Skip to main content

  وليد خازندار                        ما تخلّى أحدٌ عنا                             
  لم يكن هناك، في الأصل، أحد                                                                                    

يتحسس الطريق، يمسك بالخيط

سعدي يوسف

في الغرفة ضوع استوائي من أربع حبات جوافة.. و “أفعال مضارعة”* تنبجس من هنا وهناك. من بلدات وعواصم ومقاهٍ وبيوت وأرصفة.  ووحشات محددة مطلقة .

الفعل المضارع مضارع، لأنه يضارع المصدر، زمن مديد حتى كأنه اللازمن ، كأنه المصدر: النبع الذي لا يكفّ.

وفي القران الكريم جاء المضارع ماضياً وحاضراً واستقبالاً. لكن المضارع باعتباره فعلاً لا يرد متواتراً بمثل ما يومي، العنوان: في قصيدة  “انشغالات ” ستة أفعال مضارعة، وفي قصيدة “انتماء”  ثلاثة، وفي قصيدة “المنازل” ثلاثة، وفي قصيدة “الصمت” صفر، وفي فجأةً، عميقا ًعارماً اثنان، وفي “ما يشبه الصليل” ثلاثة، وهكذا. .

أردت أن أقول ان وليد خازندار ليس معنياً بالفعل المضارع في ما هو فعل مضارع متصيّغ، محدود، محدد. إته معني بالتزامن أكثر من الزمن :

لنعترف بأنها شوارع موحشة
في بلاد بعيدة
ولنعترف بأنّا متعبان

الاعتراف، والوحشة، والبعد، والتعب. كل عامل من هذه العوامل الأربعة، هو اقل من عنصر وأكثر، أقل من عنصر لأنه اعصى على التحديد، وأكثر من عنصر لانه لم يجيء اصلا، بل جاء نتيجاً مستمراً لعمليات وافعال عميقة مديدة عديدة. هنا، علينا العودة، ثانية، إلى القصيدة «من بلاد بعيدة- ص. 7 من أولها:

“لنفترض أنها حديقة
ولنفترض أننا نلعب
تخيلي مثل زوبعة صغيرة تستدرج شعرك وقلبي
مثل نهر، في آخر الحديقة، يسكر
مثل ارجوحة، وإننا نعلو.
أنظري
هذه فراشة سافرت أكبر من جناحها
تدور، زرقاء، حمراء، بنفسجية الارتباك لنفترض
قد تبدأ الشجيرات، فجاةً، وتبدأ البراعم
وقد ننتهي ، متواطئين، هكذا. وراعفين، في ممر من الشجيرات ضيق
لنقترب
ما يزال بين خطونا والرصيف شيء من الحذر
يدك!
ما الذي أفعل عندما يدك ترتاح كفوضوي مطارد
على كتفي؟

وفي النهاية:

لنعترف بأنها شوارع موحشة
في بلاد بعيدة
ولنعترف بأننا متعبان.”

الافتراض يعني، موقفاً، وحكماً، ومفتتحاً، والافتراض هنا (في بلاد بعيدة) يمد يديه كلهما إلى ثمار صعبة. . لقد جرت مياه كثيرة تحت الجسور، وانشطر المرء شطرين (نصف للمراكب التي اقلعت/ ونصف لهذا، النحيب الذي يروع المدينة ص.  17″محارة الأفق”، والمقاعد الثلاثة في آخر الصف حيث (كانت الضوضاء والحلوى تجيء من وله، وثلاثة قمصان مفتوحة من دفتر واحد يدور) ص 81 ” علبة الكبريت” هذه المقاعد الثلاثة  تفحم خشبها الآن وربما استقر أحد شاغليها في إطار أسود تحت خريطة.

البلاد المتنائية. . لم تعد الفتوة في براءتها. إذن، على وليد خازندار أن يتحسس الطريق، معلماً، معلماً، وتفصيلاً إثر تفصيل. والكل مفترض . لكل في بهجة الافتراض الصعب، والمغري، في آن. لنعد إلى الحديقة، لنلعب …الأرجوحة تعلو، ونعلو بها، وشعر البنت زوبعة صغيرة، لكن ثمت فراشة سافرت أكبر من جناحها. هكذا يأتي الارتباك في أوائله، إلا أن الصبوة اقوى ، من يدري . . لعل الشجيرات تبدأ فجأة . . ولعل البراعم . الباب ضيق، والتوتر عال، ما تزال بيننا مسافة لشفرة… ويا لليد المباغتة!

يا للدغة! وينهار الافتراض الصعب، افتراض الفتوة في براءتها الأولى، وندخل مباشرة، وكأنّنا مخطوفون، في وأقع أردنا سواه. . (ما الذي افعل عندما يدك ترتاح كفوضوي مطارد على كتفي؟) فليأخذ الاعتراف مكان الافتراض . “لنعترف بأئها شوارع موحشة في بلاد بعيدة ولنعترف بأننا متعبان .

