وليد خازندار ما تخلّى أحدٌ عنا
لم يكن هناك، في الأصل، أحد
وليد خازندار وطيش الغرف
سعد البازعي
نحن هنا مع شاعر فلسطيني يقف في الطليعة بين الشعراء العرب المعاصرين، ويتصف ، في عبارة سلمى الجيوسي، بأنه أحد أفضل “شعراء نهاية القرن”. والواقع أن الإنسان لا يحتاج إلى شهادة من أحد للتعرف على قيمة شاعر بحجم خازندار، فهذه تفيض بها قصائده التي حملتها ثلاث مجموعات حتى الآن اطلعت على اثنتين منها، هما: أفعال مضارعة (بيروت : دار إبن رشد، 1986)، وغرف طائشة (بيروت : دار فكر، 1992)
غير أن محاولة التعرف على شعر خازندار تصطدم، كما هو الحال في كثير من الإبداع العربي المعاصر، بمعوقين أساسيين : الأول هو توفر الأعمال للراغبين في الاطلاع، والثاني هو التحيّز ضد أشكال شعرية معينة، أو عدم وضوح السمات الدلالية والجمالية التي تبرر الاهتمام بمثل هذه الأعمال. وبما أنّه لا حل جذرياً للأول حالياً، فحسبي هنا أن أقدّم قراءةً لشعر خازندار من حيث هو نموذج لتميّز إبداعي يغيب عن وعي الكثيرين لأحد السببين المشار إليهما. ولعل المدخل المناسب لتلك القراءة هو أن أوضّح الكيفية التي تغلبت فيها على تلكما العقبتين.
عرفت وليد خازندار من مقالة لسعدي يوسف في كتابه “أفكار بصوتٍ هادئ” يتناول فيه المجموعة الأولى للشاعر الفلسطيني بوصفها عملاً “متفرّداً” بعدد من السمات الفنية اللافتة. ومع أن قراءة سعدي جاءت موازية لقصائد خازندار أكثر مما هي محلّلة تسعى إلى الكشف عن خبايا النص، أي أنّها جاءت على النحو الذي يتوقع من شاعر يقرأ شاعراً آخر، فإنّها لم تخلُ من ملاحظات تحليلية قيّمة. ولكن الأهم في تلك القراءة، كما يبدو لي، هي اقتباسات سعدي التي تضع يد القارئ على مكامن التميّز في تجربة خازندار. تلك الاقتباسات كانت هاجسي الأول وأنا أطارد أعمال الشاعر في العديد من المدن، إلى أن اهتديت إلى أفعال مضارعة في القاهرة، وغرف طائشة في لندن. ومنذ ذلك الحين توقفت عن مطاردة النصوص، لتبدأ هي بمطاردتي صوراً ومجازات وأبنية وتعابير، وما كتابتي هنا إلّا محاولة للوصول إلى ما يخفف ضغط تلك العناصر والسمات في الأفعال والغرف.
سأبدأ هذه الجولة/ المغامرة بقصيدة من أفعال مضارعة عنوانها “الصمت” :
في مكانها زهرة الصبار
في إنائها
كعادتها
دون ماء.
في مكانه الكرسي
رمادياً
في الزاوية
عليه منفضة السجائر
والسجائر المطفأة.
الملاءات لم تزل في مكانها
مشوشة/ هادئة
والباب الموارب
الذي طالما تهامسنا خلفه،
لم يزل موارباً
يا إلهي..
لكم تغيّر كل شيئ
لكم تغيّر كل شيئ.
