Skip to main content

  وليد خازندار                        ما تخلّى أحدٌ عنا                             
  لم يكن هناك، في الأصل، أحد                                                                                    

“غرف طائشة” لوليد خازندار

الذات مفارقة والمرأة ذئبة

حسام الدين محمد

 

هذه الدراسة لمجموعة “غرف طائشة”، لوليد خازندار انتقلت ضمن المفهوم النظري التالي: بعد دراسة سابقة قمت فيها بإحصاء مفردات القصائد وتلمس الحقول الدلالية التي تنبني عليها زيادة مفردات المنزل وتفاصيله وتناقص مفردات النبات والطقس ثم الحيوان والاشخاص، والخروج باستنتاجات عن الدلالات والبنى التي تشكل هيكل القصيدة، بعد كل ذلك قررت أن أعيد قراءة النص متسلسلاً قصيدة فقصيدة، لأرى إلى المعمار التدريجي وما يحمله من معنى تشكيلي وجسدي، أي بعد أن قمت بتشريح الجسد إلى مفردات وحقول عدت فقرأته من رأسه حتى قدميه (لو جاز التشبيه) وأسميت هذه القراءة قراءة خطية ويمكن أن تسمى أفقية او غير ذلك، فالعبرة بالنتيجة لا بالتسمية، وأهمية النتيجة في قدرتها على قراءة تطور”تاريخ” القصيدة كتحول في الذات المبدعة. والتاريخي هنا لا علاقة له بالتاريخ كعلم معروف بل بتاريخ تغاير التفاصيل ضمن القصيدة وحركة الذات خلالها، وكانت هذه الدراسة بالنتيجة.

في “أسماء العشية” أول قصائد المجموعة، يراقب الشاعر “الفاتن الوجهة” تحولات النهار : الصبح، الشمس، الريح، لكنه يستريب من النوافذ، ويحكي راضياً غير متبرم، سيرة تردد شخص القصيدة (بديله) وسكونه واحتجاجه وغموضه. أما في “ركوة بعدُ”، فهناك ما توحيه الأشياء بحركة شخصين دون أي نأمة يصدرها النص عن وجودهما. هناك، فقط، “موج على الجدران” وهناك “شغف على درجين قبل الباب”، و”شرك على علاقة العطر”

يدهشنا النص بهذا الكبت الفائق للرغبة بالإفصاح، وفي الآن نفسه بقدرته على التعبير بالشعاع والظل، كأنه ألعاب ظلال اليد على الجدار، واصلاً إلى نوع من شيفرة لما وراء اللغة.

في”عصف وموجة” تبدأ القصيدة بهذا المطلع اللافت للنظر : (على مهل يساور هدأة/ بأغنية ورقة سنديان/ من البعد، منكشف، كثيف، ذاهل) فالسطران الأولان يشبهان بيتاً عمودياً من وزن البحر الوافر، أما الجملة اللاحقة فتكسر سياق هذا البيت الاعتيادي على السمع، كما تكسر هدوء الجملة الأولى وصورتها ومحمولها. في القصيدة تذكّر لرحيل ما. وتتشابه خاتمة القصيدة بروحها التقليدية الطللية مع المقطع العمودي.

“حريرعتيق” هي “تحريك للنار”: نار الذاكرة حيث ما زال الرحيل يؤلم: “الحقيبة فوق الخزانة”، “النار المفضية إلى تردد، والتي تذهب بالشاعر في عتمة بيضاء. أما في قصيدة “خلسةً وردة” فالشاعر يرتب أيامه وجذوره الجديدة: (دالية/ ممر ناحل/ بين الشجيرات ليسهو). نغمة الرفض في القصيدة غريبة وغير عادية في جو الخازندار (شوكة للزنبق/ كي لا ينتفض)، و (صرخة للياسمين)، غير أن هذا الرفض، هذه النغمة التي توحي بالحركة والخروج من المشهدية تحال إلى اللغز، أو الحياد بالنتيجة، فكما يقول : إذ ربما../ من يدري؟)

