Skip to main content

  وليد خازندار                        ما تخلّى أحدٌ عنا                             
  لم يكن هناك، في الأصل، أحد                                                                                    

الوحشي والأليف

حسام الدين محمد   

عناوين قصائد “غرف طائشة” (1) لوليد خازندار هي في برزخ بين المحسوس المادي والمجرد المعنوي (إبرة وملائكة 9، ارتباك المرايا، أزل خفيف إلخ..) والعناوين تشف عن روح القصائد ومشغولياتها المزدوجة هذه، وتلمّح إلى “ما سوف يأتي” * تحفل هذه العناوين بأشياء مادية : كرسي، حقيبة، مرايا، شاي، مسك… كما تحفل بما يدلّ على الزمان أو المكان، معاً أو على حدة : هنيهة، قبل ، بعد، متأخر، بعيداً، عالياً… وهي عادةً ما تَرِد بصيغة المضاف: أسماء العشية، حرير عتيق، ذهاب أبيض، أزل خفيف… واصفة الملموس بالمجرد أو العكس.

يشتغل وليد خازندار في نصوص قصائده على الكلمة فينتقيها انتقاءً دقيقاً كأنما هو ينحتها، وهو يشتغل أيضاً على جملته بأناة وتفحّص، كأنّه صانع ساعات منهمك في خلق التوازن بين حركات (مسننات) الكلمة في ترابطها مع الجملة وفي دورها ضمن الآلة ككل، ناسجاً من هذه التآلفات بُنية القصيدة. بل أن الحروف أيضاً تشارك في هارمونية المقطوعة عند الخازندار، فتجد في المقطع أو القصيدة شغلاً باطنياً (لاشعورياً ربما) على الحرف وتكراريته، والشاعر في هذه اللعبة يمسّ الحروف مسّاً بآلته الشعرية لتشارك في العزف الهادئ، ولك أن تلاحظ حركة حَرْفي السين والشين الدائرية في قصيدة “عصف وموجة” مثلاً حيث نجد أفعالاً أسماء وصفات تتضمن هذين الحرفين : يسار، استدار، موحش، الشباك، شرعة، شيئ، الكستناء، مراسيها، شرفاتها.. ثم هناك التناغم بين حروف الفعل والإسم : أشعلت شرفاتها، استعادت مراسيها، كما أن هذه التناغمية الباطنية تدور أيضاً على قريبات هذين الحرفين (الثاء- الصاد – الضاد، في القصيدة المذكورة، على سبيل المثال)

تتبدّى على القصيدة حيناً سمات الشغل الحِرَفي الصائر، بإحكامه ومشغوليته، طاغياً على إبداعية القصيدة. غير أن هذه السمة لا تستغرق غير بضع قصائد ولا يلبث الحِرَفي أن يتعاون مع الشعريّ، فبحث الخازندار عن جوهر اللغة، يجعله منهمكاً بالإيجاز والاختصار جاعلاً الكلام يشفّ ماخضاً زبدته. من خلال هذا التهذيب الفائق ينبثق ضوء الشعر، منهكاً أحياناً من هذا النحت الدقيق، الذي يجعل جملته ممسوكة حتى لكأنّها لن تكتب إلّا كما كُتبت، ومرتعشة تحت سطوة حاكم القصيدة.

يأتي الخازندار إل القصيدة كأنّها عمله الصباحي الوحيد، ويبدأ بتشكيل المشهد، كما لو كان يرسم لوحة. يقول في قصيدة “بعيداً عالياً”  :

“لا نبأة / في الصباح العتيم هذا، لا ظلال/ تقف الأشجار صافنةً / كما لو أن أمراً سيجدث الآن. الشارع مبتلٌّ ويرعش/ والريح التي عصفت أمسِ، في الليل / ألجأت كل الوريقات إلى رصيف واحد. تهبط السماء ثقيلة/ سوداء، غيمة غيمة / وتكاد تطبق. ولد وبنت بعيداً عالياً، في آخر الشارع / يحملان سلّة كبيرة ملوّنة / يحاذران شجرة الصبّار هوناً / ثم يختفيان في زهر السفرجل / في غبار الطَّلْع / في غيابة هذا الصباح البهيّ”

