وليد خازندار ما تخلّى أحدٌ عنا
لم يكن هناك، في الأصل، أحد
وليد خازندار في “أفعال مضارعة”، هاجس الشعر … هاجس الحياة
راسم المدهون
“الصغيرة الناعمة
إذ ترتب الياسمين
تسكب الماءَ في إناء الخضرة الحانية
الصغيرة الحالمة
حين تسرح براري الكلام
تلف وشاح الغيم على ذراعها
تكتب شمساً وحلوى
وتمعن”
هادئاً ومتأملاً يذهب وليد خازندار إلى قصيدته.. يقولها دون لهاث ويرسل كلماتها من غير “حماسة” خاصة اعتدنا أن نراها تندثر متساقطة من السمع والوعي بعد دقائق من إنشادها [وذلك لا نأسف عليه ، ولا يأسف عليه الشاعر] ، وهنا نحن أمام قصيدة لا تدافع عن نفسها إلا بشاعريتها … هي لا تطلب شهادة حضور من عدّة تقليدية دأبت عليها القصيدة، ولا تطلب من “موضوع” عرفناه من أغلب الشعر، أن يأخذ بيدها إلى أي عكاظ. ذلك أن قصيدة وليد لا تتجه نحو عكاظ أصلاً ولا ترنو بعينٍ إليه.
ماذا يتبقى من الشعر حين يخلع عدّة البلاغة ويبتعد عن مخاطبة أكف الجمهور؟
بسؤال آخر : كيف يواجه الفارس عدواً في النزال حين يخلع درعه الواقي؟ نظن أن شجاعته لا بد أن تجيئ مضاعفة ومهارته أكثر وأكثر.
” أفعال مضارعة” – هي المجموعة الشعرية الأولى للزميل وليد خازندار قرأناها متفرقة في “الكرمل” أو معظمها على الأقل قبل أن تصدر عن إبن رشد للطباعة والنشر في بيروت في منتصف العام الفائت 1986، فرأينا فيها قصيدة جديدة تتجاور مع السائد والمألوف وإن تكن لا تشبه هذا السائد في شيئ. قصيدة وليد خازندار محاولة لإحاطة الشعر بكل ما يعتمل في النفس : المشاعر، الذكريات، الأسى العميق وقراءة الجمال مرسوماً ومتحركاً على مرآة الروح. الشاعر إذ يقترب أكثر فأكثر من عالمه الداخلي ويحاول أن يقوله شعراً يدرك أن الشعر الذي استبدل مهمته الأساس (التعبير بصدق عن الداخل) بمهمات أخرى موهومة، لا يمكنه أن يكون شعراً إلّا إذا عاد إلى نقطة البدء الصحيحة.
هنا تنبض المقولة العرجاء عن الالتزام: سيسارع البعض فيستنفر كل غيرته على الشعب والوطن والقضية، وسينهض لتأويل هذا الكلام على أنه دعوة للهروب وربما عودة لنظرية الفن للفن وغير ذلك. وإذا كان لا بد من إيضاح فأسارع للقول: ليست مهمة الشعر أن يدافع عن القضايا الكبيرة إلّا من خلال صورة هذه القضايا الكبيرة في داخل النفس الفردية. بمعنى آخر إذا كان الشاعر الفلسطيني قد تعوّد (وعوّد قارئه) على أن يصل إلى الذات عن طريق العام، فإنّ المطلوب بالضبط أن يقلب هذه المعادلة رأساً على عقب. يذهب الشعر إلى العام فتتساوى القصائد وتتشابه لأن العام الواحد لا يتبدل [ولا يمكنه أن يتبدل] وإن يكن العكس هو الممكن : أي أن الخاص والذاتي (بمعنى استقبال هذا العام على الردار الذاتي) هو الذي يتبدل بالضرورة بين فلسطيني وآخر ومن ثمّ بين شاعر وآخر. ولا يضير القصيدة الفلسطينية هنا، أن تبدأ من ذات الشاعر، بل لعلها تجيئ أكثر صدقاً واقتراباً من الحياة التي هي أولاً وآخراً منبع الشعر ومصبه في آن :
“لنفترض أنها حديقة
ولنفترض أننا نلعب
تخيلي مثل زوبعة صغيرة تستدرج شعرك وقلبي
مثل نهر، في آخر الحديقة، يسكر
مثل ارجوحةٍ، وإننا نعلو. .
أنظري:
هذه فراشة سافرت أكبر من جناحها
تدور، زرقاء، حمراء، بنفسجية الارتباك”
تفترض القصيدة عالماً تبدأ منه. إنّها بقول آخر تنطلق من عذوبة تأسيس هذا العالم .. تكوين أشيائه البسيطة الأولى ومنحه الحياة. وحين تفعل القصيدة ذلك فهي إنما تعكس إطراقة الشاعر المتأمل، اليقظ والحالم في نفس الوقت. إنه يبدأ من العودة إلى النبع الأول الذي يظل من الأزل إلى الأبد جذوة الإبداع : الطفولة! :
“ لنفترض
قد تبدأ الشجيرات، فجاةً، وتبدأ البراعم
وقد ننتهي ، متواطئين، هكذا. وراعفين، في ممر من الشجيرات ضيق
لنقترب
ما يزال بين خطونا والرصيف شيء من الحذر
يدك!
ما الذي أفعل عندما يدك ترتاح كفوضوي مطارد
على كتفي؟
ثم يقول :
“لنعترف بأنها شوارع موحشة
في بلاد بعيدة
ولنعترف بأننا متعبان.”