في “الشوكة هذه” وبدلاً من طلب الشوكة للزنبق والصرخة للياسمين، تنبت للشاعر، وهو “بين التفزّع والرضاء” كما يقول، مخالب هكذا : لم يصنع شيئاً ولم يطلب شيئاً كان يحاول فقط، أن يغني، أو يهمس، أما في قصيدة “هنيهة قبل الجرس” نبت بدلاً من المخالب، أو معها، أجنحة. والسبب العميق المختبئ، ربما كان قدوم هؤلاء الذين (سيأتون بالموج في أكفهم/ بعد برهة، وبالضحكة العالية)، ربما، من حول المكان من وِجار إلى منزل، والشاعر من ذئب إلى طائر؟! في هذه القصيدة، وهي سابعة قصائد المجموعة، نشهد أول وجود للبشر على كوكب أرض القصيدة الخازندارية، وهو وجود للغرابة، ضاج وعالٍ وجميل. تبدو هذه القصيدة فريدة إذن، ليس بسبب هبوط البشر على أرضها فقط، بل في استخدام الشاعر لضمير المخاطب بدلاً من الغائب (استخدمه بشكل محدود في “ركوة بعدُ”) بل أنه يجعل شخص القصيدة، المخاطب، يتحدث إلى نفسه، أي يستخدم ضمير الأنا المفتقد في أرجاء المجموعة كلها. في هذه القصيدة أيضاً يتواجد العالم البسيط حيث أشياء المنزل وحركات الستارة والشباك والأوراق. إضافةً إلى أطروحة التردد المستمر، هناك ايضاً على المستوى اللغوي، وجود فعل الامر، النادر الوجود أيضاً عند الخازندار، وهذا الفعل يطلق القصيدة من عالم الوصف إلى عالم الحركة الآمرة : “أدخل، لا تلتفت”، وهنا أيضاً ترد حالة تفتقدها باقي القصائد : الحكم أو الإبلاغ الجازم في نهاية القصيدة : “هذا الذي تركت خراب/ هذا الذي تركت خراب”.

يتطور الأمر في “نكهة خفيضة” فيستخدم الشاعر ضمير الأنا، كما يستخدم بلهجة الجزم أيضاً، فهل نشهد حركة في أبهاء السكون المخيم؟ يقول الشاعر في آخر القصيدة : “ألمح سراباً / سأنجو” وهنا يربط بين ما قالته القصيدة السابقة: “هذا الذي تركت خراب”، وبين قرار النجاة بعد الرحيل من المكان الخراب المتروك، تفضي أيضاً هذه القصيدة إلى ما بعدها : “ما سوف يأتي”، حيث تعود الأشياء للسكون مترافقة مع سكون اللغة واستقرارها، فلا صراع أو حالة مهمة كالتي استوجبت استخدام ضمير الأنا في القصيدة السابقة، لقد عاد الشخص في القصيدة من جمرة “متلفتاً ذئباً” لقواعده المستقرة سالماً حيث “يهطل الآن، في المحارة نفسها”. القصيدة تقدم حالة لم نشهدها من قبل هي حالة التعب.

يعود الشاعر إلى هواجسه القارة في “بعيداً عالياً” مراقباً الطبيعة وواصفاً إياها. وصف الشاعر هنا مذهل ولغته جديدة ومبتدعة، كما ان هناك جديداً يضاف إلى المشهد الاثير للوصف عند الشاعر، حيث الشجر والصباح والريح. فهناك كائنات بشرية حية تتحرك ولكن “بعيداً” و “عالياً” بمعنى ما، يدخل البشر هنا ضمن لوحة الطبيعة الصامتة، ويتحولون بعد إفراغهم من ذاتياتهم، يجعلهم بعيدين وعالين، إلى الانضمام للحالة المشهدية.

“كرسي للحقيبة” تأخذنا الى الشخص “الغائب في الخامسة”، لا نتوقع خروجاً عن الوصف ما دام الكلام بصيغة الغائب، لكن الغياب هنا يكتسب معاني عديدة قوية. تسمية الشخص الغائب توحي بغيبوبة أكثر مما بغياب، هو بانتظار القطار، ليعود ربما، أو ليغيب أكثر. الغياب هو سيد هذه القصيدة المذهلة، حتى الأفعال ترد بصيغة نفيها = غيابها عن الكينونة : “بينما لا يشرب القهوة / بينما لا يسمع الناس والقطارات والأغاني / بينما، كتمثال قديم، يظل لا يبدأ ولا ينتهي / لا يقول / لا يغادر الحكاية / يكون قطار الخامسة والنصف غادر”

هذا الغائب، ليس غائباً لمغادرته مكاناً، إنه غائب لأنه لا يغادر شيئاً. إنه لا يغادر الحكاية حتى، ووحدها الاشياء المتحركة والخارجة عن إرادته، مثل قطار الخامسة والنصف، تغادره وتغيب، فهو غائب لدرجة أنه لا يغيب عن شيئ، فالغياب هنا يستلزم فعل غياب، ويستلزم بداية ونهاية، أما هو فلا يقوم بفعل، لا يسمع ولا يشرب ولا يبدأ ولا ينتهي، ويصور الشاعر بذلك غياباً أفظع من أي غياب معهود.