تتكرر هذه المشهدية الصباحية (مموّجة بألوان مسائية) في قصائد : “أسماء العشية”، “ركوة، بعد”، “خلسةً، وردة”، “الشوكة هذه”، “بعيداً عالياً”، “ذهاب أبيض” وتشير إليها في “ذئب وصحراء”، وتنتقل إلى أوقات (وضمن حالات) أخرى (المساء، العشية، الليل)، في “نصف الليل” و”إبرة وملائكة”. يتلبث الشاعر، من ثمّ، ممسكاً بحالة نفسية تحيطها الأشياء (الطبيعة الصامتة) التي أهم عناصرها المنزل وتفاصيله، وضمن المنزل هناك أولاً الشرفات والشبابيك، بما يدلّ على فعلي النظر والمراقبة اللذين يقوم بهما الشاعر – رسام الكلمات الوصّاف وملتقط ظلال التفاصيل وحركة الذات معها وداخلها، وهناك أيضاً الدرجات حيث دلالة النزول والصعود أو الحركة الداخلية ضمن البيت (الذي نادراً ما يخرج منه شخص  القصيدة). الدرجات هي أيضاً دلالة الإفضاء إلى الداخل والخارج. الداخل الذي يغرق الشاعر في تصوير مشهده وأشيائه : الكرسي والوسادة وغرفة الجلوس وغرفة النوم إلخ… والخارج الذي هو مشهد الطبيعة والطقس والحديقة والنبات.

لاحظ سعدي يوسف بحق، في مقالة عن مجموعة الخازندار الأولى “أفعال مضارعة” (2) أن الشعر في المجموعة هو فعل “احتفاء بالصمت”، ولاحظ أن الشاعر باحتفائه بالصمت يتناقض مع عالم كامل من الشعرية القائمة على الاحتفاء بالصوت. من هذه الملاحظة المهمة أستطيع أن  أضيف أن الاحتفاء بالصمت (المستمر كهاجس وأسلوب في “غرف طائشة”) يؤدي (أو هو نتيجة) لفلسفة مختلفة للقصيدة عند الخازندار (وصحبه من الشعراء ضمن المدرسة نفسها) تؤدي بدورها لتعامل مختلف مع اللغة أقرب لأسلوب الرسام في مزجه للألوان أو النحات في نحته للتمثال، حيث يقوم الشاعر بالشغل على الكلمة كما لو كانت لوناً، معدِّلاً فيها ومنقياً منها ومشتغلاً عليها بقدر ما يسمح جهاز اللغة : هذا الجيل الذي يداوره الشاعر ويشاغله ويعتصره وينحت فيه. من ذلك، مثلاً، استعماله كلمة نعس بدل نعاس في قوله : “يهطل الآن، في المحارة نفسها / ذائباً نعساً”، أو في استخدامه التأنيث لمفردات التذكير لإعطاء الكلمة إيحاءً خاصاً، مثلما في كلمتي : نبأة بدلاً من نبأ، وغيابة بدل غياب (في قصيدة “بعيداً عالياً” التي أوردناها)، أو في نحته وزنا جديداً للكلمة مثل قوله : قطرة فلتَى.

 

العلم المركزي هو عالم المنزل، وتتكرر أشياء المنزل ومفرداته في قصائد الخازندار، وبدءاً من المفتاح والعتبات والجدران وغرفة النوم والجلوس والمطبخ ووصولاً إلى المرأة والخواتم والشمعة والصحن والطاولة والقميص والابرة والكشتبان والزيتون والجبنة إلخ.. فما هي دلالات عدد المفردات الكبير هذا؟

في قصيدة “أسماء العشية” يستحضر المنزل حالات : الاسترابة، والتريّث، أو التردّد ، والسكوت، ويستحضر الحميمية في “ركوة، بعد” وذاكرة الرحيل في “عصف وموجة”، و”موسمان على غيمة”  والتردد أيضاً في حرير عتيق” ومراقبة المشهد الطبيعي في “بعيداً عالياً” إلخ… وهذه هي تقريباً، أغلب دلالات المنزل في ظاهر النص عند الخازندار : الريبة من الخارج، والتردد في لقاء عالم أو واقع خارجي لأسباب مبهمة نوعاً ما. يبدو الخروج من المنزل ولقاء العالم الخارجي نوعاً من الحالة التي تفضي إلى الألم أو إلى استعادة جروح الذاكرة “ليس لأنّه أدار مفتاحه / دونما جرس، ففاجأهم، توتّرَ / لا وليس لأن / كان عليه، أصلاً أن يكون ميتاً / ومبكياً قليلاً، ومنسياً”

والخارج هنا هو إمكانية الموت والخطر، وجرح الذاكرة الخارجي يتحوّل إلى نوع من إشارة حصر تحيل للخطر : “آهة أبيدة” وتنتج العزلة : “باب ينصفق”، كما تحيل إلى معنى متضمن متوتر ولكن مكبوت : “اطمأن كلٌّ إلى سرّه، وأغضى”.

