Skip to main content

  وليد خازندار                        ما تخلّى أحدٌ عنا                             
  لم يكن هناك، في الأصل، أحد                                                                                    

تضاريس القصيدة الخازندارية

فريال غزول

أطمح في التعامل مع قصيدة لوليد خازندار أجد فيها- كما أجد في كل قصائد ديوانه الأول أفعال مضارعة – نقاءً شعرياً وهاجساً حِرفياً لا يناظره فيهما إلّا حِرفيو صعيد مصر وهم يصقلون المرمر الأسواني حتى يصير رقيقاً شفافاً. إنّني أجد في قصائده جمالية مذهلة من النوع الذي نقع عليه في قصائد الشاعر الروسي أوسيب ماندلشتام والشاعر الإيطالي – المصري جيسيبي أنجريتي. تطالعنا الكلمات في قصائده “عارية مبللة” – كما في تعبيره- حيث لكل كلمة حضور خاص نتوقف أمامه مندهشين. وأنا أقصد كل كلمة بما في ذلك الأسماء والأفعال والحروف.. فنحن نحسّ تلقائياً بأنّ كل كلمة مختارة، بل مقطّرة بتأنٍ واعتناء من آلاف الكلمات لتدخل في نسيج القصيدة، فوجودها في النص الشعري ليس عشوائياً أو نتيجة صدفة فنية أو عادة لغوية. هذه الكلمات التي يستخدمها وليد خازندار ليست كلمات سحرية ولكنها مشحونة ومتألقة، وفيها إشعاع ورنين يستحوذان على القارئ. ويمكننا أن نطلق على قصائد وليد خازندار القصيرة “ومضات”، لأن فيها حشداً مهولاً وخاطفاً من الجمال والنقاء. ولن أطيل على القارئ بانطباعاتي لأنني أريد أن أصل إلى تفسير هذه الظاهرة الإبداعية التي تقوم بتطهير اللغة تطهيراً شعرياً.

في هذه القصيدة من قصائد الشاعر، يختار مبدعها- كما في أكثر قصائده- كلمة أو تعبيراً من القصيدة ليجعله عنواناً لها.

الغريب يعرفها

الليل يمعنُ
الحافلاتُ، بطيئة، تبتعد.
البنات صغيراتٌ ويختفين مسرعاتٍ في العتمةِ
والشبابيكُ، قارباً قارباً
أسرجت مصابيحَها
وأقلعت.

المقاهي عدائية
والشوارع التي أضاع فيها مفاتيحَهُ
تغلق الآن انعطافاتِها

الحجارةُ شافتهُ وأنكرتهُ
وأنكرهُ المقعدُ الخشبيّ الأخضرُ الطويلُ، قبالة البحر، أيضاً
وأنكرهُ بائع الكستناء.
ما الذي يسرقُ العصافيرَ ريشها الجميلَ
في طقس العواصم؟
ما الذي يفعلُ الغريبُ في مدينةٍ يعرفها.

                         وليد خازندار، أفعال مضارعة، ص. 25-27.

إنّ أول ما يشدنا إلى هذه القصيدة- لو قرأناها في الديوان حيث تحتل ثلاث صفحات – هو موقع الكلمات القليلة على الصفحات البيضاء الواسعة. فالديوان يريح عين القارئ في صفحاته الشعرية التي يقابلها بصفحات الجرائد أو الكتب المدرسية التي لا ترحم قراءها بفسحة من الفراغ. فهنا تتألق الكلمة لأن الصفحة غير مكتظة. وعلى كل سطر لا نجد إلّا كلمة أو بضع كلمات لا تتنافس على مكان في السطر ولا تتناضد كأسنان المشط، وكأنّها كلمات مطلقة السراح غير مفيدة بنسق مسبق أو زحمة خانقة. وهذا الجانب المرئي السيميوطيقي من القصيدة مهم لأنّه يعزّز الجانب السيمانطيقي الشعري، حيث تتشكل القيمة الفنية والدلالية من العلاقات القائمة بين مختلف الكلمات على الصفحة، لا بين الكلمات المتجاورة فقط.

