Skip to main content

  وليد خازندار                        ما تخلّى أحدٌ عنا                             
  لم يكن هناك، في الأصل، أحد                                                                                    

الإرجاء والتوقيع
دراسة أسلوبية لديوان “غرف طائشة” لوليد خازندار
عبد العزيز موافي

عندما يتعلق الأمر بالشعر، فإن تغيير الوعي -عادة –  ما يعد شرطاً أساسياً لتغيير الموقف والممارسة .. الموقف الجمالي والممارسة الشعرية، ولأن القصيدة الجديدة – منذ بزوغ الاتجاهات الحديثة- لم تعد وسيلة، بل أصبحت غاية في ذاتها، فقد كان من الطبيعي أن تختلف الممارسات الناجمة عن تبني الموقف الجديد. فلم يعد الشعر وسيلة تعبير، لكنّه أصبح اكتشافاً وهكذا أصبح الاكتشاف هو مهمة القصيدة وطبيعتها في آن واحد. ولذلك، فإن قدرة الشاعر الحقيقي على الابداع تصبح معادِلةً لقدرته على الاكتشاف، عبر إنتاج علاقات نصية جديدة، أو إعادة إنتاج للعلاقات السابقة عليه.

وحين يتعلق الأمر بالشعر العربي تحديداً، فإن مهمة الشاعر تصبح أكثر صعوبة، فالانتماء إلى الحضارة العربية، حسب عبد العزيز عرفة، لم يعد انتماء لمضامين، بقدر ما هو انتماء إلى لغة، والانتماء إلى لغة هو انتماء لنبضها الإيقاعي، وجرسها النفسي، ومن هنا، يبدو الخروج على اللغة وكأنه خروج على الهوية. فكيف يستطيع الشاعر – إذن – أن يعايش ماضيه، بينما نصوص هذا الماضي مثقلة بالميتافيزيقا؟

تلك هي الاشكالية الأساسية التي يعاني منها الشاعر المعاصر، الذي ما إن يقرر كتابة نصه حتى تصادره اللغة، تحت ضغط التقاليد التي تشكلت مرة واحدة في الماضي، وإلى الأبد. فإذا ما أضفنا إلى ذلك انزياح المسافة بين اللغة والميتافيزيقا من ناحية، والهوية من ناحية أخرى، يبدو لنا – على الفور – حجم معاناة الشاعر في أن يكون، بمعنى ألّا يستسيغ ولكن (يكون) الشاعر، فإنّ عليه أن يضع بصمته داخل اللغة، وأن يؤسس سمة أسلوبية لا تنتمي إلّا إليه، بمعنى أنها تنتمي للذات لا للتقاليد، حتى ولو كانت تقاليد حداثية. إن تلك الكينونة هي التي توحد بين الشاعر وقصيدته، وبين القصيدة ولغتها، وطبقاً لهذا التصور، فإننا حين نحاول دراسة شاعر ما، علينا – بالأساس –  اكتشاف موقعه من اللغة، وموقع تلك اللغة من التقاليد.

ومن هذا المنطلق، يصبح مدخلنا إلى دراسة الديوان الثاني للشاعر الفلسطيني وليد خازندار، وهو بعنوان “غرف طائشة” بمثابة البحث عن تلك السمة، التي نرى أنها تتضح في هذا الديوان، لتصبح سمة مهيمنة بداخله. وليست مجرد قرينة دالة على فرضية ما. فالتركيب اللغوي داخل الديوان، يستند إلى ظاهرتين بلاغيتين، وهما التقديم والتأخير والتوقيع. إن كلتا الظاهرتين تستخدمان بشكل عام، لاستثمار فترة الترقب التي تؤسس أفق انتظار القارئ، وتستثيره. مظاهرة التقديم والتأخير تعيد إنتاج النسق اللغوي، بحيث يتم تقديم العناصر الثانوية في تركيب الجملة  (الحال – المفعول – الجار والمجرور ..) كي تسبق العناصر الرئيسية في الترتيب (المبتدأ / الفاعل / الخبر/ الفعل)، إن تقديم الثانوي وتأخير الرئيسي، يؤدي إلى توسيع المدى الزمني، الذي يستغرقه فعل التخييل داخل ذاكرة القارئ، وبالتالي، فإن أفق انتظاره يعمل بتفجير أقصى طاقة دلالية له، في محاولة للوصول إلى المطابقة بين المحتمل والممكن، مما يؤدي إلى تكثيف الاحساس بلذة النص.