قلت ان وليد خازندار يتحسس الطريق، وقد قطعناه معه. لكن الأمر ابعد من تحسس الطريق فقط، فالأعمى أيضا يتحسس سبيله بالرغم من فقدانه حاسة. على المرء أن يتحسس الطريق. ممسكاً، مثل ثيسيوس، بالخيط الذي  هو ضمانته في الخروج من «اللابرينث». من المتأهة.

وحين تعلق الأمر بالمبدع ، يتعين عليه ان يخلق متاهته وخيطه منذ البداية، أي إنّ عليه، اساساً، أن يضع شروطه الصعبة، ويمضي في جدل هذه الشروط، حتى يبلغ المنتهى الذي قد يكون ارتآه. . او تراءى له في أحسن الأحوال .

ألم يكن وليد خازندار يعرف أن الشوارع موحشة في تلك البلاد البعيدة”

ألم يكن يعرف، منذ البداية، بأنهما، كليهما، متعبان؟ هو يعرف ذلك اكيداً؛  لكن، أي معنى للعمل الفني إن قلت لك بتلك الفطاظة المتداولة : أغرب عن وجهي ..  أنا تعبان؟

العملية الابداعية تتضمن نتائجها: الاقناع الفني.

وبدون الايقاع الفني المؤسس على تناول اخلاقي للواقع وأشيائه وعلائق الواقع، وعلائق الأشياء، يكون القفز على العملية الابداعية ذاتها وتجيء محاولة الارغام الفاشلة .

فلنعد إلى القصيدة من أولها، مترصدين الخيط الخفي الذي ظل الشاعر يمسك به حتى نهاية الطريق!

وليد خازندار غير مغرم بالدعاوى (الكبيرة؟)، أو لعله مغرم بها إلى حد التوجس .

بؤر اهتمامه صعبة: الوحدة، الدهشة الأولى، مراقبة اللحظة. ولادة الاحساس. المرأة غير المعلنة . الهامش/ اللافتة ، وصعوبة هذه البؤر متأتية من ناحيتين مشتبكتين ، أولاهما تجميع الأشعة، الضائعة، المتباعدة المتنافرة احياناً، جعلها تسكن البؤرة، وهو أمر ليس هيناً، إذا حاولنا أن نكون في اية خطوة نخطوها أمناء على مقتضيات العملية الفنية، وثانيهما أن المرء حين ينطلق من البؤرة ذات الأشعة المتجمعة، المتباعدة، المتنافرة احياناً، فإنه يجهد من أجل إن يطلق وينشر شآبيب جديدة من أنوار جديدة

انطلقت من البؤرة حقاً، إلا انّها ذات نوعية غير متماثلة والأشعة التي جرى تجميعها من قبل.

قد تصلح قصة «علبة الكبريت» ص 81، إلى هذا الحد أو ذاك أرضية للتطبيق

المكان/ غزة.

المشكلة/ أول الوعي .

جاك بريفير، لن يقدم لنا عونا كبيراً هنا، إن مشكلة تلميذه مختلفة نوعياً تمام الاختلاف. نحن في «علبة الكبريت”  إزاء قضية أعمق بكثير. نحن هنا إزاء تشكل الوعي الطالبي المطلبي، في غزة، هذا الوعي الذي سيضع ميسمه الواضح على الحركة الوطنية/ الشعبية هناك (بداية اللافتات العريضة؟).

الأشعة التي جرى تجمعها في البؤرة، اشعة منتقاة وظيفياً، صف، ضوضاء، قمصان مفتوحة. شبابيك، خيزرانة، أصابع.. الخ.

وهنا، تعيّن على الشاعر ان يدخل هذه العناصر في بوتقة عجيبة، وأن يحرص على قيادة عملية تفاعل العناصر المذكورة، بحيث تنطلق أمامنا شآبيب جديدة .

القصيدة تسعة عشر بيتاً. الأبيات من 1-4  تضعنا إزاء التحريك الأول للعناصر: التشوش. الأبيات من 5-9  مجموعة تقابلات، أبيض/ أسود، سواد/ نهار، ناب / سن غزال، هنا المقايسة ضرورية بغية الوضوح بعد التشوش، الآيات من 10-15 بداية تشكل السؤال في مراحله الأولى ، بداية الرفض :

كيف للصرخة أن توقف الخيزرانة قبل أن تهوي؟ (ص. 3).

لكن في هذه البداية رافعة واضحة، غريبة، لأنها منفردة، هذه الرافعة هي في الدخول المفاجىء للدوري: كيف للدوري أن يقول: لا؟ هذا الدوري يمهد، بدون مسبقات واضحة، لحنجرة الشوارع، للهتاف المنطلق ، لظاهرة الطلبة في شوارع المديئة.

أن الأبيات من 16-19 هي النتيج المشروع لإعداد متأنٍ.

الواقع هو ما نصنعه .

هذا، حلمنا الأثير، في الفكر، وفي السياسة.

إلا أن عبارة “الواقع هو ما نصنعه” هي القاعدة والهدف، معاً، حين يتصل الأمر يالجهد الإبداعي، وليس من قاعدة أخرى أو هدف. ان مصطلح “الواقع الفني”، يبدو لي ملتبساً إلى حد معين .