وحتى عندما يغادر الشاعر مكمنه أو “وجاره” الحميم فإنّ تردده يمنعه من الذهاب إلى مكان كما في قصيدة “كرسي للحقيبة” : بينما، كتمثال قديم، يظلّ لا يبدأ ولا ينتهي / لايقول ولا يغادر الحكاية / يكون قطار الخامسة والنصف غادر”. البيت هو شرنقة الشاعر (محارته) ومكان عزلته وانعزاله عن الخارج، إنّه دليل الاستنكاف عن الفعل والاغتراب عمّا يخرج من عالم الذات. لكن عزلة الشاعر (أو شخص القصيدة) أعلى وأكثف من أن يستطيع المنزل أحياناً، تأليفها (من ألفة) : “لو أنّه غيّر الماء للورد / وشذّب النباتات / مرهفاً السمع إلى تململ جذرها في محابسها / أفي هذا كفاية، سبباً، لألفة؟!” المنزل حصن الذات في النهاية غير أن العلاقة به وبخارجه عند الشاعر تبدو استمراراً لحالة رهاب طفلي يشبه رهاب الأماكن المفتوحة، رهاب العالم المفزع : “في الليل خفق أجنحة كبيرة / في الليل عواء مسترسل وعزيف : / يغلق الشباك / يطمئن للمرة الألف، من حكمة الباب” وما يدلّ على ذلك أيضاً استخدامه، أحياناً اللغة الرهابية الطفلية نفسها، حيث الكائن الخرافي والحيوان المرعب : “تأخذنا إلى غرفة الغولة / إلى الضبع الأسود / إلى مغارة العقارب”

الخوف من الخارج، يترافق مع التردد ليؤديا إلى الرغبة في الانعزال ضمن جدران الذات وأشياء المنزل. الخارج يغدو عندها أقرب من النافذة والشباك، والعزلة قد تنتقل على نفسها لتؤدي إلى تحوّل أشياء المنزل. الخارج يغدو عندها أقرب ما يُرى من النافذة والشباك، والعزلة قد تنتقل على نفسها لتؤدي إلى تحوّل أشياء المنزل نفسه، كما لاحظنا، إلى “خارج” يصعب التآلف معه. تؤدي الوحدة بالشاعر وهو “بين التفزّع والرضاء” على حدّ قوله، إلى تحوّله إلى كائن غريب وحشي كما في قصيدة “الشوكة هذه” : “بدأت له /  مخالب، هذا الصباح”، أو تحوّله إلى كائن بأجنحة في قصيدة “هنيهة قبل الجرس”. ويحيلنا هذا إلى عالم الحيوان في قصيدة الخازندار.

تنقسم كائنات الخازندار الحيوانية إلى سياقين دلاليين ظاهريين  : سياق الوحشي وسياق الأليف، وضمن الوحشي هناك دور خاص للذئب الذي يتكرر ذكره عدة مرات، وكذلك يرد ذكر إسم مكان إقامته : الوجار مرتين، وصوته : العواء، والكائن الوحشي الآخر هو كائن خيالي : الغولة التي يتكرر ورودها مرتين، ويبقى لدينا الضبع والعقارب ضمن العائلة الوحشية. أما الكائنات الأليفة فهي العصافير والقطاة والفراشة والريم والفرس والمحارة. يجمع بين الوحشي والأليف تعبير هذه الكائنات التي ينتقيها الشاعر من هذين الحقلين المختلفين، عن حالتي العزلة والنفور، فأغلب الحيوانات المنتقاة تجمعها النفرة من الآخرين والهرب من الإنسان، يشترك في ذلك الريم مع الذئب والقطاة مع الضبع وتكاد الغولة تكون أكثرها بعداً وغرابة.

تصدر كلمتا الوحشة والوحشي في العربية عن المصدر اللغوي نفسه، ف “كل شيئ لا يستأنس بالناس وحشي” كما يقول لسان العرب، وهذا اللاإستئناس بالناس ظاهرة الوضوح لدى الشارع، أمّا الوحشة (وهي في لسان العرب) : “الفرق من الخلوة” وبذلك تتضح علاقة حقيقية بين هذا الخوف من العزلة أو الفرق من الخلوة وبين مظاهر التوحّش والحيوانية التي تظهر على شخص القصيدة. وهكذا يتحول شخص القصيدة ذئباً أو تنبت له أجنحة، أو يصير محارة ويصير البيت وجاراً، في تعبيرات متصادية عن العزلة والاستيحاش من الأنس والنزوع إلى الوحدة.

