارغٍ فزعْتَ؟
أمن رسالةٍ مطويةٍ على المدفأة؟
كان في رائحةِ الياسمينِ ذاتِهِ
على السياجِ، ما أنذَرَك.
وكان للعوسجِ استنفارُهُ، إذ مررْتَ
فكيف لم تنتبه؟

أدرْتَ مفتاحَك في البابِ
كأنَّ عاماً لم يمر.
وكأنَّ الغبارَ الذي رسمتَ عليهِ خطوكَ
من أوَّلِ الدرجِ، لا يقول.

تحمَّلْ الآنَ الوردَ القتيلَ في الآنية.
تحمَّلْ عقاربَ الوقتِ على الجدار.
وانظُرْ حولكَ
إذ ليس الستائرُ وحدُها
والمرآةُ، والهاتفُ، والطاولةُ
بل الشراشفُ أيضاً أُرْعِشَتْ
ومحارمُ الورقِ الورديةِ تلك
تلكَ التي في طَرفِها ولدٌ وبنت.


علبة الكبريت

من ثلاثةِ مقاعدَ في آخِرِ الصَفِّ
كانت الضوضاءُ والحلوى تجيء.
من وَلَهٍ، وثلاثة قمصانٍ مفتوحةٍ
من دفترٍ واحدٍ يدور.

كانت السَبُّورةُ سوداءَ والطباشيرُ أسود.
والنهارُ من الشبابيكِ أبيضَ، أبيضَ
والشمسُ معجزة:
“خذي نابَ المعلِّمِ والشرطيِّ والغولةِ
وأعطني، يا شمسُ، سِنَّ الغزال”.

كانت المسألة:
كيفَ للصيحةِ أن توقفَ الخيزرانةَ
قبلَ أن تهوي؟
كيف للدوريِّ أن يقولَ لا؟
كيفَ للأصابعِ، لعلبة ِالكبريتِ
للقلم ِالرصاص؟

بعد ضوضاءَ وحلوى
وضوضاءَ وضوضاءَ وحلوى
من ثلاثةِ مقاعدَ في آخِرِ الصَفِّ
صارت للشوارعِ حنجرة.


ذلك اليوم

ما تغيَّرَ مِنْهُ شيء.
على الشرفة ِكرسيُّهُ والطاولة.
كتابُهُ على الصفحةِ الأخيرة
صحنُ سجائرِهِ، أوراقُهُ.

كان يرسمُ سنديانةً كُلَّما تألَّمَ
عصفوراً كُلَّما قتلَ المذياعُ واحداً
وبعد كأسهِ الثانيةِ
أشكالاً غامضةً مُبْهَمة.

ما تغيَّرَ منهُ شيء.
غير أنَّهُ مُذَّاكَ لم يعد إلى جلستِهِ
لم يعد إلى انتباهِهِ المباغتِ
كُلَّما مرَّت الأحذيةُ القاسية.
وما عادت ترنُّ في بيتِنا ضحكتُهُ الآسرةُ
ضحكتُهُ الحزينةُ المستهترة.


الخريطة

أُقْسِمُ أنَّهُ هو
بقميصِهِ المفتوحِ، عينيهِ الماكرتينِ
بسمتِهِ الكرنفال، خطواتِهِ المسرعة.

أُقْسِمُ
مَرَّ واضحاً واختفى لم يلتفت.
لكنَّ شيئاً قال لي: رآك.

هكذا، إذَن.
فَتَّشْتُ عنهُ أرصفةً
تعوَّدَ أن يبحثَ عن نفْسِهِ فيها
المحطاتِ، عندما كان يتعبُ
المقاهي، إذ لا يستدلُّ.
هل أسألُ عنهُ الفتاةَ التي أبكاها كثيراً
والمرأةَ التي عذَّبته؟
هل أجهِّزُ قبضتي لأُعارِكَه؟

إذ عُدْتُ إلى منزلي لم ألتفِتْ إليهِ
إلى مكانِهِ على الجدارِ
تحتَ الخريطةِ
في الإطارِ الأسودِ، يحضنُ أجملَ ما فيه:
عينيهِ الماكرتينِ
بسمتَهُ الكرنفال.
غيرَ أنَّني سمعتُ خطواتِهِ المسرعة.


الشَرَك

بعدُكَ، في مساربِ الليلِ
تراودُ النكهةَ الغامضة.
بعدُكَ تدَّعي في مواكبِ الغوايةِ
سفناً مزركشةً، مواسمَ.