هنا يمارس الخازندار لعبته الجميلة المتكررة في أكثر من قصيدة في مجموعتيه، وهي لعبة المفاجأة النهائية التي يوظفها على أنحاء تتفاوت في النصوص تفاوتاً طفيفاً ولكنه لا يخلو من تأثير، مثلما أنّها لعبة تذكرنا بما يحدث في قصائد شعراء عرب محدثين ولكن من جيل سابق، مثل عمر أبو ريشة ومحمد الماغوط. وتقوم اللعبة على التغرير بالقارئ حتى إذا توقع نهاية معينة جاءته النهاية المغايرة تدفعه نحو التأثير المطلوب دفعاً لا هوادة فيه. فما هو المتوقع وما هو التأثير؟
سيتوقع قارئ القصيدة أن تفضي الصور إلى القول أن لا شيئ قد تغيّر، فالأشياء في مكانها، تعلن ذلك تفاصيل هدأتها وانطفائها، ملامح ثباتها وانغراسها في التوقف والجمود، إنّها هي هي لم يعترها تغيير : الكرسي في مكانه والشراشف حيث كانت، والباب ما يزال موارباً. لكن النتيجة ليست كما نتوقع ، ليست الثبات وإنمّا التغّير، بل وصدمة المتحدث لهذا التغيّر : يا إلهي لكم تغيّر كل شيئ. وفي تكرار العبارة الأخيرة شحنة لا من الدهشة فحسب وإنّما من الصدمة العاطفية الشخصية، من الحزن الكارثي، الذي نكتشف سرّه في الباب الموارب : “الذي طالما تهامسنا خلفه”. فثمة غياب يهزّ المتحدث، غياب يفسّر اكتشاف التغيّر. فبغيابها، غياب الحبيبة، ظلّت الأشياء في مكانها دون التغيير الذي تعوّدته بحضورها : فعندما كانت في البيت كانت زهرة الصبار تُسقى بالماء وكانت الشراشف تعود إلى ترتيبها ولم يكن الكرسي ليبقى في مكانه، ولا الباب موارباً.
إنّنا أمام قصيدة طللية ولكن بمعنى جديد مغاير، قصيدة لا تعلن غياب الحبيب ولكن ترسمه على نحوٍ يترك القارئ يكتشفه بنفسه. وفي ذلك صعود بعملية توليد الدلالة إلى أفق مختلف ولا أقول متجاوزاً لما ألفناه في شعر الأطلال الجاهلي، لأن لكل عصر سماته وتوقعاته. لكننا مطالبون أن نتواصل مع الكيفية الملائمة لعصرنا لندرك جمالياتها ونغتني بما فيها من إضافة. وشعر وليد خازندار مدخل متميّز لتلك الجماليات والمتغيرات الدلالية فهو بعيد، في معظم شعره على الأقل، عن إلتواءات وتعقيدات كثير من الشعر المعاصر. فلا سوريالية هنا ولا تعقيد لفظي، ولا مماحكات فلسفية، وإنما شعر صاف يجمع إلى جماليات النص عمق الدلالة الانسانية. وهذه النقطة الأخيرة مهمة لكيلا يظن أن الحديث عن اللعبة في الشعر نوع من العبث الشكلاني. وكان يمكن ان يحدث هذا في قصيدة كالتي تأمّلنا قبل قليل لو أن بعداً كالبعد العاطفي غاب تماماً. فبالحضور المضمر المتواري للمرأة الغائبة تكتسي رغبة الشاعر في إدهاشنا مبررها الانساني النازع إلى توصيل تجربة في المعاناة طالما ألفناها، لكنها تأتي هنا على أنحاء أخرى. من تلك الأنحاء ما يتبين لنا في قصيدتين، الأولى تشبه قصيدة “الصمت” التي تناولتها قبل قليل من حيث هي توظف تقنية المفاجأة في الختام، أما الثانية فنص مغاير يتضح منه مدى التنوع في تجارب الشاعر الدلالية والتقنية.
القصيدة الأولى عنوانها “العطر نفسه”، وهي كما يلي:
لم تكن في أي تلويحة
لم تكن في أي حفيف مرّ بي
هبطتُ الدرج الصاعد من رواق الحافلات لم أجد
حمقاء قصيرة
لها جرح صغير عند سرّتها.
لم تأت!
