Skip to main content

  وليد خازندار                        ما تخلّى أحدٌ عنا                             
  لم يكن هناك، في الأصل، أحد                                                                                    

مجموعة ثالثة للشاعر وليد خازندار: “أسطورة المساء”
صفاء اللغة وصفاء المخيلة

راسم المدهون

مجموعة الشاعر الفلسطيني وليد خازندار الثالثة “أسطورة المساء” تنقل تجريبه إلى مستوى آخر من تأمل العلاقة مع المكان من حيث هو حيز ضيق بالمعنيين المباشر والمجازي، وما يرتبط بهذا التأمل من استحضار اشخاص وحيوات مرّت ذات وقت أمام حدقة الشاعر، وها هي تعود إلى شاشة القصيدة، في مراثٍ تشبه أن تكون استعدادات غير مأمولة، تعيد تركيب الوقائع… الساعات – بل اللحظات، وحتى الخطوات القصيرة في الممشى، والالتفاتات ورفات العين، في سياق تراكيب شعرية تعتني بصياغة “حالة”  ورسم صورة “مناخ” نفسي ووجودي أفلت من بين الأصابع وإن ظلّ يحوم في ردهات الذاكرة والمخيلة:

“ليس أكثر من أن ينام
قليلاً فيصحو : ينزع الهدير عن كتفيه
والجهات عن صدره، ويخلص الهالات من عروة القميص
-أكان حقاً هباء كل ما مرّ
رمية قد ارتدت وانتهى الأمر
أولم يبقَ غير قوس البداية الضيق هذا؟

“أسطورة المساء” (دار بيسان – بيروت، 1996) احتفاء بكثافة المعنى في تعبيره عن كثافة الأفكار من خلال التوغل في حوار مع المحيط الضيّق واستدراج صورته، أو شبح صورته، واستقصاء تلونات تذرها المخيّلة وتعيد جمعها من جديد، على هيئة خطاب شعري يشبه وصفاً لما جرى، لكنه يفارق الوصف إلى اندماجه وتغلغله إذ يستحوذ على الداخلي العميق ويهجر الخارجي المفعم بالرنين والضوصاء. إنتباه أقصى لما يمكن أن تذهب غليه القصيدة في بحثها عن روح الأشياء، وروح الأمكنة وروح الشعر.

منذ “أفعال مضارعة” (1986) و”غرف طائشة” (1992) وحتى هذه المجموعة ووليد خازندار يراهن على تحرير قصيدته من كل الشوائب الشعرية : الموضوعات العامة، العناوين الكبيرة ووهم الإنشغال الشعري بالتاريخ في معناه المبتذل، مستبدلاً ذلك كله بالإصغاء إلى صدى الأشياء ووقع خطى التاريخ في ردهات روحه، فيما يشبه صوفية جديدة، تأخذ من الصوفية القديمة والموروثة صفاء النظرة وتضيف إليها نبض الحياة بعد تجزئة الحياة من حيث هي زمن وزمان إلى حلقاتها الأصغر، ثوانيها العابرة بسعة البرق، والتي هي في المآل الأخير دقات القلب ورفات العين، إذ يعبرها الحزن ويأخذها إلى عالم مسكون بالفجيعة والقلق. يمكن القول إنّ قصيدة وليد خازندار الحرة (لا نريد أن نقول قصيدة النثر) تكاد تنفرد بين شعرائها الفلسطينيين بالبحث الدؤوب عن العلاقة الأجمل بين اللغة والتراكيب الشعرية إلى تلك الحدود التي يمكن معها اعتبار عمل خازندار الشعري تجريباً مستمراً يمنح “قصيدة النثر” تأصيلها الذي لا يزال هجيناً، يقف مرةً  ويتعثر مرات عند معظم الشعراء الفلسطينيين، وهي فرادة تؤسس ألقها من نبعي الهاجس الشعري الملتصق بهموم الذات وانشغالاتها، والبحث الذي لا يكلّ في مساحات اللغة عن أوجه استجاباتها للشعرية الحديثة، لا بالمعنى الذي ينصب على اختيار المفردة وحسب، ولكن في العثور على العلامة الصائبة بين المفردات بوصفها مشروعات معانٍ ودلالات وبين تركيبتها الجميلة التي يمكن أن تمنحها الشعرية وتضعها في سياق التباسات جميلة، تأخذ من الغموض سحره الذي يستدرج الحس والمخيلة، ومن الوضوح بوجه المشغول من بداهة المعنى، ما يمنح القصيدة قابلية القراء’ بوجوه متعددة، لا تنطفئ مع كلمة النهاية. القصيدة في حالة شعرية كهذه قبض على مناخ، أكثر منها تأطير “حقائق” فالبدر المكتمل بالنتيجة وهم ” الحقيقة المكتملة” التي ما وجدت ولن توجد، والذي يظل هاجس البحث عنها والسهر من أجلها، يحرّض الشعراء والمبدعين ويحثهم بعد كل إنجاز يحقققونه على ملاحقة نقطة الضوء التي تظل بعيدة، في أقاصي العالم، تناديهم وتلوح لهم:

” كان يريد صباحاً قوياً
ليشاور في الأقل نفسه :
-أأبدأ من جديد؟”