هأنتَ ممعنٌ في السِّر.
ضلَّلتَ خلفكَ القبائلَ التي ضلّلتكَ
وما استرحْت.
موَّهْتَ شاراتِ الطريقِ
محوتَ خطاكَ خلفكَ
ما هدأَتْ سريرتُكَ العصيَّة.

ها أنتَ في شَرَكٍ صنعتَهُ بيديكَ
في متاهاتِكَ التي اهتديتَ إليها.
وها أنتَ موغلٌ
ضيَّعْتَ خلفكَ الشذى، وضيَّعْتَ الهدهدات.

أيَّةُ بلادٍ تستردُّكَ الآن
أيَّةُ مشارفَ لعنادكَ.


سعادة

ما الذي أتعبك؟
هل رأيتَ ياسمينَ المنازلِ الأولى
في الحلمِ مرَّةً، في الصحوِ ثانيةً
في خرائب الظهيرة؟
هل فجأةً تلفَّتَّ
فرأيتَ اسمكَ عندَهم
يأخذونَ منكَ دونَكَ؟

هو العصفُ
شُدَّ إليكَ أيها الناحلُ نفْسَكَ.
هو الآسنُ يرتفعُّ
شُدَّ حطامَكَ الخشبي.
ثُمَّ شُدَّ من كُلِّ شيءٍ ما تبقَّى
شراعَ الإمارةِ، والأمر.

وشاوِرِ النخلاتِ في ظِلِّكَ
لعلَّكَ واجدٌ في ثقبِ إبرتِكَ السؤال.
لعلَّكَ، خلفَ أبوابِكَ الضيِّقةِ
واجدٌ زوبعةَ الإجابة.

ثُمَّ خبِّىءْ جذوتَكَ النبيذةَ
في طريقِ العتمِ هذا.
لأنَّهم، إنْ أبصروكَ، أطفأوك.


في الأقل

لو تضربُ بالكأسِ الجدار.
لو توقظُ من شئتَ، صاخباً
في هذه الساعةِ الثانية.
لو تقولُ، في الأقلِّ
ما كتبتَ أمسِ خلسةً على السجائر:

“أمطرَتْ، والربيعُ جاءَ

والقتيلُ ما يزالُ في الحديقة”.

لو تفعل شيئاً، منجلاً أو مغفرة.
لأنَّكَ حينَما تجلسُ
على طرفِ الأريكةِ هكذا
يداكَ بين ركبتيكَ
صامتاً، بعدَ كأسكَ الرابعة
أحسُّ مزهريةً داخلي تكسَّرَت.


المواسم

عصفٌ، ولم تكن تعرف
مركبٌ يضلِّلُ المناراتِ خلفَهُ ليهتدي.
طقسٌ ولم تنتبه

كم رزنامةً وأنتَ في الصفاتِ
كم جداراً بينما تختلفُ
كم مرَّةً رتَّبَ أيلولُ قمصانَهُ في الأغنية؟

هو ذا
تُلاحِقُ في لسعةِ البردِ الخفيضةِ المواسمَ
مزهريةً في الندى
عناوينَ في التباسِ الشوارعِ
في انكسارِ الضوءِ في الزوايا
في العتمِ
لا تستبينُ موضعَ المفتاحِ
في البابِ الذي لا يأتلف.

تلاحقُ شرشفاً أوَّلَ
لا تستدلُّ، وتمعنُ
علبةَ خيطانٍ وسِحْرٍ وكشتبان.


أفعال مضارعة

غيمةُ الهجراتِ في عينيه.
وفي الحقيبةِ الجِلْدِ الكتابُ
والقلمُ الرصاصُ
وصورةُ العائلة.

 في يديهِ قصديرُ المقاعدِ
قصديرُ الأفاريزِ والأُكراتِ
قصديرُ المصافحة.

هل يخرجُ، في البدءِ، تذكاراتِهِ
أَمْ، كما الساحرِ، يخرجُ وطناً
منزلاً وشارعاً وعاصمة؟

أغلقَ عينيهِ
اتَّكَأَ على كتفِ عاداتِهِ المستباحة:
لن يصادقَ مزهريَّةً، بَعْدُ
لن يعترفَ لسريرٍ
سينفجرُ في الحربِ القادمة.

سيجوسُ طويلاً بين المطبخِ والرِّواق.
وعميقاً سيرهفُ السمعَ لنأمةٍ
تجيءُ من بابِ الحديقة.

وليس غيرُ تَكَسُّرِ الأوراقِ
تحتَ أقدامٍ تَمرُّ ثُمَّ تبتعد.
ليس غيرُ همهماتٍ في المنازلِ المجاورة.