لن أعرف، إذاً، كم تغيّرت!
ألا تزال، كما منذ عام، تضرب الجدار برأسها كلما غضبتْ
وتمضي إلى أبعد الأرض
من أجل كلمة واحدة أقولها؟
أتستخدم، لا تزال، العطر نفسه الذي لا أحب
وتلبس الألوان التي أكره
وتترك أشياءها مرمية
هنا وهناك، على حبال أعصابي؟
أصبي النهار الحرون هي بعد،
أموجة الليل العالية؟
حين فتحت باب البيت لم تفاجئني حقائبها
لم تفاجئني أشياؤها المجنونة المنثورة، الآن، هنا
حتى رشاش الماء في الحمام لم
حتى غناؤها.
كنت ألاحق، من باب الحديقة، العطر نفسه
عطرها الذي لا أحب.
ما الذي يدهشنا هنا؟ ليس بالتأكيد النهاية المغايرة لما تقوله بقية القصيدة، أي ليس أن المرأة التي لم يجدها الشاعر قد ظهرت فجأة. فهي لم تأتِ فعلاً. لكننا إزاء مفاجأة من نوع آخر، مفاجأة تقوم على قلب المتوقع في شعر الغزل التقليدي، أي كسر الجماليات المتوارثة في الإنشاء الأدبي المعبر عن تعلق رجل بامرأة، وهي الجماليات القائمة على وصف المرأة بالإبهار سواء كان حسّيّاً – وهو الأشيع – أو معنوياً. إننا في مواجهة نص يقلب المعادلة بتأكيده على عيوب المرأة الحسّية والسلوكية، العيوب التي اعتدنا إخفائها في الشعر : “حمقاء قصيرة”، فوضوية “تترك أشياءها مرمية” ، لا تبالي بما يحبه عاشقها سواء في ملابسها أو في عطرها، سريعة الغضب، بالإضافة إلى الجرح عند السرّة الذي يخدش صفاء البشرة عند الغيد الحسان.
لكن مفاجأة القلب هي التي تمثل معركة مع الموروث الشعري في محاولته لأنسنة المرأة المعشوقة بتذكيرنا بعيوبها، هذه المفاجأة تختتم بمفاجأة أخرى حين تكتشف أن المتحدث العاشق يختلف هو الآخر عن العاشقين الذين عرفناهم عبر قرون من الشعر، فهو مولع بتلك المرأة لذات السبب الذي لا يستثير الإعجاب عادة : إنّه يلاحق عطرها الذي لا يحب، وليس كما اعتدنا عطرها المعدّ لفتنة الآخرين كما عند عمر بن أبي ربيعة أو نزار قباني، ليس المسك الذي يضوع أصورة، أو الزنبق الورد عند الأعشى. وإنما هو “عطرها الذي لا أحب” وفي ظني أن وراء هذا دلالة إنسانية أعمق من تلك التي تكرّس الجمال، فهذا عاشق يتابع ما لا يحب لأنه يبحث عن من يحب، لا يهمه العطر بقدر ما يهمه الإنسان الذي يضوع منه العطر، إنّه قبول الحبيب بكل عيوبه، والعطر ليس في النهاية سوى تذكير أخير بتلك العيوب التي طالعتنا بها القصيدة من قبل.
إنّ قيمة الفن، أيّ فن، ليست في اكتفائه بالدلالة العميقة دون اكتراث كافٍ بالتقنية أو الأسلوب الذي ينقلها، ولا بالأسلوب دون الدلالة. والمعيار دائماً هو علو الاثنين معاً أو تظافرهما وتولد أحدهما من الآخر. وهذا ما يكشفه الفن الرفيع حيثما وجد وبأي لغة أو أداة تماثل. القصيدة الثانية لخازندار عنوانها “نصف الليل” وفيها هم آخر غير هم العاشق، هو يتحدث عن نفسه أولاً:
القمح لمْسَتُه
حين، براحة متعبة، يلامس أكتافنا. وسرو صاعد صمته
لأنه ليس يشكو.