ففي هذه القصيدة لكل كلمة كيانها المستقل وشخصيتها المتفردة ووظيفتها الشعرية، والقارئ مطالب لأسباب عدة، منها انتقاء المفردات وطريقة ترتيبها وأسلوب نظمها، على أن ينظر مليّاً في كل كلمة. بينما عندما نقرأ لا نتعامل عادةً مع الجمل، وفي الغالب مع الفكرة أو الصورة وراء الجملة. أما الجملة، بما هي تمفصل فيزيولوجي، لكل وحدة فيها ملمس خاص فهذا قلّما نحس به إلّا عندما توقفنا كلمة بخشونتها المفرطة أو بمخمليتها المفرطة، وهي في تلك الحالة نتوءاً أو عثرةً في مسيرة الفقرة. ولهذا عاب القدامى الوحشي والغريب في الشعر 1. ولكن عند وليد خازندار المسألة مختلفة، فلا نقع على مفردات حوشية ولا نحس بزوائد ناتئة، وإنما نشعر بتضاريس جمله الشعرية وكأننا نتجول في حديقة يابانية أو نتأمل في منمنمة فارسية، كل رقعةٍ فيها تستحق التوقف لأن لها طابعها وذاتيتها. فلنرجع للقصيدة.

تبدأ القصيدة بجملة إسمية “الليل يمعن” وهي جملة يتأخر فيها الفعل، كما في الكثير من من جمل الديوان، لكيما يركز المتلقي انتباهه على الأسماء والأشياء التي كثيراً ما تكون مألوفة ويومية. وفي هذه القصيدة بالذات : الليل، الحافلات، البنات، الشبابيك، المقاهي، الشوارع، الحجارة. وتغليب صيغة الجمع هنا لها أهميتها لأنها تقابل وحدانية الغريب المفرد. كما أننا نلاحظ أن الأفعال المرتبطة بهذه الأسماء تكاد كلها تشير إلى الغياب بشكل أو بآخر. فالحافلات تبعد والبنات يختفين والشبابيك أقلعت والشوارع تغلق انعطافاتها والحجارة أنكرته. فهنا نرى كيف يجسّد الشاعر وحدانية “الغريب” (فلسطينياً أو مواطناً بلا وطن مهما كانت ظروفه) أمام انصراف الناس والأشياء عنه. يقدّم لنا الشاعر إذن لقطةً لا بانوراما، من محنة الاغتراب.

نتوقف عند فاتحة القصيدة “الليل يمعن”، نتوقف لأن الفعل “يمعن” بمعنى يركّز لا تستخدم مع الليل عادةً، فهو استخدام غير شيئ ما. فالفعل متعدٍ. أما هنا فالفعل لازم أو على الأصح مرتد على ذاته. فالليل يمعن تعني : الليل يزداد ليلاً وهي هنا فعل انعكاس. ولأن الاستخدام غير مألوف فالتركيب النحوي يفرض علينا ان نتأمل في أبعاد الليل ودلالات يمعن. وعند التأمل وبغير الرجوع إلى قواميس ومعاجم سنجد أن التعبير متناسق وغير متكلف، فالدلالات المصاحبة للفعل ” يمعن” كالمبالغة والإصرار والاستمرار أنسب ما تكون لهذا الليل، الليل بمعناه الظاهري (عكس النهار)، والليل بمعناه المجازي (المحنة) وهكذا نرى أنّ ما قد يبدو في أول الأمر نزوة إبداعية، سنجده بعد التحليل تنسيقاً محكماً يمكن تعليل آلياته ومنطقه.

وفي السطر الثاني من القصيدة، عوضاً عن النثر الرديء “تبتعد الحافلات بطيئة”  يقول الشاعر “الحافلات، بطيئةً، تبتعد”. وهنا نجد أن الدلالة أُرجِئت عمداً، فكلمة “بطيئة” حال، وهي تصوير لفعل لم تقابله عند ورودها، وهي مؤطرة بين فاصلتين، تشد انتباهنا لمجرد وضعها وموقعها المقدم، وعدم الإفضاء بدلالتها، أي أننا نحس بها بوصفها دالاً لا مدلولاً، بوصفها كلمة في ذاتها لا علامة قيمتها فيما تنوب عنه.