قصيدة “من بلاد بعيدة”
قصيدة وليد خازندار تطرح إشكالية العلاقة مع قارئ تكوّن واخذ ملامحه، اعتادت عيناه على رؤية الحروف على شكل ما. وتأسس ذوقه على القصيدة الجاهزة ذات المناخ الوطني الواحد [تقريباً]، فكيف لها (القصيدة) أن تذهب إليه، وهي لا تحمل من عدّة الذهاب القديمة شيئاً؟
لعلني أفتح بهذا باب المساءلة ليس عن هذا الشعر الجديد [فالإبداع لا يسمح بذلك ولا يطيقه] ، بل على الأقل باب المواكبة النقدية التي تفتح العينين على اتساعهما.. تأخذ في اعتبارها قيمة القصيدة لدى مقاييس الشعر، وليس الارتهان إلى تلك المقولات “النقدية” ، التي انطلقت وتنطلق من الإيديولوجي ولا تقارب الشعر في شيئ. وإذا كانت القصيدة التي يذهب إليها وليد خازندار تحاول أن تقارب عالم الشعر، وتبتعد (بل هي تجافي تماماُ) ذلك اللون الآخر من القول الموزون (وربما المقفّى) الذي يمنح الشاعر لغة الخطيب ودور المحرض السياسي – فإن هذا ممكن فقط بانطلاق هذه القصيدة من لحظة الصدق في حوار الشاعر مع نفسه ومع العالم المحيط.
تفترض القصيدة بساطة ما، لتتمكن من المرور إلى القارئ الذي قلنا أنّه تأسّس منذ زمن، فبغير هذه البسيطة، لا يمكن لأحد أن ينقل الحياة أن يرفعها إلى لحظة الشعر المتألقة أجمل من الحياة ذاتها، والمعقدة البسيطة في نفس الوقت. وفي حين عمدت قصيدة شاعر الستينات والسبعينات الفلسطيني إلى التسلّح بعدّتها كاملة وتمنطقت بكل ما يلزم، فإنها أخذت لنفسها دوراً أراده السياسيون والقادة أكثر مما أراده الفن وضروراته.
ومع ذلك، يظل للشاعر الفلسطيني أن يعبّر عن نفسه … أن يقول مأساته، وأن ينقل ما يعتمل في دخيلته، هنا نجد أنفسنا أمام مفترق صعب : هل التعبير عن الذات الفلسطينية هو بالضرورة تسليم بمقولة “التحريض” و”الشعر التحريضي”؟
وبمعنى آخر، وسؤال آخر : هل تظل للفلسطيني في القصيدة الفلسطينية الصورة الواحدة، والملامح الواحدة؟
مضى زمن لم يكن ممكناً فيه قراءة مشاعر ما للفلسطيني خارج تلك الملامح الواحدة الموحدة، التي تصنع منها إنساناً من شمع لا يبرد ولا يحزن .. لا يحب ولا يمسك بيد محبوبته في فوضى المذابح وأسيجة الشوك .. حيث الحياة صارمة لا تحتمل إلا خارج النفس وحيث النفس غائبة الداخل، أو هي لا تملكه على الإطلاق:
” من في غرفتي في غيابي؟
المزهرية ليست في مكانها، قليلاً
وصورة الفارس القتيل على الجدار
مائلة
وأوراقي تلمّ أطرافها
من قراءة سريعة.
ليس هكذا أترك قميصي.
ليس هكذا أترك مخدتي.
من في غرفتي ، في غيابي؟
أيّ احتمال؟
أيّ هدوء يعيد المزهرية إلى مكانها؟
أيّ تصالحات تعيد إلى الفارس القتيل
هيأته واعتداله في فراغ الجدار؟”
هذه القصيدة (إنتماء) لا تطرح إلّا الأسئلة. القول بأسئلة متنافرة متلاحقة وهي في الوقت نفسه لا تنتظر إجابة ما على أي واحدة منها. ومع هذا (وربما بسببه) يمكن لنا أن نعيد تجميع هذه الأسئلة .. يمكن لنا رصّ نتف الصورة لتوضح ملامح ما حدث في غياب الشاعر، في غياب الواحد منّا في غرفته. هل ثمة ضرورة للحديث المسهب عن غريب جاء وعاث فيها؟ هل ثمة ضرورة للبكاء على واقع حياتنا المشدودة كوتر يوشك أن ينقطع؟
هنا ندخل إلى لعبة الشعر:
-يبدأ الالتزام التقليدي من الخارج… يأخذ الشكل والألفاظ، ينتقي الصور ذاتها ليؤسس المناخ ذاته.. فيمضي إلى الرنين.
-ويبدأ الالتزام الواعي من الداخل، من مرآة الروح الصافية تلك التي لا تخدع الشاعر ولا تضلله ولا تدخل معه في مصالحات فاشلة في محاولة أكثر فشلاً لاستبدال الحياة العميقة بصخب المنبر.
سؤال الشعر الفلسطيني يسكن هنا .. يسكن ويحاور.. ودون ما خوف ولا تردد يدخل الشعر الجديد إلى حياتنا، واثقاً أنه المستقبل لأنه الحياة دون زيادة أو نقصان.
“في مكانها زهرة الصبّار
في إنائها
كعادتها
دون ماء
في مكانه الكرسي
رمادياً
في الزاوية
عليه منفضة السجائر
والسجائر المطفأة
الملاءات لم تزل في مكانها
مشوشة
هادئة
والباب الموارب الذي طالما تهامسنا
خلفه،
لم يزل موارباً..
يا إلهي..
لكم تغيّر كل شيئ
لكم تغير كل شيئ”
“أفعال مضارعة” مجموعة الشاعر وليد خازندار فرحتنا بها أنها تأخذنا إلى الشعر في وقت أخلد الكثيرون إلى وهم الاكتمال فذهبوا في نوم عميق.
مجلة “الحرية”، 17/5/1987