يذكر إبن منظور في “لسان العرب”، “إذا أقبل الليل استأنس كل وحشي واستوحش كل إنسي”، والليل، على ضوء معنى الوحشة هذا، مفردة أثيرة عند الشاعر (تتكرر 9 مرات) إضافة إلى العشية (5 مرات) والعتمة (4 مرات) والمساء (مرتين)، ولكن للصبح أيضاً أثرته (التي تلمسنا معناها المشهدي في بداية المقالة) لدى الشاعر (10 مرات)، والصبح هو بدء طقسي للتردد والمراقبة والاسترابة عند الشاعر: في مخلب الصبح يبقى / مثل حرير عتيق، هكذا: / هادئاً ويحرك النار/ مستريباً ويوغل / تاركاً أمره للتردد الأعمق فيه / ذاهباً في أوار لا ينتهي/ ذاهباً في عتمة بيضاء” والصبح ليس إلّا بدء العشية ووجه العتمة : “كرسي للصباح / هو نفسه للعشية”. الصبح والليل ليسا، دائماً، ضمن دلالاتهما الاعتيادية السالبة والموجبة، بل كثيراً ما يختلطان ويتشاكلان عند الشاعر، وهما في الحالة التعبيرية يتداخلان ليشكّلا واحداً كقوله في قصيدة “حرير عتيق” : “عشية، في زئبق النهار كلّه”، وقوله في “الشوكة هذه” :”صباحات عتيمة، إلخ… وليصبح الطقس أو الوقت ملحمة للتكرار والتداخل، أو ، على ضوء ذاتية الشاعر، للتردد والاسترابة.

عالَم النبات واسع أيضاً في قصيدة الخازندار، وتتكرر مفردة الشجر (أشجار، شجيرات)، وكذلك أسماء أشجار معينة : السرو، السنديان. تتكرر مفردة الوردة أيضاً ويخص الشاعر الياسمين والحبق والريحان، كما تذكر بعض الفواكه : تفاح ، سفرجل، وهناك القمح وتفاصيل النبات : الأغصان، التويجات، البرعم، وأخيراً الهال (والقهوة).

النبات في نص الخازندار كائن مفارق إلى حد ما، على عكس الطائر والحيوان اللذين يستبطنهما الشاعر. تستخدم دلالات النبات في الاخضرار والكثافة، وفي احتماله لصفات ترتبط بالعيش والاستمرارية :”القمح لمسته / حين، براحة متعبة، يلامس أكتافنا / وسروٌ صاعدٌ صمته / لأنه ليس يشكو”. النبات أيضاً يبدو ظلّاً لما يجري في الذات : “نحن في غيمة: /يجيئ من لَبسة كلامنا / من لهف/ ووشك انهمار / من حبة، والشجيرات، على طرف الرصيف، عاريات”، ومن هنا يمر النباتي لتلبّس صفات آدمية: “غالباً، وفي وقت كهذا / ينحل الشجر”

ربما كانت العلاقة مع الطبيعة عند الخازندار تَمُتُّ بصلة  إلى رومنسية محدثة، ولكنها تمنح من اللهجة الخفيضة والنزوع إلى العزلة شكلاً آخر يختلف رومانسية الخروج إلى الطبيعة ردّاً على  فظاظة الواقع، فالشعر يرى إلى الطبيعة والطقس بما هما مرآة لتحولاته النفسية أولاً، وبما هما مشهد مراقبة من حصنه المنزلي، من كواه الداخلية وشرفاته الخائفة والمترددة. هي طبيعة قريبة ترى بالعين المجرّدة وتلمس باليد أو تُتخيّل تخيّلاً، وضمن الطبيعة هناك الطقس وتحولاته المراقبة: “صار يعرف / من ظلال كثيرة / أسماء العشيّة، كلّها” أي أنّ ما يميّز هذا النزوع عن الرومانسية هو الطابع الداخلي الانكفائي فيه. الطبيعة هنا ليست، بحال من الأحوال، مكان خلاص، ففي شعر الخازندار ليس هناك نزعة خلاصية أبداً، فالبيت ليس مكان خلاص، إنّه ملجأ من فزع، وِجار، محارة، وليس أرضاً للنشيد الجمالي بالمعنى الرومانسي.