قصيدة “ذهاب ابيض” هي غياب آخر، بالسقوط، بالذهاب الأبيض، بالتحول إلى فراشة تطير، بالموت الذي لا يذكر اسمه ولكن صنجه يدقّ. يستمر الموت بالحضور في القصيدة التالية “أزل خفيف” ولكنه موت ملتبس، لا يفسر : إنه موت ولا موت في الآن نفسه. هناك شخص مفترض أنه ميت يعود إلى بيته، حيث صورته على الجدار، وحيث يلحظه الجميع داخلاً ولكنهم يغضون على سر رؤيته أو عودته، فهل عاد حقاً وقطّب قميصه المجروح؟ بشفافية متنافرة يخفي الخازندار موضوع الموت ويلغزه ويفتحه على دلالات عجيبة.

الموت أيضاً في “نصف الليل”. ولكن كموضوع طرفي. الموضوع هنا واضح في توجهه العاطفي، وفي مديحه، وفي تموضع أطرافه : الأب والأم والأولاد. يستخدم الشاعر هنا ضمير الجمع ويتنظم ضمن جماعة : “يعدّنا / يغطي ما انكشف منّا”، ويتواجه ضمير الغائب – الأب، بتموضع دقيق وغير ملتبس، كما الدقة في ياء الملكية : أمي. الموضوع واسلوب الشاعر يسندان القصيدة من إمكان الوقوع في التقليدية في مجموعة تقوم على نقضها.

قصيدة “لحظة، هنا” تعود للأجواء السابقة، والفكرة هنا ملامسة العبث والمستحيل : شخص القصيدة المخاطب سيسرق نجماً، مختاراً لذلك أشد الأوقات عتمة، غير أن النجم والشخص يضيئان كلما أوغل الشخص في نية العتمة واقترب من النجم أكثر. في المسافة بين الشخص والنجم، هناك سين وسوف الاستقبال في ما يشبه التمني المحتوم الفشل، سواء بلحاق لن الناصبة بسوف: “سوف تقودك الوصايا إلى يديك، إذن”، أو بالنتيجة الآيلة “ستمر، مستوحشاً، بالمقاهي/ كما لو أنك لم تكن / لحظة، هنا” وبين أول سطر وآخر ستتغير كلمة واحدة تكشف بتغيرها هذا العبث الأقصى، ففيما يبتدىء بالقول : “إذن ستسرق النجم الذي نويت”، ينتهي بالقول : “إذن ستسرق النجم الذي نأيت”، وكأن النجم ما هو إلا ظل نفسه الذي يركض وراءه دون أن يمسكه.

شيء آخر في القصيدة يستحق الملاحظة، فالشاعر يستخدم مقابلة بين الأنثى والذكر على شكل شاذ وغريب، فالأنثى ترد بوصفها ذئبة، ويرد الذكر بوصفه ريماً، وبذلك تنكسر وتنعكس القيمة التقليدية للذكورة = التوحش، إلى الذكورة بما هي الأليف الجميل مشروع الضحية والافتراس الأنثوي، ويخترق ميزان الدلالة التقليدي بما يعطي إمكانية شعرية خاصة، فهل نستطيع أن نجد الأرض التي تقف عليها هذه الدلالة؟

يقدم النص اضواء متعاكسة، فإلى جانب الدلالة “التأنيثية” لشخص القصيدة، هناك التشبيه بالفراشة، وهناك الارتعاش خوفاً من “أو شوقاً إلى؟” الذئبة، وهناك البقاء في المنزل “وإن ألحق بدلالة ذكرية”؟ “لابثت المنازل صهوة”، إضافة لصفتي الريم والنجم، فرغم أن الكلمتين في صيغة المذكر فإن دلالتيهما في السياق التاريخي للغة الأدب كانت أنثوية غالباً.

القصيدة التالية “ذئب وصحراء” تبدو استمراراً أو تنويعاً على القصيدة السابقة، فتشبيه الريم ما زال، أما الذئبة فتحولت إلى شيطانة. في المشهد أيضاً ذئب لا ذئبة. الذئبية هنا تأتي مضارعة للخواطر السوداء والخوف من المخاتلة، وهي دلالات مختلفة لدلالات الذئب السابقة التي استخدمها الشاعر في القصائد الأولى في المجموعة.