وإذا كانت الجملة – بصيغة مدرسية – هي التي تقدم معنى يحسن السكوت عليه، من خلال استخدام أقل قدر من الكلمات (مبتدأ وخبر – فعل وفاعل) فإن التقديم والتأخير يؤديان بالجملة إلى أن تتمدد أسلوبياً، بحيث لا تخضع لمبدأ الاقتصاد الأدائي للغة، وفي هذه الحالة، تتحول العناصر الهامشية التي يتم تقديمها، لكي تصبح عنصراً أساسياً وفاعلاً في تركيب الجملة الجديدة. أي أن آلية التقديم والتأخير هي انتقال بالضرورة من اللامعنى إلى المعنى، أو من المعنى الناقص الذي تقدمه العناصر الهامشية، إلى المعنى التام الذي ينتج بمجرد الوصول إلى العناصر الأساسية في تركيب الجملة.

ومن الملاحظ أن وليد خازندار، يعمد إلى تشويه البناء المنطقي للجملة، من خلال نوع من العنف المنظم، الذي ينتج عن آلية التقديم والتأخير. وبذلك، يخرج بالجملة من العرف اللغوي الذي يؤسسها، باتجاه شخصانية الأداء، أي بالانتقال من (اللغة) إلى (الكلام) بالمصطلح اللساني. وهذا التشويه المتعمد الذي يمارسه الشاعر، يحيل مكونات الجملة إلى ما يشبه الشظايا اللغوية، التي تبدو كما لو كانت بلا رابط بينها، ومن هنا يصبح استخدام (الفاصلة) -إملائياً- ليس ترفاً يمارسه الشاعر بقدر ما هو ضرورة تركيبية، لتأكيد عناصر العبارة/ الجملة:

ذاك، عندما
مجروحة، قليلاً
تذهب الأشياء إلى اندلاعها
ملابسه، والحقيبة فوق الخزانة،
وسادته، والباب
والجذور الخفية والهوى

 (ص. 21)

في هذا التشويه المتعمد للنسق اللغوي المتعارف عليه، يبتدئ – كما في النص- بإسم إشارة، يليه ظرف، ثم حال، فتمييز، وبعد ذلك نصل إلى المعنى الذي يحسن السكوت عليه (تذهب الأشياء)، من خلال الوصول إلى الفعل والفاعل. إن تلك المجاورة بين عناصر التشظي اللغوي، لا تتطلب الالتئلم الذي يؤدي إلى الوصول إلى معنى منطقي، لكنّها تتطلب خلق حالة إنفعالية لا منطقية، بمعنى أن لها منطقها الخاص، وتلك الحالة تطمح إلى عالم مهوش ومتوتر، وبذلك، يصبح التركيب الأسلوبي ليس مجرد وسيلة لبلوغ معنى ما، لكنه يصبح (معنى المعنى)، أو (المعنى التحتي) طبقاً لجينيت. فما يطمح إليه وليد خازندار، من خلال استخدامه لآليات التقديم والتأخير، داخل نصه الشعري، ليس الاستمتاع بلذة النص، وإنما بتوتر النص.

على أن هناك العديد من أشكال التقديم والتأخير، يستخدمها الشاعر ضمن سياقه اللغوي، ففي الجملة الفعلية، فإنه يبتدئ عادةً بالفعل، ثم يرجئ الاعلان عن الفاعل إلى ما بعد العناصر الهامشية، التي قد تتمثل في الظرف والجار والمجرور، كما في النص :

“ما تغير
اسبوعين، فيه ، شيئ”

  (ص. 32)

إن خلق مساحة زمنية تفصل ما بين الفعل وفاعله، إنما تحفّز أفق انتظار القارئ وتجعله مستنفراً لتخيّل طبيعة الفاعل، وهذه الظاهرة التي يتم فيها الفصل بين الفعل والفاعل او (المبتدأ والخبر)، يمكن أن نطلق عليها  – اصطلاحاً – (الإرجاء)، وليس بالمعنى التفكيكي، ولكن على المستوى النحوي. إنّها تتكرر بامتداد الديوان، ليصبح تجاور عنصري الجملة الرئيسيين، استثناءً وتجاوزاً :

“سيكملون، في المطبخ،
حين يتبعونك،
الكلام.”