في المجموعة 7 مفردات للدلالة على الأشخاص ترد كلٌّ منها لمرّة واحدة، فيما ترد كلمة “الغائب” – ذات الدلالة هنا – مرتين. هذه المفردات هي : ولد، بنت، الناس، ميت، أمي، أميرة، جدتي، غائب. في مقابل الوجود الكبير للأشياء والنبات والحيوان وشؤون الطبيعة والطقس نجد غياباً كبيراً للأشخاص، بمن فيهم الشاعر نفسه الذي يختفي، غالباً، وراء ظلّ بديله: شخص القصيدة، الذي بسبب التعبير عنه بضمير الغائب يبدو شخصاً آخر على مسافة من الشاعر. الكاتب هنا، منعزل عن ذاته، أو بتعبير فلسفي، مغترب عنها، فالغياب البشري في القصيدة، ليس غياب الآخرين فقط، هناك غياب ملتبس آخر، موضوعه الشاعر، بما هو أنا القصيدة، الذي يحضر عند الخازندار بما هو مراقب للغياب، غياب الذوات، وبما هو الضمير الباطني الجائس عبر أنفاس القصيدة. يستعمل الشاعر إذن ضمير المخاطب، كما يأتي الحديث عن الآخرين بضمير الغائب أو بدون لفظ طبيعة العلاقة معهم، مثل الحديث عن الأب دون ذكر لهذه الكلمة أو ما يقاربها في قصيدة “نصف الليل”.

يعود غياب الأشخاص، الضمني أو الحقيقي، جزئياً، إلى أسلوب الإيحاء، أو الإشارة الذي يستخدمه الشاعر. لكن الأمر، خارج المسألة الأسلوبية يعود بدرجة أكبر إلى رؤية الشاعر الخاصة لذاته وللآخرين، رؤيته للعلاقة مع العالم ككل.

هذه الرؤية ترتكز إلى مفهوم الشاعر لفكرة الغياب : غيابه عن العالم مجسّداً في نزوع للموت – وإن كان يبدو نزوعاً خافتاً – كما في قصيدة “ذهاب أبيض” (ولا يعني الباحث كثيراً ما توحيه القصيدة بالحديث عن الياسمين)، أو غيابه بالتغيّر الفيزيائي أو النوعي : ظهور مخالب أو أجنحة، أو الغياب بالمعنى اللغوي الذي رصدناه. رؤية الغياب هذه مرتبطة، كما لاحظنا، بفكرة اغتراب الذات عن الواقع، وكذلك اغتراب الواقع عن الذات، هذا الاغتراب الذي يدفع الذات للتحصن وإيصاد الأبواب (تتكرر كلمة الباب كثيراً في المجموعة وغالباً ما تَرِدُ  ضمن دلالة الإيصاد والإغلاق).

في تحليل مفهوم هيغل لمفهوم الاغتراب، يذكر أن علاقة الفرد بالبنية الاجتماعية، حينما تغدو علاقة تنافر، فإن الفرد الغارق في تميّزه الذي اكتشفه يصل إلى اعتبار أنّ البنية الاجتماعية التي كان متّحداً بها من قبل شيئ “آخر” بصورة كاملة وينشأ عدم التطابق في الوعي بين الذات والبنية، وينظر الفرد الآن إلى البنية باعتبارها شيئاً خارجاً عنه ومعارضاً له (3). غير أن استخدام الشاعر الكثيف لضمير الغائب يحيل إلى اغتراب من نوع آخر، إنّه اغتراب عن الذات أيضاً، فالنزعة المشهدية، قد تكون مفهومة ضمن المفهوم الأول للاغتراب عن العالم والآخر، لكنها، في “غرف طائشة”، تضع شخص القصيدة نفسه ضمن قوس، وضمن مشهد ومراقبة الكاتب له، كأنّه بذلك فاوست غوته وهو يصيح : “ثمة روحان تقطنان، ويا للحسرة، في صدري / ويناضل كل روح منهما للتخلص من توأمه”. غير أننا، بقدر السهولة التي نستطيع استنتاجها عن نوع من التباين بين شخص الشاعر وشخص القصيدة بقدر ما يصعب علينا إيجاد نوع من النضال، بينهما، فلهجة المراقب الواصف الحياديّ، لا توجّه، في وصفها لتردد واسترابة وأحوال شخص القصيدة، باتجاه استغراب أو توصيف معياري أو أخلاقي، فلغة الخازندار تنقّي نفسها من لغة الآخر المرهقة بهذه المعايير، وهذا في ظني، جزء آخر، يحيل من جديد إلى الاغتراب عن الآخر بكلّيته الموضوعية والذاتية.

*عنوان إحدى قصائد المجموعة.
(1) "غرف طائشة" وليد خازندار، دار فكر، بيروت، 1992.
(2) الحرية، 26/10/1986، سعدي يوسف، "وليد خاوندار في أفعال مضارعة : يمسك الخيط ... يتحسس الطريق"
(3) للاستزادة راجع : "الاغتراب"، ريتشارد شاخت، ت : كامل يوسف، ط.1، 1980، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، ص. 98.
          وردت المقالة في مجلة "الناقد"، العدد 65، نوفمبر 1993