لقد تعاملت الشكلية الروسية مع أهمية الكلمة في حد ذاتها، انطلاقاً من مبادئها الجمالية التي جعلت الوظيفة الجمالية في النص الأدبي محورية. وقد كتب يوري تيانوف “عندما يغمض معنى الكلمة … فهذا يكثّف من لونها”.2 كما أن فكتور شكلوفسكي أصرّ على أن “الكلمة ليست شبحاً، بل هي شيء”،3 وتحدث ياكوبسون عن “الكلمة المقيّمة لذاتها”.4 وكأن في ذهنهم جميعاً الشعر الروسي المستقل الذي حاول أن يطرح المعنى جانباً ليؤكد على الجانب الصوتي والموسيقي للشعر. ولكن عند وليد خازندار المسألة ليست صراعاً بين اللفظ والمعنى، بين الدال والمدلول؛ فكلمة “بطيئة” مفهومة ومعناها معروف، ولكن الاشكالية هي أننا لا نعرف أيّ فعل تصف، لأن الفعل يلحقها ولا يسبقها، أو بعبارة أخرى عند شاعرنا نجد تأجيل الدلالة، لا تعطيلها كما عند المستقبليين الروس. فمع أنّ كلمة “بطيئة” شفافة وواضحة ولا تحتاج إلى تفسير، فهي في آخر الأمر وأوله كلمة عادية لا تثير فينا أي شعرية. غير أن الشاعر بنظمه لها في سياق شعري معيّن وتعطيل وظيفتها النحوية مؤقتاً، يجعلنا نحس بها من جديد : نتحسسها في ذاتها، لا في دلالتها، وإن كنّا سنتوصل إلى دلالتها ووظيفتها في عملية ذهنية استرجاعية فيما بعد. وكما أن الحِرفيّ الصعيدي يأخذ حجراً ويصقله حتى يصبح شفافاً يمر الضوء من خلاله، يقوم شاعرنا بعملية مقابلة فهو يأخذ كلمة عادية، شفافة، هشة، مطروحة على قارعة الطريق، تنمّ عن معناها بلا تمنع ولا مواربة، فيعزلها في موقع ليكسبها كثافةً وثقلاً تجعل المتلقي ينظر إليها كشيء في ذاته، أو إن صحّ التعبير يمعن النظر فيها،5 أما لو قدمنا لهذا القارئ جملة “تبتعد الحافلات بطيئة” لما توقف امام كلمة بل مرّ عليها مرّ الكرام محتفظاً في ذهنه بفكرتها ومسجلاً صورة مختزلة لها. وفي جملة خازندار الشعرية يستحيل الاختزال، ولكن الفكرة أو الصورة تحضر بعد توقف وتحسس وتأمل في كل كلمة، وهذا ما يشكّل جماليات ديوان وليد خازندار، فالوصول إلى المعنى ممكن والطريق إليه ليس وعراً ولكنه يفرض على القارئ أن يتمهل وأن يتجول، لا أن ينطلق مسرعاً راكضاً إلى الهدف الدلالي.

وفي الجملة الشعرية التالية في القصيدة يتوقع القارئ أن تتكرر تقنية الشعرية الثانية فيقال مثلاً “البنات الصغيرات، مسرعات في العتمة، يختفين” ولكن الشاعر لا يقع في حبائل المماثلة السهلة، ويثير القارئ ذهنياً بتركيب جملة شعرية مباينة لما سبقتها : “البنات صغيرات ويختفين، مسرعاتٍ، في العتمة” وبالرغم من أن “مسرعات” قد جاءت هنا حالاً بعد الفعل كما هو المعتاد، إلّا أن المتلقي المشبع بتوجيه الجملة السابقة يجد العادي الآن غير متوقع لأنه لم يكن ينتظره. كما أننا نجد تضاداً حجمياً بين الحافلات في الجمل السابقة التي تدل على ناقلات كبيرة والبنات بصغرهنّ، ونجد تقابلاً بين “بطيئة” و “مسرعات”.