  (ص. 33)

وهذه صورة أخرى لتكنيك الإرجاء، لا يتم فيها الفصل بين الفعل والفاعل، كما كنّا ننتظر، ولكن بينهما من ناحية وبين المفعول به من ناحية أخرى، والذي بدونه لا يمكن أن نصل إلى المعنى الذي يحسن أن نسكت عليه.

وبذلك يتأكد لنا أن الهدف من كل الحيل التي يقوم بها الشاعر، تكمن في إرجاء المعنى، من خلال إرجاء عناصر الكلام التي تقوده باتجاه هذا المعنى. ففي تعبير(سيكلمون)، مع إرجاء المفعول به الذي يقع عليه الفعل، تتم استثارة أفق الانتظار، دون أن يصل إلى حالة الإشباع الدلالي. لذلك، فإن ذاكرة التلقّي من خلال رد فعل التخييل، تقاوم انفتاح النص، في محاولة للوصول إلى حالة الاستقرار الدلالي، التي تنتج عن إغلاق دائرة التوقع. فالإرجاء- بالضرورة- يؤدي إلى توتر أفق الانتظار، نتيجة الضياع المؤقت للمعنى. وهنا، تصبح عملية اعتراض (حين يتبعونك) لمسار الدلالة المكتملة للعبارة الشعرية، هو حافز آخر يؤكد على حالة توتر النص. إذن، ففعل العنف المستمر الذي يمارسه الشاعر ضد البناء اللغوي للعبارة الشعرية، إنما هدفه الأساسي تفجير الدلالة من خلال توتر السياق.

ويستمر تكنيك الإرجاء، أي الفصل بين عنصري الجملة والمفعول به، بامتداد الديوان، ليصبح نوعاً من التأخير، دون التعويل – في هذه الحالة – على مفهوم التقديم:

“أشعلتَ، هادئاً
على الشباك الذي لا يطلّ،
الستارة.”

   (ص. 37)

ويصل تكنيك الإرجاء إلى أقصى طاقة للتوتر، عبر إعادة إنتاج السياق اللغوي :

“الشوارع التي اتكأتْ،
هناك، على غيابك
سوف لن، إلّا مجازاً
تستعيدها.”

  (ص. 122)

ففي السطرين الأخيرين، يتم الإرجاء بين أداة الاستقبال (سوف) وبين الفعل (تستعيدها)، مرتين : الأولى حين تتدخل أداة النفي لتفصل بين الفعل وإمكانيات تحققه، والثانية حين يتدخل أسلوب الاستثناء، ليقوم بانعكاس الفاعلية بين الرئيسي والهامشي، وهنا يصبح تركيب العبارة مليئاً بالفجوات المفهومية، التي لا تمتلئ – بل تتسع- عبر أسلوب الاعتراض اللغوي، أي دخول ظواهر لغوية تؤثر على طريقة الوصول إلى المعنى، الذي يحسن السكوت عليه.

إن هذا الحشد من التراكيب الاعتراضية، التي تعوق مسار المعنى / الدلالة، وتؤدي إلى حالة من التوتر تكتنف أفق الانتظار، لا يتأتى إلّا عن طريق المزج المستمر بين ظاهرة التقديم والتأخير، وظاهرة (التوقيع) ويقصد بالتوقيع – بلاغياً- الإتيان بكلمة واحدة، أو بمقطع صغير، بعد مقطع أو مقاطع طويلة، حيث تكون الكلمة (أو المقطع) قفلة تامة للمعنى :

“وحين، على شاي متأخر،
يحرّك سكّري، مرتين
صوتها.”

   (ص. 95)

فالتوقيع – هنا – ينتج عن كلمة (صوتها)، التي تعتبر قفلة تامة للمعنى ، وكلمة الاقفال هذه، إنّما تبطئ من زمن وصولها إلى لحظة الذروة الدلالية، حتى تسبقها حاشية من الكلمات والتراكيب، التي يهدف الشاعر من تتاليها إلى إطالة زمن الترقب، مما يؤدي إلى استثارة أفق الانتظار، والتوقيع – في النص السابق – لا يتم بمعزل عن ظاهرة التقديم والتأخير، لكنه متوشح معها. ويتحقق التوقيع عبر تتالي؛ الظرف، ثم شبه الجملة، ثم جملة أخرى، ثم التمييز العددي، وصولاً إلى الكلمة التي تقفل الدلالة :

“بالصرخة، فجأةً، عالياً
تغالبين السدى.”

