Skip to main content

  وليد خازندار                        ما تخلّى أحدٌ عنا                             
  لم يكن هناك، في الأصل، أحد                                                                                    

فتنة اللحظة الطائشة

سعدي يوسف

بعد مجموعته “أفعال مضارعة”، الصادرة عن دار ابن رشد ، في العام 1986 ، بيروت ، يطل وليد خازندار بـ “غرف طائشة” ، مجموعته الثانية ومن بيروت أيضاً.

وقد كنت ذكرت في ما كتبته عن مجموعته الأولى:

“الضجيج حرفة، لها أهل وساحة، وأسواق. أما الصمت فما أهله بالكثر . وليس للصمت من ساحة . ليس للصمت من أسواق ايضاً ، إذ لاباعة ولا شراة والشعر العربي شأن الشعر القديم في أرجاء العالم . ولد في السوق والساحة. عكاظ ، والفورم الروماني ، وسأحة القرية الإفريقية . ومع تراجع الإنشاد عن النص . ثم انفصاله باعتباره فنًا متميزاً، أخذت مِنازعُ معينة تؤثر في النص الشعري  تأثيراً أعمق ، من هذه المنازع معالجة ما لم  تمكن معالجته في الساحة والسوق. وأعني هئا ، الاحتفاء بالصمت”

لقد جهد وليد خازئدار طويلاً كي ييلغ هذا الإحتفاء بالصمت .

والآن ، في هذء المجموعة الجديدة أي خطوة تالية خطاها ؟

«غرف طائشة» عنوان يحمل التباسه معه . العنوان يشي بالمألوف ، المتعارف عليه ، أي أن هذه الغرف هي منابت للطيش ، ومباءة . ودِمَن . لكننا، إذ نتصفح القصائد، واحدة بعد الأخرى، لن نجد هذا المألوف، المتعارف عليه . للغرف أجنحة، غرف مرتعشة. ثمت نبت ، ومرمر، وظلال مفاجئة، وعبور خفي لأشخاص وذكريات . هذه الغرف مؤقتة الحالات مسافرة بذاتها، مندفعة اندفاعاتها المرهفة، في هذه الوجهة او تلك. إنها مثل سهام بوذا السبعة، تنطلق بقوانينها، في فضاء مشحون. إذاً، الغرف ، مثل مقاصير فضاء فقدت مداراتها، فأضحت كل لحظة من لحظاتها ذات فتنة وخطر.

كنت اشرت الى احتفاء بالصمت  في مجموعة “أفعال مضارعة”. والى التنويع على الصمت. تنويعاً  يستغرق المجموعة، واعتبرت ما تحقق سجية جديرة بالاعتزاز. أعتقد أن وليد خازندار الذي يشقّ على نفسه كثيراً، ويواصل معالجاته ومحاولاته في الصعوبة، والمقايسة، قد خطا خطوته التالية فعلاً، على مستويين: أولهما يتعلق باللغة، وثانيهما يتعلق بتحريك عناصر اللعبة.

فلا اللغة مأمونة

ولا الصمت مطبق.

لنقرأ هذه القصيدة:

               ذهاب ابيض

الياسمينة الاخيرة في شجيرة الياسمين
تكاد
من صباحات كثيرة
تسقط.
هي في انتظار رعشتها
في احتمال اكتمالها
في ذهابها الابيض.
لو أنها توشك
في لحظة، فراشة
لو أنها تطير
العوسج حابس أنفاسه في الحديقة
وثمة صنج يدق
عالياً.
         غرف طائشة – ص. 55

عندما أقول إن اللغة غير مأمونة . أعني أن يتوقع المرء “مداعبة ما” للّغة المستعملة، ضمن سياقاتها التعبيرية، او حتى النحوية.

في هذه القصيدة ملحوظتان تندرجان في هذا الأمر، الأولى تتمثل في الفاصل الطويل بين خبر “تكاد”، وفعل المقاربة.

قد لا يبدو الفاصل صارخاً، نحوياً، لكنه ناتئ، أسلوبياً، وهو ضروري، لمنح ترقّب سقوط الياسمينة، تاريخاً خاصاً في الذات والزمن. ذلك لأن فعل السقوط نفسه سوف يكون عادياً جداً، لولا العمر المضاف ب” من صباحات كثيرة”.

الملحوظة الثانية تتعلق بخبر “توشك” ايضاً، إنّه هنا “فراشة”. إسم جامد مفرد، لا جملة كما هي القاعدة النحوية، أو شبه جملة أحياناً.

أهي مخالفة للنحو، أم هي نحوٌ مختلف؟

إن قصائد عدة في المجموعة لها علاقة بهذا الاجتهاد في التعبير والنحو.

كنت أشرت إلى الخطوة التالية التي خطاها وليد خازندار في “غرف طائشة” وهي الانتقال من تأمين الصمت إلى تحريك الصمت، تحريك عناصره، الواحد بعد الآخر، أو الواحد مع الآخر.

الياسمينة تسقط ولا تسقط، هي في انتظار رعشتها، انتظار اكتمالها البهي، وهو الموت، وهو الطيران كفراشة، وهو الحياة في هيأة أخرى. العوسج يحبس أنفاسه، نحن في اللحظة الحرجة في الفتنة التي سرعان ما نفتقدها، وبالضبط، في هذه اللحظة المقدسة، يدق الصنج عالياً، تهليلة نهاية سمفونية. صنج ٌ تملأ دوائره الصوتية، الكون كله.

ولنتملّ هذه القصيدة:

مسك كثير

الساعةُ في اللوحةِ الزيتِ سابعةٌ وربعٌ منذ عام
والتفاحتان حمراوانِ
والصحن مستديرٌ، غامقٌ
وخلفُ الطاولةِ الستارةُ بعد المقعدينِ
هادئة وزرقاء.

تفتت مسكٌ كثيرٌ طيلةعامٍ
وزنبقاتٌ كثيرةٌ نسيت أوراقها على الأريكةِ
تحتَ اللوحةِ الزيتِ
حيث الساعة دائماً سابعة وربع
والستارة هائمة
وزرقاء.
                           غرف طائشة ص.103

في هذا النص، تبرز بشكل دقيق، مسألة تحريك الصمت، الصمت للوهلة الأولى مطبق تماماً، حتى أن عناصر منه، ليست ملموسة في واقعها، إنّما هي تفاصيل في لوحة زيت، الساعة، التفاحتان، الصحن.

لكن الشاعر حرّك حتى هذه التفاصيل ليدخلها في اللعبة، بحيث امتزج المتصوّر والشيئ، ليكوّنا مادة اللعب.

الصمت مطبق تماماً، الستارة ذاتها هادئة … لكن لماذا جاءت الستارة هنا؟ لماذا حرّكت زرقتها في منتصف القصيدة تماماً؟ بعد زرقة الستارة، ينهمر كل ما يتحرك، ويحرّك المسك الفتيت، وأوراق الزنابق المنسية، على الأريكة… حيث اللحظات تستعاد، فاتنة، طائشة، غير مذكورة إطلاقاً، لكنها ماثلة، مثل دفتر يوميات.

أنا في هذه الأيام، قليل الاهتمام بالشعر الذي ينشر

لكن وليد خازندار يظل استثناءً.

فصل من كتاب “خطوات الكنغر”، سعدي يوسف، دار المدى للثقافة والنشر، بيروت