والمبدع لا يصنع «واقعاً فنياً” مقابل “واقع غير فني” كما يشي المصطلح الأول. الواقع الذي صنعه المبدع، هو ذلك الواقع الذي مرّ به آخرون ولم يروه. بهذا يكون الواقع الذي صنعه المبدع هو الواقع الوحيد (بالنسبة له؟

لكن المبدع ليس وحيداً، ليس وحده)

قصيدة «الغريب يعرفها . ص.25 تصلح انموذجاً

الليل يمعن/ الحافلات، بطيئة، تبتعد/ البنات صغيرات ويختفين، مسرعات في العتمة/ والشبابيك، قارباً قارباً / أسرجت مصابيحها/  وأقلعت/ المقاهي عدائية / والشوارع التى أضاع فيها مفاتيحه تغلق الآن انعطافاتها / الحجارة شافته وأنكرته / وأنكره المقعد الخشبي الأخضر الطويل قبالة البحر،  أيضا/ وانكره بائع الكستناء/ ما الذي يسرق العصافير ريشها الجميل/ في طقس العواصم ؟/ ما الذي يفعل الغريب في مدينة يعرفها؟

قد يمكن لهذه القصيدة أن تعود بنا إلى حديث ما سمي  التباساً “قصيدة التفاصيل”، بينما الشعر، منذ هومروس، لصيق بأشياء الحياة وتفاصيلها. التفصيل في العمل الفني، ليس قيمة مضافة. القيمة المضافة هي كيفية استخدام التفاصيل بغية صنع الواقع.  في قصيدة “الغريب يذكرها” جرى انتقاء ذكي لتفاصيل مشعة  (أو كابية  فالأمر لا يختلف كثيراً من ناحية الوظيفة) من أجل تأصيل الغربة في تلك المديئة البحرية .

نحن نمضي في رحلة الليل، كل شيء يرحل: الليل. الحافلات. البنات. الشبابيك. المقاهي. الشوارع. الحجارة. المقعد الخشب، بائع الكستناء، والبحر ايضاً.

آنذاك حين يأتي السؤال : ما الذي يفعل الغريب في مدينة يعرفها؟

يكون السؤال مباغتاً جداً، لأنه غير مباغت، لقد أقنعتنا التفاصيل بالمباغتة،  بحيث غدا السؤال، سؤال النص، سؤالنا نحن، والسؤال الذي يطالب به الواقع.

إذن من صنع الواقع؟

من أتى بالمدينة الراحلة إلى عتبة البيت؟

الضجيج حرفة لها أهل وساحة، وأسواق أما الصمت فما أهله بالكثر. وليس  للصمت من ساحة، ليس للصمت من أسواق أيضاً، إذ لا باعة ولا شراة . والشعر العربي، شأن الشعر القديم فم أرجاء العالم، ولد في السوق والساحة. عكاظ، والفورم الروماني، وساحة القرية الأفريقية. ومع تراجع الانشاد عن النص، ثم انفصاله باعتباره  فنـًا متميزاً. أخذت مِنازع معينة تؤثر في النص الشعري تأثيراً أعمق، من هذه المِنازع معالجة ما لم تكن معالجته في الساحة والسوق.. وأعني هنا الاحتفاء بالصمت، كما الاحتفاء طويلا ـ بالصوت .

خذ هذه القصيدة، مثلاً:

غرفتها الفارغة/ كرسي أسود جلد إلى اليمين/ كرسي أسود جلد إلى اليسار/ كنزة سوداء خضراء/ ملولة/ مستهامة/ على رخام النافذة/ لاشيء. غرفتها الفارغة/ لا ريح/ لا نأمة/ البنفسج لائذ يالجدار/ والغيم يوغل، خلف الزجاج ، في الزرقة الغامقة/ فجأةً.. / وقع خفيض ناعم في الممر/ فجأًة. ./ عميقا عارماً/ يملأ الغرفة/ غيابها.

“فجأةً، عميقاً عارماً” ص 41 هنا، تمّ انتقاء الأشياء كلها، من أجل الوصول إلى صمت. صمت عميم عميق. ليست الأصوات وحدها التي توقفت الغرفة توقفت سواد الكرسيين والكنزة. السماء أيضاً زرقة غامضة يوغل فيها الغيم. البنفسج (وهو غير المنسجم) البنفسح يلوذ بالجدار، والمفاجأه، المفاجأة تنتظرنا. ثمت صوت خفيض  ناعم . . ونود في لهفة صادقة أن تلتقي القادم. إذا جاء لم يكن إلا الغياب.

أظن التنويع على الصمت، هذا التنويع الذي يغرق المجموعة، سجيّة جديرة بالاعتزاز والاعتزاز.

ملحوظة لي: هذه المجموعة الشعرية الفلسطينية المنفردة، وهي مجموعة أولى، لم تلوّح باسم فلسطين، وإنما ضنت به على أي مكان سوى العروق.

* “أفعال مضارعة”، وليد خازندار، منشورات ابن رشد، بيروت 1986
المقالة فصل من كتاب “أفكار بصوت هادئ”، سعدي يوسف، مؤسسة الأبحاث العربية، بيروت، 1987.