وليد خازندار ما تخلّى أحدٌ عنا
لم يكن هناك، في الأصل، أحد
وليد خازندار في “غرف طائشة”
غيمته مزدانة بالشرود
منذر عامر
جاء وليد خازندار ساحة الشعر – قصيدة النثر تحديداً – من بوابة التميّز والاختلاف. وهي ليست بهذا القدر من الاتساع والاستيعاب، إن لم يكن بمعنى تجاوز السائد والمألوف التراكمي العام في شكل ومضمون القصيدة الفلسطينية المتداولة بين مجايليه. فبعد الالتفات إليها من قبل الشاعر أو التوقف في واحدة من محطاتها الكثيرة، بكل ما تعج به هذه المحطات من تراكيب لغوية مصطفاة، ومضامين باهظة ومجانية على حدٍ سواء.
الشاعر وليد خازندار في تجربتين شعريتين، تفصل الواحدة منهما عن الأخرى ست سنوات، يؤسس لصوته المختلف ساعياً نحو ترسيخ مفهوم جديد للقصيدة النثرية التي تكاثر عليها الشعراء، منذ أن أطلقها من سيُدعون لاحقاً بالرواد الجدد هذا المفهوم يتباعد عن نسق استساغة الخوض في قصيدة النثر دون تمرس أو دراية، أو الفرق في النثرية حد الهوس التقريري المضي إلى مزالق العادية المنفرة.
ومنذ مجموعته الشعرية الأولى “أفعال مضارعة” في العام 1986، كان حضور وليد الشعري لافتاً في سياق القصيدة النثرية، فهو يرى إلى الأشياء من حوله بحدقة غير متشابهة، بل هي مغايرة كلية، عامداً إلى إلغاء تلك الهالات المشبعة بالصور الشعرية المرهوبة، والموهومة أيضاً، خارجاً عن الأطر الجامدة، تلك الموغلة في ضجيج وقارها، وبريق اتزانها المعهود، وإذ يفعل ذلك لا ينتقد روحه، وما حوله، بل يتقدم وئيداً شفافاً ندياً، مقارباً نموذجه بعفوية وتلقائية سخية، بادئاً نقطة ما أولى، وهي تتساقط في هدأة الندى.
هو شاعر يعرف ماهية صوته، والمدى الذي يبلغه جناحاه في فضاء مفتوح على هيئة الشعر. يقبض وليد غيمة مزدانة بالشرود والتوجس، وبين يديه تتحول إلى بضع رذاذات هائمة ومزدحمة بالألق المنشغل بذاته. وهو شاعر يغرف الشعر من داخل، يعتمد الخاص المترسب في الذات كنقطة انطلاق أولى، نحو خارج يتفرج عليه، يحرص ألّا يجعله مندغماً في العام يُسبغ عليه صورته التي يرتأيها، أو كما يحب أن يرتأيها، وهي رؤية لا تخلو من أصالة عميقة الامتداد مسلحة بسلطة نصه الشعري الداخلي.
وليد خازندار لا تأسره الصورة المزدانة بالأوسمة الموشّاة بالنشيد الجمعي، فهو إزاء هذا الأمر يبدو شديد الحساسية، غير مأخوذ إلاّ بالبعد الآخر للصورة، ذاك الذي يمتّ بصلة إلى رؤية يمكن أن نسمّيها رؤية التفرد الذاتي، لذا فهو موغل في الابتعاد عن مفردات واستطرادات، وحتى استدراكات اللغة والتراكيب المتداولة والمنحوتة سلفاً، في سائد الشعري الذي يتنكب الهم القومي أو الوطني، مقارباً أو متماساً بالمقابل مع حالة ذات خصوصية متميزة في مواضيعه الشعرية. وبمعنى ما، فهو هنا ضد التأطير المسبق، وضد كل ما من شأنه أن يسيّج فضاءه المنفتح على مدى لانهائي. فمن تراكيبه اللغوية ومفرداته الأثيرة تلمح بوضوح عدم اكتراثه باحتفالية الاتكاء على لغة الأقانيم الوطنية التي باتت تشكل حالة تزيينية متعارف عليها، قلّما يخلو منها قاموس شاعر واضح الانتماء، أو ذاك الساعي إلى التوضيح، من مثل مفردات الأرض، الدم، الجرح، النزف، البرتقال، الشهيد، الحلم، الاشتعال، حيفا، عكا، الثورة، الوهج، الألق، النار،الوطن، البندقية، الخصب، الزيتون، إلخ.. فبمثل ذلك يزهد وليد، مقدماً مفردات قاموسه الذاتي التي تشكّل نسيجاً واحداً متآلفاً في تناوله لصوره وتراكيبه الشعرية مثل السدى، الصرخة، التميمة، الشال، العطر، الحقيبة، الدرج ، النور، الوشيعة (قصبة يُلفّ عليها الغزْل)، الإبرة، العتم، المسك، الستارة، الخصلة، الغرّة، القفص، الصبوة، الكستناء، الجرس، الأصابع، الحكاية.. إلخ. وهي هنا مفردات مجردة منزوعة من سياقها العام الذي يضفي عليها ألفة أشبه بمساءات الحنين.
