Skip to main content

  وليد خازندار                        ما تخلّى أحدٌ عنا                             
  لم يكن هناك، في الأصل، أحد                                                                                    

وليد خازندار في “سطوة المساء”
“صوت ثالث” يرصد الطبيعة الصامتةّ
صبحي حديدي

بين خصائص أسلوبية الشاعر الفلسطيني وليد خازندار أنه يقيم في النص الشعري ما تقيمه موضوعة “الطبيعة الصامتة” في الفنون التشكيلية من شبكة علاقات شعورية ودلالية وبصرية بين الأشياء والحواس، وان موضوعاته تتماثل وتتكرر ولكنها توسّع نفسها أبداً عن طريق استيلاد موضوعات فرعية جديدة من داخل التماثل، وأنه يكتب قصيدة النثر دون أن يمارس القمع على “الانفلات” التفعيلي الذي يبدو سمة عضوية مطلوبة وليس شطحة موسيقية تتم في غفلة عن التخطيط الإيقاعي الأعلى للقصيدة، هذه الخصائص هل تتجلى في مجموعته الجديدة وحدها، أم هي جزء من أسلوبية متوازنة خاصة يمارسها خازندار منذ مطلع الثمانينات بعناد ودأب؟

ينفرد وليد خازندار عن عدد كبير من مجايليه الشعراء في أنه يبدي الكثير من العناد، والكثي أيضاً من الدأب الصامت البطيئ في الحفاظ على أسلوبية متوازنة خاصة بدأها على نحوٍ تجريبي في مجموعته الأولى “أفعال مضارعة” (دار إبن رشد، بيروت 1986)، ثم تابع تطويرها مقترنةً بقفزات ملموسة في الشكل والخيارات الإيقاعية في مجموعته الثانية “غرف طائشة” (دار فكر، بيروت 1992)، وهو اليوم يواصل تلك الأسلوبية في مجموعته الجديدة “سطوة المساء”.*

ما ملامح هذه الأسلوبية؟ ولماذا تتوازن؟ وما هي خصوصيتها؟

وقد يضيف المرء السؤال التالي: حتام العناد والدأب، وأيّ حكمة؟

ما هي ملامح هذه الأسلوبية؟ ولماذا تتوازن؟ وما هي خصوصيتها؟ وقد يضيف المرء السؤال التالي: حتام العناد والدأب؟ وأية حكمة؟ وقبل أن تحاول في هذه السطور إيجاد إجابات ما على هذه الأسئلة، ثمة ضرورة في الاشارة إلى أن المجاهدة الدائبة  في تكوين خيار أسلوبي محدد- أي خيار أسلوبي- هي فضيلة فنية أولاً لأنها تخرج بالنتاج إلى عراء بعيد عن الاجماع المألوف، وتطلقه في مدىً أقصى من المسؤولية الفنية أمام القارئ والمشهد الشعري، وتفرده عن سواه، وتعرفه ضمن حدود مشروعه الذي يعلنه وليس تلك الحدود الأعم لجملة مشاريع متشابهة ولا تتباين إلّا في التفاصيل غير الكبرى، وهي ثانياً فضيلة نقدية لأنها تسمح بالتحليل المقارن ورسم خطوط بيانية  صاعدة أو هابطة لمؤشرات التطور أو الركود أو التراجع. وبهذا المعنى تستحق مجموعة جديدة من وليد خازندار قدراً تحليلياً إضافياً يخصص للرصد وللمقارنة، ويربط ما تقدم أو ما تأخر من إنجاز على صعيد الأسلوبية المتوازنة الخاصة تلك.

أول خصائص أسلوبية خازندار أنه يقيم في النص الشعري ما تقيمه موضوعة “الطبيعة الصامتة” (Still life) في الفنون التشكيلية من شبكة علاقات شعورية وبصرية ودلالية بين الأشياء والحواس. ولعله بين أكثر شعرائنا العرب المعاصرين تذكيراً بمدرسة الشاعر الفرنسي فرانسيس بونج (1899-1988) في هذا الميدان بالذات. وكما يحدث في اللوحة التي تقدم طبيعة صامتة تتناول قصيدة خازندار وما هو متواضع وعادي ومجسّد ومألوف من أشياء العالم اليومي، وتمزج التوقف عند سطوح تلك الأشياء بالغوص عميقاً  في نُسجها، وتنتقل من التسطير الخارجي المرئي (الواقعي للمادة، التناغمات الكثيفة المتغايرة (الإيهامية) في ما تستثيره من أخيلة وصور. “أقل طبيعة صامتة عندي منظر ميتافيزيقي حاشد” يقول بونج الذي رأى في سطح رغيف الخبز مشهداً بانورامياً شبيهاً بإطلالة  المرء من أعلى جبال هيملايا أو طوروس. وخازندار يرى “على البساط بِكْلة وزوبعة”، و “الثعلب القماش كفَّ يبتسم” ، و “أفقٌ إبرةٌ” و “عوسجٌ حائكٌ”، و “السكت ثلجٌ، ويشتدُّ” و:

الخزفُ الأزرقُ ما يزالُ مهدداً بحمرةٍ شفيفةٍ
والصدعُ في الجدارِ صاعدٌ في انشقاقهِ
إلى السقفِ الذي ما زال ينخفضُ.
والغبارُ، طلع الغيابِ ذاهلٌ على الأشياءِ كلِّها

الماضي جالسٌ على الأريكةِ
فارداً في انتظارهِ على الكرسي ساقيه
عند النباتات العديمةِ
في الهواءِ الثقيلِ
تحت الإطاراتِ التي تشدُّ إليها من غادروا.

وكان خازندار قد حشد عناصر وتفاصيل هذه الطبيعة الصامتة، ثم لم يجد أي حرج في استخدامها وتكرارها في المجموعات الثلاث، حتى ضمن السياقات الاستعارية ذاتها (كما في حالة “درزة القميص” و “النباتات العديمة” مثلا). هنالك الرواق، والممر، والشرفة، والشراشف، والملاءات، والأريكة، واللوحة المعلقة على الجدار، والمزهرية والقميص، والخيطان والإبر، والأزرار، وركوة القهوة، وصحن السجائر، والمراكب، والعوسج.

وكان يقول : “أحسّ مزهرية، داخلي، تكسرت”، أو ” كم مرة رتب أيلول قمصانه في الأغنية” في مجموعته الأولى ويقول: “عن أي شيئ، كلما ارتبك،/ يظل يبحث عن درزة القميص؟” أو “عاد يحمل إبرة، زراً وخيطاً، كشتباناً/ وتوتر مرة، لمرأى النباتات، ثانية / شهيدة في أوانيها” في المجموعة الثانية. واليوم يفتتح المجموعة الثالثة بالقول:

ليس أكثر من أن ينام
قليلاً فيصحو ينزع الهدير عن كتفيه
والجهات عن صدره
ويخلص الهالات من عروة القميص.

ثاني خصائص أسلوبية وليد خازندار تتصل بالعدد المحدود والمتماثل لموضوعات القصيدة : مرور الزمن، وطأة الذاكرة، المراقبة البصرية لعناصر المحيط، السرد الانتقائي الكثيف لهذه وتلك من حركة الأشياء في المحيط وتحويل بعض هذه الحركة إلى حكاية، الالتقاط الملحمي لحضور الكائن البشري في ذلك كله (كما في القصيدة الفائتة “أبواب المغيب”). والالتقاط الغنائي للموضوع كلما ارتد الكائن الى النفس (كما في “ضوء بعيد”) ، ويحدث مراراً ان تتكرر عناوين قصائد خازندار، لا من حيث صيغتها الحرفية بل من حيث صيغتها التركيبية المنتزعة في تسعة أعشار الحالات من جملة ترِدُ في القصيدة بالضرورة، لا كما يحدث عادةً- وفي قصيدة النثر بصفة خاصة – حين يلعب العنوان “دوراً استهلالياً دلالياً وشعورياً مستقلاً.

ولكن هذا التماثل يغتني على الدوام بما يستخرجه وليد خازندار من موضوعات فرعية وتفصيلية ثانوية، تزدوج في مستويين:

-إقامة وشائج مباشرة بين هذه السمة الثانية المتصلة بتماثل الموضوعات وبين السمة الأولى ذات العلاقة بالنفاذ إلى عمق الطبيعة الصامتة. ذلك لأن أشياء وليد خازندار تخضع أولاً لما يشبه التدقيق الإدراكي في خواصها وتكويناتها، ثم تتوالى آليات كشف ما تحتويه من ثقافة خاصة، حسية، دائماً وميتاقيزيقية حين تقترب من الوجدان (وهي تفعل ذلك غالباً) وصولاً إلى مرحلة رسمها لفظياً، حيث يمارس خازندار الكثير من ألعاب التركيب النحوي والاشتقاق والنحت والتغريب الدلالي وإحياء الألفاظ المنقرضة.

هنا مثال على بعض كثير من هذه السيرورة.

الكلام شركٌ أهدابهُ على اللهبِ
وشكاً ثمّ يرتدُّ.
سرقةً يسحب الظلالَ
إلى انخطافها.
غمدٌ لنصلين مشهرينِ
ماءُ زهرٍ، صيحة.

الصيحة سلّة الجمر.
شُبهةٌ يأخذ الماءُ زهر نبرتها
خفيضاً ويجرح الليلَ
قريباً من النارِ التي ترانا
من زندها الواري.