قصيدة “عصف تائه” هي أولاً انتقالة إلى أرض المشاعر نحو الأنثى، وهي تقسم إلى قسمين : قسم يمكن أن نسميه بقسم الاغتراب، يختبئ فيه الشاعر في منزله محتجباً عن الخارج ومستريباً به، بعيداً عن الآخرين، مراقباً لدلالات الأشياء البسيطة المجردة من انفعاليتها وضجيجها، مراقباً الطبيعة وأفكاره، مفارقاً لذاته وللأشياء، وقسم يتجرأ فيه بقوة الأنثى وحرارة انفعالاتها، على أن الخروج من قوقعته والدخول في أفعال الانفعال، الحب والصراع.

القصيدة التي تبتدئ هذا القسم “إذا صحّ لنا تسميته كذلك” أخاذة وتشكل نقلة نوعية يلعب فيها الشاعر على تمرسه في أسلوب البقاء خارج المشهد والحديث مع شخص القصيدة، أو بالأحرى، مع ذاته، لكنه يقوم هنا بالتنقل بسهولة بين هاتين الحالتين : ضمير الأنا وظله البديل : ضمير المخاطب أو ما سميناه بشخص القصيدة : “ستفتح الباب عارفة أنك مني”، لكن خرق الضمائر هذا، يمشي  في الوقت نفسه، على التأكيد على أن الشخصين غير متطابقين، بل ليسا شخصاً واحداً : “لا يفزعنّك أننا معلقون، كلنا، علانية، واحداً/ على الجدار، واحدا، بابتساماتنا” مع حفظ إمكانية الالتباس دائماً بطريقة جد بديعة، فقوله هنا : “كلنا”، تأكيد للتعدد وفي تأخيره واحدا إلى ما بعد جملة  “على الجدار”  إفساح للالتباس مجدداً وهو ما سيستمر إلى آخر القصيدة، وبطريقة مذهلة بجمالها؟ “سوف تجلس مجروحة وساكتة / أنت أيضاً لا تقل شيئاً  / لأنه ، من يديك / من سعيك أن تبتسم / من إشاحة وجهك في لحظة / ستعرف أننا تغيّرنا كثيراً” فاستخدام “تغيّرنا” هنا تأتي مفاجئة ومضيئة ومستمرة في خلق الالتباس الجميل.

تحليل هذا النزاع بين ضمير المخاطب وضمير الأنا والجماعة، يمكن أن يفسر، على ضوء ما اقترحناه من تقسيم للمجموعة، بحالة الانقسام هذه، والخلاف الناشب بين التلولب الحلزوني  والتقوقع الذاتي وبين الحركة الانفعالية المتقدمة إلى أرض القصيدة.

تنتزع قصيدة “رعشة الحكاية” لوصف شؤون الأنثى وهي شؤون تبدو موازية لشؤون شخص القصيدة، توازي المختلف، على الأكثر. هنا تبدو الآخرية، أي شؤون الآخر، واضحة، وليست مجالاً للعبة استبطان. طقس القصيدة إيحائي، يشف عن قلق الجسد الأنثوي ومشغولياته، بطريقة فريدة، “تعصف بالكلمات وبالوقت، ويبدأ / إذ تهدأ عصف يأكلها”

أما قصيدة “شاي متأخر” فيجترح الشاعر، على ضوء الأنثى، ربما، ما لم يحصل قبلاً، فهنا نجد حواراً مباشراً بصوت الأنا – الشاعر والأنثى. الأنثوية هنا تفاؤل “مرتبط بعلاقتها بالطبيعة وخصبها” والذكورية تشاؤم. القصيدة محملة، نوعاً، بدلالات تقليدية قفص وأجنحة، فرس في إطار، آخذ من يدها السنى إلخ.. غير أن نقطة ضعف هذه القصيدة هي بأسلوب شاعر كالخازندار تتحول نقطة قوة. ضمن مجموعة تنوء بثقل التردد والريبة والعجز عن الفعل. إنشادية وتفاؤلية القصيدة تريح أعصاب المجموعة وتمنحها قوة الإنساني.