واضحاً وبسيطاً ومفعماً برؤية لا ترتدّ إلاّ إلى داخل دائماً، يرتبه على مهل يزيح عن كاهل الشعر ما علق به من احتمالات لا يحتملها.
أمن قفص فارغ فزعتَ؟
أمن رسالةٍ هناك، مطويّة
على المدفأة؟
كان في رائحة الياسمين، ذاته، على
السياج، ماأنذرك
وكان للعوسج استنفاره، إذ مررتَ
فكيف لم تنتبه؟!
هو ذا مقطع من قصيدة حملت عنوان “عوسج” من ديوان وليد خازندار الأول “أفعال مضارعة”، ذاك حضور مبكر، منذ بدأ وليد شاعراً يجيء الشعرعبر لغة تبتعد عن الاحتفالية المشاع. هنا قصيدته تقول اللحظة الشعرية كما هي، تاركةً لنا أن نرنو إلى هذه البانوراما المتألقة، بل والمفرطة في تأنقها. كان وليد صائغ يصقل حجره الكريم بأناة ومهارة العارف المتمكن. ينحت هنا ويشذب هناك، يضفي هالةً وسحراً على الشكل العام. إنه يقودك حيث الإضاءة الأفضل. هذا ما يفعله تحديداً الشاعرعادةً، وهنا وليد بالذات. بعد ذلك يأتي دورك كي ترى إلى العادية وقد استحالت دهشة، والمألوف قد بدا نابضاً بالحياة البكر، ثمة برعم يتفتح هنا، والشوك الذي يكسو الغصن لا يتبدّى متناسقاً فحسب، وإنما حانياً أيضاً، لأنه ينمو على غصن متوج بوردة لا بد من شوك يحنو ويحمي.
في الليل خفق أجنحة كبيرةٍ
في الليل عواء مسترسل وعزيف
يغلق الشباك
يطمئن للمرة الألف من حكمة الباب.
(…)
الحميم في وجاره
ما تغيّر، أسبوعين، فيه، شيئ
لكنه، بين التفزع والرضاء
بدأت له مخالبُ هذا الصباح.
(من الشوكة هذه، ديوان غرف طائشة)
للقصيدة هنا مدار آخر غير ما داهمتنا به الأشعار الزاعقة هناك وهنا. مدارٌ يبدد بالتمييز ما هو مجاني وعام، هادر وحماسي، ملتزم ومبعثر، حاد ومتشظي. وليس ثمة إيغال في الغموض لدى وليد، كما أنه ليس هناك ذلك الوضوح المفتعل الذي يحاول التأكيد على اختلاف الليل والنهار(ليس معنى التتابع بالطبع). إذ يندرج شعر وليد في إطار الوضوح المنفرد الذي يشيع هالةً من الكثافة الرائية في جمله القصيرة، والتي غالباً ما تتجاوز أربع أو خمس مفردات قد سبكت في نسق يستحيل معه استبدال واحدة بأخرى.
إنّ التأنق المشغول جيداً في انتقاء المفردات والتعابير ذات الدلالة، لا تنطلق من جمالية مجردة، وإنما تقدم في سياق ممتلئ بالحميمية الهادئة، والتواشح المتوازن، لكأنّك تقرأ بوحاً طويلاً متوجاً لاعتراف يصف حيرة لانهائية ل “المستريب من الشرفات”، للذي “يرتّب الفصول” ، ل “الحميم في وجاره”، للذي “يأتي بالنبيذ مرتبكاً”، ل “الغائب في الخامسة” / الغائب في الركن العتيم في مقهى المحطة، ل “الياسمينة الأخيرة في شجيرة الياسمين” والذي سيأخذه “الوضوح إلى المزالق” ، للتي “بالصرخة (تغالب) السدى، و(تراوغ) الدمع بالنكتة السافلة”
بوح هادئ كالحفيف، لكنه كالندى الذي يوقظ النهار مطلع كل فجر. ثمة بحة يمكن تسميتها بالرنين الهامس الذي يلتصق دائماً بالشعر المغاير، وهو ما يرسمه الشاعر مؤسساً إبداعه الشعري.