في بحثها المنشور كمقدمة ل “موسوعة الأدب الفلسطيني الحديث” تقول سلمى الخضراء الجيوسي عن تجربة وليد خازندار إنه يختار لغته بعناية فائقة وكأنها الدر النادر ومع ذلك فإنها تبدو سلسة وطبيعية، وتقترب أحياناً من اللغة المحكية، كما أن تنويعاته الحيوية لموضوعاته تتصف بحساسية مرهفة، لا تسمح بتصوير الحياة حوله عبر التأكيدات القطعية الصاخبة كما حدث في الشعر قبله. إن مقاربته لموضوعه مقاربة شخصية بقدر ما هي جماعية وفلسطينية بقدر ما هي شمولية”. وهذه في تقديري مسألة شديدة الأهمية، جديرة بالدراسة للوقوف على أبعادها في الشعر الفلسطيني كله، فمسألة العلاقة بين الخاص والفردي، والذاتي عند الشاعر، وبين ما بصطخب حوله من أحداث ووقائع، لا تزال مسألة مثيرة للجدل أوقعت وتوقع كثيراً من الشعر الفلسطيني في وهم البحث عن مهمات لا علاقة للشعر بها، تزج الشاعر والشعر معه في جوقة جماعية لها خطابها فلم يعثر في نشيد لجماعة وهديرها الواحد عند إمكانية التخيّل، إذ هو هدير يحيل الأصوات كلها إلى الطاعة والانتظام شبه العسكري في الجوقة. ويقول وليد خازندار في قصيدة بعنوان: “الليل ومضة”

“لم يكن، إلى أين يعرف
هذا الباب يفضي.
ولا لماذا النباتات، عنده
صفراء محنيّة.
وأكثر ما تحيّر منه الورد:
ظمآن ساكت، وغير مكترث، ذحميماً
وقابض على ألوانه”

ننتبه هنا إلى حقيقة أن “الورد ساكت”، فتأخذنا إلى حزن الورد، الشفيف والمتحدر من حزن العالم المحيط، وكأن الشاعر في ذلك يختصر ويكثّف وصفه للمحيط، يستبدل الاستدلال القديم باستدلال يجد ضالّته فيما تقع عليه العين قربها، في صالة البيت، في غرفه الضيّقة، في نباتاته الصفراء المحنيّة التي فارقت ابتساماتها المعهودة وصارت “صامت” تشير بسكوتها إلى ما وراء السكوت من معنى. وبالمقارنة بين هذا المشهد الشعري، وجذوره الأولى في “أفعال مضارعة” و “غرف طائشة” فإن من الممكن ملاحظة وقوف وليد خازندار الطويل في حيز مكاني ضيّق يتابع من خلاله رؤية العالم، وهي رؤية لا تشترط لتحققها الوقوف على قمم عالية، ولا الانغماس في الزحام، ما دامت المسألة في جوهرها تتوقف على الملاحقة المرهفة والإصغاء الذكي لما يمور في الأعماق ويجد شبيهاً لمواره في أقرب الأشياء وأكقرها بساطة وعادية. هل نقول مثلاً أن وليد خازندار يتخلى هنا عن كل ما هو بطولة أو وهم بطولة؟

أعتقد أن القصيدة الفلسطينية الجديدة عموماً أسّست وتؤسس خطابها الشعري من خارج البطولة والبطولي، بل لعلها تأخذ مساراً معاكساً لذلك كله فتنطلق من الانكسار. من وعيه الشامل، من إدراكه الأعمق إذ هو يستقر في الروح والأعصاب وهي لهذا تنطلق من نقطة بداية تقع في داخل الروح، ومع ذلك فثمة ما يميّز تجربة وليد خازندار الشعرية، وهو يتركز في تخيّله النهائي عن كل ما يشبه البطولة في التراكيب والصياغات، فيبدأ من إيقاع القصيدة الموزونة ويستبدله بإعادة تركيب هواجسه الشعرية على حرية الاختيار الطوعي للممارسات الشعرية، ليزجّ هذه المسارات بحريتها الكاملة في جدل العلاقة مع أفكاره، معانيه، جمله المشغولة بدقة وأناة، وهذه أكب من مجرد الارتحاب من قصيدة التفعيلة إلى القصيدة الحرة، إذ هي إعادة تأسيس قاعدتها الأهم عدم الارتهان إلى أية قاعدة ثابتة يمكن أن تكون مرجعية، والحرص على أن تؤسس كل واحدة من قصائده مرجعيتها الخاصة بها، والمستمدة من ضروراتها الشعرية، حيث يمكن الحديث عن ضرورات القصيدة، ويصعب الحديث عن ضرورات القصائد.

وليد خازندار وصل إلى “قصيدة النثر” من حوار طويل مع “التفعيلة”، ولكن دون أن ينشر قصائده الموزونة تلك، بل آثر أن تكون إطلالته على قرّاء الشعر مناسبة لتقديم خلاصات مختبره الشعري، الذي ظلّ باستمرار مفتوحاً على المراجعة سواء فيما يخص الفكرة – الموضوع أم بنائية القصيدة. وإذا كنّا قد عثرنا في مجموعته الأولى “أفعال مضارعة” عل استحضار أجزاء لوحته من الرموز البسيطة  فيما يحيط به من أحداث وشواهد، فإن في المجموعة الثانية (وبينها سنوات ست) يذهب نحو مفارقة أكبر ل “الموضوع” ويقارب قصيدة الهاجس، بما فيها من ذاكرة قلقة تقطر من حواف إنائها الرجراج صور ومعانٍ تجتمع لتخلق مناخاً، ينبئ، ويشير، أكثر مما يقدم خطاباً شعرياً يلتزم المعنى المنطقي أو تسلسله. أما في هذه المجموعة الجديدة فإن وليد خازندار يضيف إلى ذلك كله التأمل في الواقع المحيط من زاوية نظر أكثر “حيادية”، أو هو ينجح في أن يجعلها تبدو كذلك، بكل ما تحمله هذه النظرة من تشذيب القول الشعري وتخليصه من عثرات الانفعال السريع أو المباشر.

الحياة، العدد 12409، 18/2/1998