 وأما الجملة الشعرية الرابعة : “والشبابيك، قارباً قارباً / اسرجت مصابيحها / وأقلعت”. ففيها أيضاً آليات إبطاء (وليس إبطال) الدلالة. فبعد الشبابيك تأتينا كلمة “قارباً” مكررة بما يؤكدها لفظياً ويشد انتباهنا البصري والسمعي لها. ولكننا لن ندرك دلالتها إلا عندما نصل إلى كلمة “وأقلعت”، لندرك أن صيغة “قارباً هي تمييز مجازي لحركة الإبحار المجازية للشبابيك. فجملة “أسرجت” مصابيحها (أي أوقدت قناديلها) تعترض الفك السريع للشفرة عند المتلقي ؛ وهذا التأجيل له جماليته ومتعته لأنه يجعلنا نتذوق الكلمات بوصفها موصلاً إلى فكرة. ومن خلال تعطيل  الدلالة مؤقتاً، تبرز الكلمة على الصفحة كنحت نافر من الحائط. ويستدعي تركيب “قارباً قارباً من ذهن القارئ تعبير “واحداً واحداً” وهذا هو المقصود منه ولكن عوضاً عن أن يقول الشاعر “واحداً واحداً” أو “شباكاً شباكاً” يستبق نفسه ويستشرف الاستعارة ليقول “قارباً قارباً”. وهنا تصبح عملية القراءة لا تتابعاً أفقياً فحسب يبدأ من أول القصيدة وينتهي في آخرها، بل هو تقدم واسترجاع مستمر. وأما “أسرجت مصابيحها” فتقابل “الليل يمعن”، و “العتمة” تقابل النور.

إن العلامة في الشعر معللة بخلاف العلامة في اللغة، فالكلمة تأخذ قيمتها الدلالية في لغة ما بالتواطؤ لا بالتوقيف،6 فهي لا تستمد قيمتها الدلالية من ارتباطها ارتباطاً عضوياً أو فنياً بمدلولها، وإنما من ارتباط عرفي عملي. ويرى النقاد المحدثون أن كل كلمة في القصيدة أن تعلل وجودها جمالياً وترتبط ارتباطاً عضوياً أو بنيوياً أو جدلياً ببقية الوحدات اللغوية في القصيدة. وبناءً على هذا وبوصف القصيدة نسقاً محكماً لا يطيق العشوائية والاعتباطية، فقد يتساءل سائل لماذا اختار وليد خازندار في المقطع الثاني من قصيدته “والشوارع التي أضاع فيها مفاتيحه / تغلق الآن انعطافاتها” كلمة مفاتيحه عوضاً عن أوراقه أو آماله.. إلخ. فورود كلمة “أضاع”  مبررة بسياق الغربة والسفر والتيه ولكن لماذا “مفاتيحه” على مستوى المدلول والمعنى، ولكن إذا بحثنا عن علتها على مستوى الدال وجدناها مرتبطة عكسياً بكلمة “تغلق” في السطر التالي. وهكذا نجد نسق التقابل بين الظلام والنور، الفتح والغلق متخفياً في القصيدة.

وفي المقطع الثالث نقع على كلمة عامية “شافته” بمنى رأته، وهي تشد نظرنا لأنها تختلف بعاميتها عن بقية الكلمات الفصحى، هي تشد انتباهنا لأنها من سجل آخر. كما أن “أنكرته” ملفتة بتكرارها ثلاث مرات وكأنها تذكرنا بفلسطيني آخر متهم، أنكره صاحبه ومريده ثلاث مرات. ويقول الشاعر ” وأنكره المقعد الخشبي الأخضر الطويل، قبالة البحر، أيضاً” ولا يكتفي بقول “المقاعد الخشبية”، فصياغته تضفي تخصيصاً بعد عمومية الحجارة، فهو مقعد خاص ومحدد بلونه وخشبه وطوله وموقعه، مما يشير إلى حميمية مقعد مفضل يرتاده الغريب. و”قبالة البحر” تستحضر “قارباً قارباً… أقلعت” فهذه لغة الإبحار. أما “أيضاً” تبدو من ناحية المعنى لا ضرورة لها ولكن لها وظيفة مهمة فهي تؤكد على أنّه حتى المقعد الأليف أنكره. فكلمة “أيضاً” تستوقفنا لأنها لا تعني “بالإضافة إلى” فحسب، بل تنطوي على الاستغراب. “حتى أنت يا بروتوس” كما قال القيصر المطعون. ولهذا فكلمة “أيضاً” التي تكاد تكون مبتذلة وقد تبدو حشواً، نجد أنها مشحونة بدلالة التعجب وشيئ من الاستنكار، وكأنها تحمل في ثناياها موقف المتحدث في القصيدة. ولكن عندما نصل إلى نكران بائع الكستناء لا نجد “أيضا” فقد وصل الناطق في القصيدة إلى موقف التسليم بالأمر الواقع، بعد أن بدا وصفه تقريرياً “الحجارة شافته وأنكرته”، ومستغرباً في “وأنكره المقعد الخشبي …” . إن عواطف المتحدث في القصيدة مكبوحة حتى الآن، ولكن تركيب الجمل الشعرية ونظم المقطع يبوح بها.