  (ص. 113)

وفي هذه الصورة، يتم الاستناد إلى الظواهر الثانوية في التركيب اللغوي، ليصبح تقديم الجار على المجرور، وكذا الحال، على الجملة الرئيسية، هو تأكيد على فعالية دمج الظاهرتين معاً داخل نص وليد خازندار.

وبتتبع ذلك الدمج عبر الديوان، سوف نجد أن الأمر يتجاوز المصادفة الأسلوبية، ليصل إلى ما يشبه التصميم الأدبي للشاعر.

على أن ظاهرة التوقيع قد تأتي منفردة، دون موازاة من ظاهرة التقديم والتأخير، لتصبح استثارة أفق الانتظار رهناً بها وحدها :

“لا يفزعنّك، أننا معلّقون

كلنا، علانيةً، واحداً على الجدار، واحداً،

بابتساماتنا”

   (ص.83)

فالكلمة الأخيرة (بابتساماتنا) تقع في مكانها الطبيعي من السياق اللغوي، لكن لكي يتم التوصل إليها، علينا أولاً المرور بالعديد من الكلمات، التي تتداعى عبر السياق، قبل أن نصل إلى إقفال المعنى بها. فالدلالة تنتج طبقاً لمبدأ الاقتصاد الأدائي، من خلال عبارة (معلقون على الجدار بابتساماتنا) إلّا أن دخول (كلنا) على السياق، ثم (علانية) لإثبات حال الفعل، مع دمج الكل في الواحد من خلال الحال الثاني (واحداً)، ثم الجار والمجرور (على الجدار)، ثم الحال مرة أخرى، وصولاً إلى الكلمة التي تقفل الدلالة. كل ذلك يؤكد فعالية التوقيع داخل الديوان كما سيؤكد على أنّه سمة أسلوبية أساسية لدى وليد خازندار. وهذه السمة تتميز – عنده – بأنها لا تباغت أفق انتظار القارئ، لكنها تناوئه على مدى زمني ممتد.

ومن خلال تتبع آليات الدمج بين التقديم والتأخير من ناحية، والتوقيع من ناحية أخرى، في ديوان (غرف طائشة) يمكننا القول أن الشاعر حريص على ضرورة اشتمال السطر الشعري على تتابع لغوي، يتكون عادةً من بعض المفردات الآتية : أسماء الإشارة- الجار والمجرور- الحال- المفعول – الظرف. ويتم ذلك باختلاف في الترتيب، لكن ثبات التركيب، وقد يقال أن تلك الأدوات والمفردات اللغوية يمكن أن يتلمسها في أي قصيدة، وتلك حقيقة لكن ما يميّزها بالضرورة، عند وليد خازندار، أنها تستخدم – كمياً- بكثافة، كما أنّها – كيفياً – لا تقوم بدور هامشي في إثبات الدلالة، لكنها نقطة البدء الأساسية في إدراك شعرية النص عنده.

إنّ هذه الآلية الناتجة عن التقديم والتأخير والتوقيع، والتي تؤدي إلى إعادة ترتيب العناصر النحوية داخل السياق اللغوي، تبدو وكأنها تتبنى دعوة جون كوهين في ضرورة خلق نحوٍ خاص بالشعر. على أننا يجب ألّا ننسى فهم تلك الدعوة، باعتبار أنها غير موجهة ضد طبيعة الإعراب، لكنها موجهة ضد استقرار وثبات التركيب اللغوي للجملة/ العبارة. وبمعنى آخر، تحريك السياق المتواتر، في سبيل إنتاج نص متوتر. فكما أنّ الشعرية لا يمكن أن تنتج عن الحياد الدلالي، فإنّها أيضاً يصعب أن تصل إلى أقصى فعالياتها من خلال الحياد النحوي، أي باتّباع قواعد التركيب، طبقاً للتقاليد السابقة. فالشعر – في النهاية- خروج من التقاليد، خروجاً على التقاليد. وهذه الثنائية التي تعتمد على المحو والاثبات، هي مجد القصيدة، ومبرر وجودها في آن واحد:

“أتستخدم لا تزال، العطر الذي لا أحب
وتلبس الألوان التي أكره،
وتترك أشياءها مرميةً
هنا وهناك، على حبال
أعصابي؟”

   (ص. 109)

ساحة النقد،العدد 108، 6/8/1995