نحن لم نكن نفهم السنابل، وقتها، لم نكن نفهم الندى.
كان يقسم الرغيف، معجزة، بيننا
ويقسم أيامه، والوصايا.
"خلّوه، دائماً ساخناً/ خبزكم
بعدي.
يدور بعد نصف الليل
تبغه بين أصبعيه، هادساً، في الغرف:
يعدنا
يغطي ما انكشف منا
يرنو، قليلاً، من الشباك، بعيداً صافناً.
أمي التي ألف متاهة ومتاهة
تلاحق الصباح،كله، جمرته
رمادة
رمادة.
المفتاح الدلالي ليس صعب الوصول هنا، فهو في قسمة الرغيف، في الدوران بعد نصف الليل، وفي التبغ. إنّها مؤشرات الأب، حتى إذا جاءت الأم في النهاية كان ذلك تأكيداً لما سبق. وقبل الدخول في تفاصيل القصيدة أشير إلى أنها لا تتكئ على مفاجأة النهاية كما في القصيدتين السابقتين في هذه القراءة، فمع ما في حضور الأم من إدهاش إلّا أنه لا يقلب المتوقع، بل يؤكده. أمّا سر الإدهاش في حضور الأم فهو ما تبوح به من تفاصيل النص. ولنبدأ بصورة الأب التي يمكن القول أنّها مألوفة لدى الكثيرين ولكن التفاصيل تخرجها من إيهام الألفة إلى جلاء الاختلاف وذلك من خلال اشتباك الصورة مع رموز قادرة على نقل الإيحاءات البعيدة للحب والتضحية الصامتة : “القمح لمسته”، وليس العبارة المباشرة “الحنان لمسته” ففي القمح حياة مع الحنان. كما أن وصف الصمت بالسرو إيغال في الدلالة عليه، فالسرو ينمو هادئاً وصابراً ولكن في نموه ظل وحماية للمحيطين به. إنّه الأب يحترق كلفافة التبغ بين إصبعيه ويوصي بالتكاتف إذ يرنو إلى المستقبل في الشباك.
لكن الأب الذي يتابع أبناءه ويحنو عليهم دون أن يدركوا هم معنى ما كان يفعل، الأب نفسه بحاجة إلى من يتابعه ويحنو عليه. وهنا يأتي الحضور المدهش للأم في النهاية إذ تتابع رماد السجائر في الغرف تلتقطها الرمادة بعد الأخرى. فإذا سهر الأب من أجل اولاده سهرت الأم من أجل الأب والأولاد معاً عبر هذه المتاهات التي تنقلها العبارة غير المكتملة. شأن الكثير من العبارات والمفردات في شعر الخازندار : “التي ألف متاهة ومتاهة …” كأن في نقص العبارة انفتاح على متاهات الدلالة. وبمناسبة الإشارة إلى هذه الناحية الأسلوبية أشير في النهاية إلى تعمّد الخازندار كسر مألوف التعبير في كثير من من المواضع سواء بقلب التركيب المألوف كما في “خلوه” دائماً، ساخناً، خبزكم بعدي” أو في الوقوف بعد “لم” في القصيدة السابقة : “لم تفاجئني أشياؤها المجنونة المنثورة، الآن، هنا/ حتى رشاش الماء في الحمام لم”. وطبعاً لكي يكون لهذا الكسر تأثيره لا ينبغي أن يكون القاعدة، وهو ليس كذلك بالفعل. إنما القاعدة عند الخازندار هي استخراج العميق والجميل من التراكيب والدلالات عبر تشكيلة واسعة من التقنيات المحكومة بضابط البناء الفني، فهو الطيش لكن داخل الغرف.
فصل من كتاب أبواب القصيدة : قراءات باتجاه الشعر (بيروت، المركز الثقافي العربي،2004) ص.160-168