أما المقطع الأخير من القصيدة فهو رد على المقاطع الثلاثة السابقة بصيغة سؤالين متتاليين. ففي السؤال الأول إدانة للمدينة وطقوسها اللاإنسانية، التي تسرق ريشها أي قدرتها على الطيران والتحليق. وكما أن المدينة ترمز إلى “المدنية” بهجمتها الطقوسية، فالعصافير ترمز إلى الضحايا، فلسطينيين وأمثالهم. وهنا تستوفنا كلمة “يسرق” لأن السرقة عادةً تكون في الممتلكات والمقتنيات، فهي تتعلق بالملكية الخاصة (أو العامة)، ولكن الريش الجميل ليس من مقتنيات العصافير بل هو جزء لا يتجزأ من كيانها. هنا السرقة تصبح سرقة الهوية وسرقة الكينونة وسرقة الصيرورة. هنا السرقة نوع من الانتهاك العضوي. وكالعصفور المنتهك في المدينة كذلك الغريب فيها.

وأخيراً يدرك القارئ لماذا اختار الشاعر من كل كلمات القصيدة “الغريب يعرفها” عنواناً. فالغريب ليس غريباً- لأنه يعرف المدينة بتفاصيلها وإيقاعاتها – ولكنه مغرّب. و “يعرفها” تنطوي على ازدواجية سيمانطيقية. فهو يعرفها بالمعنى الأعمق : يعرف ماهيتها وجوهرها وشيمة الغدر فيها ؛ فهو إذن يعرف جغرافيتها ونفسيتها. فالعنوان ينطوي على مفارقة لا ندركها إلا ونحن نقرأ آخر كلمة في القصيدة.

وقد يقول مشكك إن كل قصيدة تستوقفنا، فما الجديد؟ ولم التعجب والانبهار؟ صحيح، أن كل نص شعري يستوقفنا وإلاّ ما كان شعراً. لكن القصيدة قد تستوقفنا لنبحث عن النصوص التي وراءها والتي تستثيرها وتدخل في علامات تناصية معها. وقد تستوقفنا القصيدة لنشبع دلالاتها ونكمل احتمالاتها ونؤول معانيها. وقد تستوقفنا قصيدة بفلسفتها أو إيديولوجيتها أو عاطفتها أو إيقاعها، ولكن قصيدة وليد خازندار تستوقفنا بكلماتها، بتضاريسها وتجعلنا نقرأها قراءة بطيئةً، كلمةً كلمةً، نتلمس تفاصيلها وتموجاتها ونستمتع بها عضواً عضواً. فقصيدة مثل هذه ترجع لنا بكارة الكلمات ومتعة القراءة الأولى التي ألغاها الخطاب الإيديولوجي الرسمي، فتعودنا أن لا نرى من سيل الكلمات التي تطرح في الأسواق الإعلامية إلاّ ضجيجاً خلفياً نتحاشاه أو نتجاهله. أما الخطاب الشعري الراهن فلا أظنه إلّا معتزّاً بما ولّده من مكابرة ثورية ونزوع جمالي في الشاعر الفلسطيني الجديد الذي يتفرد وينتمي، يتخصص وينتسب.

وردت المقالة في مجلة “فصول” المصرية

الهوامش:

    1. راجع على سبيل المثال: إبن رشيق، العمدة، الجزءالثاني، ص. 265-266.

    2. Jurij Tynjanov. “The Meaning of Word in Verse” in readings in Russian Poetics”, p.143.

    3. كما استشهد بذلك:Victor Erlich, Russian Formalism (New Haven: Yale University Press, 1981), p. 184.

    4. Roman Jakobson, Questions de poétique (Paris : Seuil, 1973), p. 13.

    5. راجع عن الكلمة الشفافة والكثيفة في اللغة:

François Recanati. La transparence et l’énonciation (Paris : Seuil,1979) pp.31-47.

6. راجع عن الفرق بين النظرية التوقيفية والنظرية التواطؤية في منشأ اللغة، أي إذا كانت الأسماء وقفاً او تواطؤاً للمسميات، كتاب كراتيلوس لأفلاطون وكتاب الخصائص لإبن جني، وكذلك الفصل الأول من : كمال يوسف الحاج، في فلسفة اللغة (بيروت : دار النهار ، 1967) ، ص. 15-59.