الحوار في “شاي متأخر” يتحول إلى شوق للاتحاد مع الأنثى في ” ما يلزم البرعم” هناك التردد المعتاد : “تهوي خصلة، غرة، على عينيك، سوداء، / فأكاد أرفعها، فأرتد” ولكن هناك حسماً أيضاً “سآخذ، فجأة، يديك / وأقول، بين حافلتين حاذري”

قصيدة “مسطرة الوصايا” تنفرد بطرافتها في المجموعة، ولذلك تبدو غريبة عن السياق. القصيدة مفيدة للتحليل لإيرادها الحالة الطفلية الخوافية، فتذكر : الغولة والضبع الأسود ومغارة العقارب.

“مسك كثير” تفهم – إن كان من قصد القصيدة، على الإطلاق أن تفهم- على ضوء ما بعدها. في هذه القصيدة يستخدم الشاعر أسلوبه الذي يستبطن الأشياء ويوحي من خلالها بدقائق المشاعر، كما أنه يستخدم ما سبق أن استخدمه في “لحظة، هنا” حيث بتغير كلمة واحدة بين أول القصيدة وخاتمتها يتم الإيحاء بمشهدية كاملة أو بمعنى كامن خلف اختلاف صيغة الفعل أو حرف فيه : نويت، نأيت، فبعد توصيفه المشهد كالتالي: “وخلف الطاولة الستارة / بعد المقعدين / هادئة وزرقاء”،  يتكرر المشهد بعد عام، حيث ما زالتا ساعة سابعة وربع : “الستارة هائمة / وزرقاء” فقد التصقت بالإسم ولكنها تحولت  من هادئة إلى هائمة. وأقام الشاعر فراغاً بين الصفة زرقاء، التي بقيت على لونها، وبين الصفة هائمة التي أثارت حالة كاملة من خلال أقل تغيير صوتي ممكن.

في “إبرة وملائكة”  نجد شخص الشاعر الصريح مع الأنثى، وبعيداً عنها، في الآن ذاته. كان الشاعر في القصيدة محكوم باللا توحد مع الآخر. القصيدة هنا، هي قصيدة الألفة مع المرأة دون أن تغادر الألفة المخاوف : غولة جدتي، الشياطين…

وفي قصيدة “العطر نفسه” نجد الشاعر بإطار الحال الأنثوية، وفي حالة فاعلية : التفتيش عن المرأة، غياب المرأة، وصف المرأة : عنادها وجنونها، هو الغبطة الكبيرة بها.

في “مجروحة وآسرة” نستمر مع حالة الأنثى لكننا هنا على أهبة نزاع وتوصيفه بين الشاعر والمرأة. مجروحة وآسرة، توصيف جديد لحالة التناقض ضمن ذات الأنثى، التي تطورت من “مجروحة وساكتة” في قصيدة “عصف تائه”، إلى عنادها، مثل انكسارها، عتي”، إلى “حمقاء قصيرة”، و “تضرب الجدار برأسها كلما غضبت” في القصائد اللاحقة. يتواجه، في هذه القصيدة، غضب الأنثى وسورتها مع حذر وتوجس الرجل. القصيدة تتوتر بتوتر الحالة. ويظل مع الحدة القائمة قادراً على استخدام أسلوب التضمين والتبطين الموحي.

“سطوة، سطوة” تومئ من جديد وتلتبس، وتنهي على الأكثر، موضوعة الأنثى ، عائدة بالقصيدة إلى أجواء الشخص وظلّه أو رقيقه. أما “ارتباك المرايا” آخر القصائد، فتختتم المجموعة بنفس “كافافي” : “الشوارع التي اتكأت على غيابك / سوف لن، إلاّ مجازاً، تستعيدها، مجازاً” ويخرج بذلك قصيدته من وصف الوحشة إلى حكمتها. هنا، يستعاد فعل الأمر بدلالته الاصرارية، ولكن اليائسة، ما دام الإصرار يقوم على غربة ونأي وغياب.

مجموعة “غرف طائشة” لوليد خازندار (الصادرة مؤخراً عن دار فكر في بيروت) بعد “أفعال مضارعة” مجموعته الأولى (دار إبن رشد) تأتي تكريساً لصوت خاص منفرد وعميق، لشاعر يحتقن ألمه مثل وردة قاسية، ويحتفي باغترابه الأقصى في قصيدة عذبة بقدر مرارتها وانجراحيتها الفذة.

وبين أصوات الشعراء القادمين من روح فلسطين الأسيانة، يتفرد خازندار بجهد شعري – لغوي عال وبتميز في الصوت كبير.

جريدة “القدس”