-إخضاع هذه المشهدية الحافلة من تنشيط الأشياء إلى هندسة خاصة تنظم علاقات التبادل بين الضمائر من جهة أولى، وتقصيها أو تدنيها من “الصوت الثالث” – إذا صح القول – الذي تصنعه النبرة الإجمالية للقصيدة، بعيداً عن علاقات الضمائر من جهة ثانية. ومن أصل عشرين قصيدة، هي مجموع قصائد” سطوة المساء”، يتكرر ضمير الغائب في عشر قصائد، ويتبادل الحوار مع ضميري المتكلم أو المخاطب في 14 قصيدة وفي قصيدة واحدة هي “أعمال يديها” (هي ايضاً أطول قصائد المجموعة) تتدافع ضمائر هو/ أنا / نحن/ في علاقات دائبة من التشابك والتوتر، والحضور والغياب، والتنازع والتماهي.

و”الصوت الثالث” يبدو كالمنشغل في البحث عن فعل الإدراك ذاته، أكثر من طرائق التعبير عن الإدراك ذاتها. ولكن خازندار (وهو الصوت الثالث بامتياز) لا ينهمك في وصف المشهد وما يستثيره من أخيلة ومشاعر وتداعيات، بقدر ما يبدو متلهفاً على السماح للأشياء بالتعبير عن نفسها بنفسها. والشاعر مراقب أكثر مما هو المشارك في المشهد، ولكنه يعهد إلى حواسه بمهام اكتناه الموضوع بصرياً وبلاغياً، ثم يكسبه الجسد حين يزوده بمؤونة معجمية كفيلة بإطلاق الأشياء، منحا تلك الثقالة الوجدانية والميتافيزيقية الخاصة، وهذه ليست بالعهدة اليسيرة!

ثالث خصائص أسلوبية خازندار أنه يكتب قصيدة النثر دون أن يمارس القمع على “الانفلات التفعيلي” الذي يبدو في هذه الحالة سمة عضوية لصيقة وليس شطحة موسيقية تتم في غفلة عن التخطيط الإيقاعي الأعلى للقصيدة. والحق أن هذا الخيار يخلق في القراءة عسراً خاصاً ناجماً اساساً عن الارتباك الطبيعي الذي سيعانيه قارئ اعتاد منح قصيدة التفعيلة جملة استجابات عصبية، نسقية وتلقائية، تختلف عما يمنحه عادةً للتخطيطات الايقاعية في قصيدة النثر، والأمر أشبه بانتقال الأذن بغتةً من سماع عزف على العود إلى عزف آخر على الناي.

ذلك لا يعني أن خازندار لا ينجح (ولعل هذه هي القاعدة) في نقل الأذن من عزف على العود إلى عزف على القيثارة، كما في المثال التالي الذي تجب قراءته بعلامات التشكيل ومخارج الحروف :

مرّي، إذن ملحونةً طروباً رياح الشمالِ، مرّي.
الهشةُ المستبدةُ
من نسيجٍ ذاهلٍ وحبكةٍ.
كان عارياً حينها الأقحوانُ وفاجراً
والماءُ طائشاً من الأعالي
وكان في البُعدِ صفصافٌ خجول.

وفي هذا يثير خازندار السؤال الإشكالي التالي: هل يصحّ الحديث عن “كلاسيكية جديدة” في قصيدة النثر العربية المعاصرة، حيث تنهض القصيدة على سمات مثل الجزالة والاقتصاد اللفظي والمتانة والإحياء القاموسي! وفتح الذات الشاعرة على علاقات مجازية وإدراكية (بصرية، غير وصفية، وغير رومانتيكية) بين الحواس والمحسوسات والنفس والطبيعة في مستوى الأغراض الشعرية ؛ والبحث عن توازن ما (تصالحي ربما لم لا؟) في عمارة القصيدة وأبنيتها الإيقاعية في مستوى الشكل؟ حين يقول وليد خازندار :

هل تأسّيت
تارةً ، إذ تنورتَ من ثمالة، دفةً،
ومن قبل تاراتٍ
وقد أرعشت
من وجدةٍ، منك اليدُ؟

في كل حال، من الثابت أن شعر خازندار لا ينتمي إلى تلك المشاريع الشعرية التي تتطور وفق “قفزات” مباغتة تأتي على الأخضر واليابس في الأسلوب والموضوعات، وتقطع دون كبير اكتراث بوصل ما لا يتوجب قطعه،  ذلك يجعل اكتراث عنيداً في التعميق والتصفية والتشذيب، دؤوباً في ذلك، غير عجول أو متعجل، رهيفاً على الدوام… مثل درز رهيف.

  * “سطوة المساء”، وليد خازندار- بيسان للنشر والتوزيع والإعلام، بيروت 1996.

وردت المقالة في  “بريد الجنوب”، العدد 86، 16/12/1996