تشي قصائد وليد خازندار في مجموعته الجديدة “غرف طائشة”، بحالة تأملية، يرى من خلالها الشاعر ما يغيب عن الانتباه، فهو يرنو بصبر وأناة إلى لحظة تخلُّق برعم، وتفتحه من ثم عن وردة، يعلن شذاها لحظة الاكتمال، هو العبير المعلن لا يذهب صداه سدى، لأن ثمة الحاسة التي تلتقطه منذ البوح الأول صانعةً منه قواماً شعرياً عذباً وجريئاً.
ستلوب في فلك
وتنوء بعتمةٍ تدّعيها
سيأخذك الوضوح إلى المزالق
سوف تشقى
هارباً بالضوء، في كل المخابئ.
(من “لحظة، هنا”)
عن سهرتها يتأخر قمر
هي منذ شبابين تعلّمه الضوء.
موجٌ هي زُرقته لا يفهم دفَّتها
تعرف، لكن تتأسى: تعصفُ.
(من “رعشة الحكاية”)
هذا التركيز حد التقطير، على الصور الشعرية يصدر عن دراية بالمضمون الذي تذهب إليه القصيدة لدى وليد، أو الذي يأتي به الشاعر نحو قصيدته قابضاً أدواته الفنية، يثني قوسه، ويشد وتره ويطلق السهم كي يذهب إلى أبعد من الطريدة المدجنة، فهي تعلّم القمر الضوء منذ شبابين، لكنه لايبزغ في اللحظة التي تريد، وهي تعرف وتتحول المعرفة إلى حالة من الأسى، لكن الحالة تتفاعل حتى تصل أوجّها، العصف ، فثمة موج أيضاً لا يستوعب، دفّتها.
ترتقي هنا القصيدة نحو فضاءات مفتوحة على مناخات متباعدة حيناً، متقاربة حيناً آخر، لكنها ذات صلة بالاندهاش الإنساني المحكوم أصلاً بحصار اليومي المكرور، الذي يصادر كل دهشة قد تتنامى هنا أو هناك، وهي – أي القصيدة – تدخل عوالم مختلفة، قابضة أبداً على ذلك الارتباك الجميل، فثمة التوجس حاضراً، لنر إلى هذه التراكيب المدهشة وهي مجتزأة من قصائد مختلفة.
“الفاتن الوجهة – رعشة الندى – أسماء العشية – شغفٌ على درجين قبل الباب – شركٌ على علّاقة العطر – ذاهباً في عتمة بيضاء – ليسحب خلفه، ناعماً، سنابك – أفكاره – صرخة للياسمين – ذاهلاً مثل سنبلة – رعشة الحكاية في الأصابع – شال يؤرخ لي يديك”
إنّ المرجعية التي تعتمدها القصيدة النثرية لدى وليد، هي مرجعية الذات الشاعرة، والقادرة على خلق، بل نحت الصور المغايرة لما هو مزدهر في ساحات المنابر. ومنذ مجموعته الأولى “أفعال مضارعة” ، تقدم الشاعر مختلفاً تماماً، فأي جديد تقدمه المجموعة الشعرية الجديدة “غرف طائشة” ليس أقل من ترسيخ مسيرة شعرية في بنية قصيدة النثر وفي وضمونها، كان قد أسّس لها من قبل. ذلك نصف جواب.
ليس حسب،، هذا المساء.
بل غالباً، وفي وقت كهذا، ينحُلُ الشجرُ:
حين نصير من الموج أقرب
وتذهبُ المصابيح في العتم
وتستحيل الشمس جزيرةً، في أبعد
البحر، حمراء.
(من “إبرة وملائكة”)
وثمة نصف جواب آخر مخبأ في مساء ينحُلُ فيه الشجر، ويكتسي الشعر بالأناقة المباغتة.
فلسطين الثورة، العدد 913، 8/11/1992